
بقلم د. عماد عموش – الحوارنيوز
تشهد المنطقة العربية واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في تاريخها الحديث، حيث يتزامن إغلاق مضيق باب المندب مع إغلاق مضيق هرمز، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة طاقة وخدمات لوجستية غير مسبوقة.
هذا التزامن ، الذي وصفه المحللون بأنه “أزمة ممرين مائيين في آن واحد”، يهدد ما يقرب من ربع إمدادات النفط والغاز العالمية . وتأتي هذه التطورات في سياق تصعيد متبادل بين القوات اليمنية المسلحة والمملكة العربية السعودية ، مع استمرار الرياض في فرض حصار شامل على الموانئ اليمنية البرية والبحرية والجوية منذ أكثر من عقد.
مضيق باب المندب ، الذي يعني اسمه بوابة الدموع ، يعد واحداً من أهم الممرات المائية في العالم . يقع بين اليمن وجيبوتي وإريتريا ، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي . يشكل هذا المضيق ، مع قناة السويس ، أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا ، مما يجعله شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة .
قبل الأزمة الحالية ، كان يعبر المضيق يومياً ما بين 8 إلى 10 ملايين برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة ، أي ما يعادل حوالي 10-12% من تجارة النفط البحرية العالمية . كما تشير التقديرات إلى أن حوالي 40% من التجارة بين آسيا وأوروبا تمر عبر هذا الممر ، بما في ذلك 20% من تجارة الأرز العالمية ، و20% من تجارة القمح ، و40% من تجارة الأسمدة البحرية .
مع إغلاق مضيق هرمز نتيجة الاعتداءات الاميركية الاسرائيلية على ايران ، لجأت المملكة العربية السعودية إلى خط أنابيبها الشرقي-الغربي لنقل النفط من حقولها الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر . وقد قفزت كميات النفط المحملة من ينبع من حوالي مليون برميل يومياً في العام السابق إلى أكثر من 4 ملايين برميل يومياً في يونيو ويوليو 2026 ، وهذا يعني أن المملكة كانت تعتمد على ميناء ينبع كممر بديل لتجاوز أزمة هرمز ، ما جعل مضيق باب المندب بمثابة خطة بديلة حيوية لصادراتها النفطية . لكن إعلان اليمنيين في 20 تموز 2026 فرض حصار بحري على السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية ، وضع هذه الخطة البديلة في مهب الريح . وقد أشار محللون إلى أن هذا التطور يعني أن المملكة العربية السعودية تواجه الآن أزمة مزدوجة وهي فقدان منفذ هرمز وخسارة منفذ باب المندب البديل .
نتيجة هذا الواقع أدى إلى قفزة حادة في أسعار النفط ، وحيث يمكن ان يتجاوز سعر برميل النفط 120 دولاراً ، وفي سيناريو متطرف قد تصل إلى 150-200 دولار للبرميل .
كما تسببت التهديدات في ارتفاع تكاليف التأمين على السفن في البحر الأحمر بشكل كبير ، حيث قفزت أقساط التأمين على المخاطر الحربية إلى نسب تتراوح بين 3-10% من قيمة السفن . كما أن إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح يضيف حوالي 3000-3500 ميل بحري إلى الرحلات ، مما يزيد زمن النقل من 24 يوماً إلى 54 يوماً في بعض الحالات .
من هنا نرى أن هذه التكاليف الإضافية ستنعكس في النهاية على المستهلكين ، كما صرح بذلك معظم الخبراء . وتشير التقديرات إلى أن التضخم في الدول المستوردة للنفط قد يرتفع بنسبة 3-4.5% في حال استمرت الأزمة .
بالعودة الى الاسباب ومنذ تدخل المملكة العربية السعودية في اليمن عام 2015 ، فرضت تحالفاً عربياً حصاراً شاملاً على الموانئ اليمنية البرية والبحرية والجوية . وقد أعلنت الرياض أنها تهدف من خلال هذا الحصار إلى منع وصول الأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين . لكن هذا الحصار تسبب في كارثة إنسانية غير مسبوقة ، حيث حرم الملايين من اليمنيين من المواد الغذائية والأدوية والمساعدات الإنسانية.
وما زالت المملكة تستمر في فرض الحصار على الموانئ اليمنية رغم الدعوات الدولية المتكررة لرفعه. وتشير المصادر إلى أن الرياض تمنع عن اليمن الإيرادات المحصلة من الرسوم والضرائب في الموانئ الخاضعة لسيطرة حكومة عدن ، كما تمنع صرف رواتب الموظفين العموميين في مناطق سيطرة الحوثيين . وقد أدى ذلك إلى انهيار العملة اليمنية وارتفاع حاد في أسعار المواد الأساسية ، ويرى المحللون السياسيون أن استمرار السعودية في الحصار يعود إلى عدة أسباب:
1. الضغط على الحوثيين للقبول بشروط سياسية: تعتبر الرياض الحصار أداة ضغط لإجبار الحوثيين على القبول بمشاورات سياسية بشروط سعودية .
2. الرغبة في منع النفوذ الإيراني: تهدف السعودية إلى قطع خطوط الإمداد الإيرانية للحوثيين ، خاصة مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران .
3. الرغبة في إعادة تشكيل المشهد السياسي اليمني : تسعى السعودية لتعزيز موقف الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وإضعاف الحوثيين سياسياً وعسكرياً .
من هنا أعلنت القوات المسلحة اليمنية فرض حظر ملاحة بحرية على السفن السعودية ، في خطوة وُصفت بأنها تأتي في إطار معادلة “الحصار بالحصار” . وقد أكدت المصادر أن هذا القرار يأتي بعد استمرار الرياض في التنصل من التزاماتها ومواصلة حصار الموانئ اليمنية .
يعتبر ميناء ينبع على البحر الأحمر المنفذ النفطي الوحيد المتبقي للسعودية بعد إغلاق مضيق هرمز . وتشير التقديرات إلى أن إغلاق باب المندب أمام السفن السعودية سيؤدي إلى خسائر فادحة للاقتصاد السعودي ، الذي يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط . وقد أشار المحللون إلى أن إغلاق هذا المنفذ النفطي الأخير سيتسبب بخسائر تراكمية مضاعفة على النظام السعودي .
نتيجة لذلك تواجه السعودية خيارات محدودة للالتفاف على هذا الحصار، منها :
1. استخدام خط أنابيب سوميد في مصر لنقل النفط من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط ، لكن طاقته القصوى تبلغ 2.5 مليون برميل يومياً ، وهي أقل بكثير من احتياجات التصدير السعودية .
2. استخدام ناقلات أصغر حجماً يمكنها عبور قناة السويس ، لكن ذلك يعني حمولات أقل وزيادة في عدد الرحلات والتكاليف .
3. إعادة توجيه النفط إلى أوروبا بدلاً من آسيا ، مما يعني خسارة الأسواق الآسيوية الرئيسية كالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية التي تستحوذ على أكثر من 65% من الصادرات النفطية السعودية .
في النهاية يمثل إغلاق مضيق باب المندب بالتزامن مع مضيق هرمز أزمة غير مسبوقة للاقتصاد العالمي ، هذا الاغلاق يهدد بارتفاع حاد في أسعار الطاقة والتضخم ، وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية . وتأتي هذه الأزمة في سياق استمرار المملكة العربية السعودية في فرض حصار شامل على الموانئ اليمنية ، مما يعكس تعقيد المشهد السياسي والعسكري في المنطقة . ما يحدث اليوم في باب المندب ليس مجرد أزمة عابرة ، بل هو تحول استراتيجي يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة ، ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار حقيقي لقدرته على الصمود في وجه الصدمات الجيوسياسية المتتالية . ومع استمرار حالة الجمود السياسي ، يبدو أن تداعيات هذه الأزمة ستكون عميقة وطويلة الأمد ، ليس فقط على المنطقة العربية ، بل على الاقتصاد العالمي بأسره.



