دولياتسياسة

تركيا: الوطن الأزرق ووهم التوسع والسيطرة !

 

كتب أكرم بزي
العالمون بتركيبة الأحزاب السياسية في تركيا، يدركون تماماً أن ما حققه رجب طيب أردوغان على رأس حزب العدالة والتنمية، وبعد إقصاء الزعيم التركي فتح الله غولان وما يمثله داخل المجتمع التركي يفوق بكثير مما كان يعتقد البعض، إذ أن أردوغان أحكم سيطرته على الجيش والذي كان يعتبر لأمد قريب أنه الحاكم الفعلي للبلاد.
والقريبون من أردوغان يعلمون ان الرجل لديه طموحات تتصل بالإرث العثماني القديم منذ أيام مراد الأول واحتلاله لبلاد البلقان، وربما تكون معركة كوسوفا من المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي والعالمي، التي أرّقت أحلام أردوغان منذ طفولته .هذه المعركة التي دارت رحاها في شبه جزيرة البلقان، وكانت بين تحالف الجيش الأرثوذكسي بقيادة الملك الصربي لازار من جانب، وبين الجيش العثماني بقيادة السلطان مراد الأول من جانب آخر.
والبلقان منطقة كبيرة تشكل الزاوية الجنوبية الشرقية لأوروبا وشكَّلَت عبر القرون خط تماس وتوتر بين العالَمين النصراني والإسلامي أيضاً. جعل الأتراك العثمانيون هذه المنطقة ميداناً لفتوحاتهم وأنشطتهم في نشر الإسلام، على حساب الإمبراطورية. ويبدو أن الرئيس أردوغان يعمل على ترسيخ فكرة التوسع خارج المدى الحيوي الطبيعي لتركيا، عملاً بمبدأ "عدم جواز تدخل الدول الأجنبية لمنع اتساع دول أخرى عن طريق ضم بعض الدول الصغيرة المجاورة لها، مادام الغرض من هذا الضم هو قيام دولة كبيرة تجمع بين كل أفراد الجنس الواحد".
يقول اللواء المتقاعد جيم غوردنيز في حديث لصحيفة "واشنطن بوست"  الأميركية، في تعريفه لـ "الوطن الأزرق"   الوصول إلى منطقة عازلة واسعة تبلغ ما يقارب 180 ألف ميل مربع من البحر، تمتد إلى ما وراء الجزر اليونانية قبالة الساحل الغربي لتركيا، اذ "لا يمكن  إهمال البحار مرة أخرى، لا يمكن إبعادنا عن الجغرافيا السياسية للبحر الأبيض المتوسط ، وحضارة البحر الأبيض المتوسط"، متسائلاً حول كيفية "مقاومة الأعداء الذين يريدون أن يروا تركيا غير ساحلية".
ووفقًا "لسينم أدار"، الباحث في مركز دراسات تركيا التطبيقية في برلين، أنّ "مفهوم الوطن الأزرق لم ينطلق إلا بعد محاولة الانقلاب ضد حكومة أردوغان عام 2016، إذ عمد الأخير إلى تشكيل تحالف سياسي مع القوميين وشرع في سياسة خارجية أكثر عدوانية شهدت انخراط القوات المسلحة التركية في النزاعات من شمال العراق إلى ليبيا"، بحسب الصحيفة أيضاً. وقال إنّ "أنقرة خلصت بعد محاولة الانقلاب إلى أن البلاد مهددة، ولا يمكننا الوثوق بشركائنا الغربيين، علينا أن نساعد أنفسنا".
والواضح من التدخلات التركية في العراق وسوريا وليبيا وعلاقاته الوطيدة مع قطر (المال)، والمشاكل حول الحدود البحرية بين اليونان وتركيا، وتدخله بدعم أذربيجان في المعارك الدائرة حول إقليم ناغورنو قره باغ، دليل على أن السياسة التركية الخارجية تقوم على فكرة التوسع خارج الحدود التركية وتوسيع رقعة نفوذها في المنطقة المحيطة والأبعد من محيطها، والذي يعتبر بمفهوم أردوغان أنه اكثر ضمانا لصون الداخل والحفاظ على الحدود التركية دون المساس بها، فيما لو تطورت الأمور في المستقبل، خوفاً من التحالفات الأميركية الأوروبية والتي تؤدي في ما تؤدي اليه من "تقسيم وتفتيت الدولة التركية" ،وهذا ما يؤرق المنظرين الفاعلين في المطبخ السياسي التركي منذ أكثر من ثلاثة عقود. ويزعم أردوغان أنه "ليس ثمة دولة أو دول تستطيع أن تحصر تركيا في يابستها، ولهذا عقد مذكرة التفاهم مع حكومة الوفاق الليبية، كما أرسل بوارجه الحربية لتحرس السفن التركية التي تنقب عن الغاز في المياه القبرصية واليونانية، ومؤخرا في مناطق المناطق البحرية الليبية الجديدة".
ويروج الإعلام التركي " أن التوسع التركي في جوارها العربي هو من أجل منع تعرضها للتقسيم، فتركيا ‏حين تكون كبيرة يصعب على الغرب تقسيمها أو كما يحسبها التجار ورجال الأعمال، لندع تركيا تتوسع كما كان ‏حالها إمبراطورية عثمانية، وإذا هاجمها الغرب فستعطيهم جزءاً من بلد عربي هنا وجزءاً من بلد عربي تحت ‏وصايتها هناك، كما حصل بعد الحرب العالمية الأولى وتخليها عن الشام والعراق لبريطانيا، وعن بعض بلدان المغرب ‏لفرنسا".. ولهذا تضمن عدم الوصول الى الحدود التركية".
ولا أعتقد أن الدول الأوروبية، وعلى رأسها روسيا ستسمح له بإكمال مشروعه هذا، إذ لطالما شكلت تركيا الخاصرة الرخوة لروسيا أولاً ولأوروبا ثانياً، وعلى هذا الأساس  حاولت أوروبا وعلى مر عقود مضت، أن تعدها بأن "تضمها" لعضويتها إلا أنها بقيت وعوداً على ورق لغاية الآن. 


وحول الصراع على ثروات البحر الأبيض المتوسط وتوزيع مناطق النفوذ العالمي والأوروبي خاصة، يبدو جلياً أنه كلما تقدمت الأيام يزداد الوضع خطورة، وهناك من يعمل على تأجيج الخلافات السياسية وتزكية الصراعات العسكرية القائمة في المنطقة وحدودها للإبقاء على حالة الشلل من جانب، واحكام السيطرة لأوروبا من جانب آخر بالتقاسم مع الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني ،وحالات "التطبيع" التي نشهدها هي لاقامة تحالفات أحد أهدافها الأساسية مواجهة أي نفوذ إيراني وتركي مستقبلاً. فمنذ فترة والوضع يزداد تأزما وخطورة في بحر إيجه، حتى أن مصادر متطابقة تحدثت عن "تدخل للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل حال دون حصول نزاع مسلح بين اليونان وتركيا. والسبب هو عزم أنقرة القيام بأعمال التنقيب عن الغاز في منطقة بحرية تعلن اليونان سيطرتها عليها. وكتعليل للتحرك التركي أعلنت أنقرة أن هذه المنطقة، وحسب اتفاقية مبرمة مع حكومة الوفاق الليبية في طرابلس، باتت منطقة نفوذ تركية".
يقول شتيفان رول (المعهد الألماني للسياسة الدولية في برلين)،  في مقابلة مع "دويتشه فيلي" وحول الوضع في شرق البحر المتوسط :"الاتفاقية المبرمة الآن لها علاقة مباشرة مع اتفاقية المناطق الاقتصادية التي وقعتها تركيا وحكومة الوفاق الليبية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019. فاليونان ومصر رأتا في تلك الاتفاقية تهديدا واضحا لمصالحهما. لا أعرف إلى أي مدى تم التفاوض بين أثينا والقاهرة حول الاتفاقية الجديدة، لكن الأمر يتعلق في نهاية المطاف بسد الأبواب أمام تركيا.
وبالنسبة إلى مصر يكون من المهم احتواؤها. فاستراتيجية الطاقة المصرية تهدف للقيام بصادرات غاز بحجم كبير. لكن في النهاية النزاع المصري مع تركيا أكبر من ذلك بكثير، إنه يعود إلى الانقلاب العسكري في 2013 في مصر الذي كان موجها ضد حكم الإخوان المسلمين حينها. فالقاهرة تتهم تركيا بدعم الإخوان المسلمين، وهو صحيح إلى حد كبير. فالكثير من كوادر الإخوان المسلمين يعيشون في المنفى في تركيا. والقيادة المصرية تشعر بالتهديد من طرف تركيا وتتهمها بالتخطيط للانقلاب المضاد.
ولا اعتقد بأن الأوروبيين والأميركيين سيسمحون لتركيا التي وصفت سياستها  "بالحمقاء"، في محاولة من ترامب لتبرير سياسته هو تجاه تركيا التي أقل ما توصف به أنها سياسة صارخة الاستكبار والعجرفة تصل الى حد الإذلال للدولة التركية التي ظلت لعقود حليفاً مخلصاً للولايات المتحدة الأمريكية وأداة طيّعة لتنفيذ المخططات الأمريكية والاستعمارية في المنطقة العربية منذ الخمسينيات في مواجهة المدّ القومي العربي الذي تزعمته مصر وعادته تركيا الحالمة باستعادة حكم السلاطين للعالم العربين، متوهّمةً مساندة بلا شروط وبلا حدود من الولايات المتحدة الأمريكية حليفتها الاستراتيجية، في توسيع رقعة السيطرة التركية في سوريا والعراق وتحقيق الحلم العثماني، وهو ما لم ولن تسمح به الولايات المتحدة الأمريكية الحريصة على أن تبقى مع إسرائيل وحدها هي صاحبة السلطة والهيمنة على المنطقة كلها ولو ضحّت بحليفها السابق ـ أردوغان – كما ضحت بحلفاء آخرين لم يستوعبوا دروس التاريخ، ومفادها أنه لا ثبات لتحالف تبرمه الولايات المتحدة الأمريكية باستثناء تحالفها مع إسرائيل. وعلى الآخرين استيعاب الدرس وتصحيح الأخطاء والعودة الى الجذور.
ويبدو واضحاً أن هناك خلافات بين الولايات المتّحدة والدولة التركية حول طبيعة الدور التركي في المنطقة وفي العالم منذ عدّة سنوات وحتى الآن، وهذا ليس بجديد، الا ان ذروة الخلافات كانت في العام 2012 لأن حينها بدأ الخلاف بين أردوغان وبين فتح الله غولان، وغولان مدعوم من الولايات المتّحدة الأميركية، وفي تلك اللحظة بدأت خيوط العلاقة بين الولايات المتّحدة وقوّات الحماية الكردية في شمال سوريا تظهر.
الولايات المتّحدة الأميركية عندما دخلت في خيار التحالف مع الأكراد ودعمهم خاصّةً عشية معركة كوباني، كانت لديها خطّة معيّنة في المنطقة إن كان لسوريا أو لكل المنطقة، تنطلق من إعتماد القوات الكردية في سوريا ومن ثمّ في أماكن أخرى من أجل إعادة تشكيل سوريا والمنطقة، هذا الأمر الذي وجد فيه رجب طيّب أردوغان خطراً على الأمن القومي التركي ،لأن أي تقسيم لسوريا أو أي حكم ذاتي في سوريا سيؤثّر على تركيا ،خصوصاً المكوّن الكردي في سوريا أو الكتلة الكردية وهي حزب الإتّحاد الديمقراطي والتي أصبحت فيما بعد قوّات سوريا الديمقراطية بالتحالف مع آخرين. 
وبالرغم من كل الخلافات بين الأميركيين والأوروبيين من جهة والأتراك من جهة ثانية فإن تركيا ضرورة إستراتيجية، وضرورة أمنية،  وضرورة سياسية وضرورة إقتصادية للغرب، لذلك فإن الإدارة الأميركية على اختلاف تنوع رؤسائها تتعامل مع تركيا على أساس انها الحليف الثاني بعد الكيان الصهيوني لتحقيق مآربها والاستمرار بالسيطرة والضغط على خصومها في المنطقة وخاصة روسيا وإيران وسوريا ومن كان في المحور معهم.
*المصادر: "واشنطن بوست"، دويتشه فيلي، ناجي قمحة، "الميادين" والدكتور محمد نور الدين .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى