إقتصادمصارف

يا طالب الدبس من.. صندوق النمس(حيّان حيدر)

د.حيّان سليم حيدر

 

وتشكّلت الحكومة، بتهليل “دولي” وغياب “الشعب”، ونالت الثقة، و”الشعب” في غربته، وباشرت “أعمالها”، غير آبهة بحال “الشعب”، فأطلقت العناوين عريضة، خالية من وجع “الشعب”، وأخيرًا.. شكلت الوفد… ذاك المفاوِض ألّامناص منه… من خارج نبض “الشعب”.  وفي الحكومة، كما في الوفد الرسمي المفاوض، حزبان (قِيل): حزب الصندوق… وحزب المصرف.  أما “الشعب” فهو، على عادته، الحزب “الغائب”.

ومن دون الضياع في تفاصيل الخطط والبرامج، وهي غائبة أساسًا ودائمًا، فما رشح عن خلفية ممثلي الحكومة وتصوّراتهم ثمّ عن توجّهاتهم الإقتصادية والإجتماعية جعل من مفاوضيهم في الصندوق، ومع شروطهم اللّاشعبية، وكأنّهم من مدرسة ماركس و إنغلز أو لينين.

– “مَعانا  ديون.. مَعانا  قروض.. مَعانا  صناديق فرجة، فرجة..!”

– هو إذن صندوق باندورا.. الشهير Pandora’s Box)).(1)

ويا للصُدف !  خلال أشهر الإنهيار الأخيرة تحقّق ما يزيد عن 80% من الشروط التي طالما يطلبها  “الصندوق” وترفضها الشعوب.  هي تحقّقت، وبسحر ساحر، من دون أيّ خطّة أو تدخّل من قبل الدولة.  لقد تُرِكَت الأمور تسير إلى غاربها..  ومن شارقها رست على غاربها متمّمة “واجباتها” على “أكمل وجه”، أي أنّها حطّت على وجهها طَبْ !                                                             وفيها (بالأرقام، التقريبية ودائمًا غير الدقيقة، والمتغيرة أبدًا): إنخفض الناتج القومي اللبناني ممّا كان يقارب 60 مليار $ في السنة قبل الإنهيار إلى 10 مليارات $.  وإنخفضت فاتورة الإستيراد من 22 مليار إلى 9 مليارات $.  ومع ذلك، أو بسببه، “تحرّر” سعر صرف الليرة من 1500 ل.ل. للدولار إلى 19000 ل.ل.، وفي السوق السوداء خَبَره اليقين.  لقد رُفِع الدعم بشكل شبه كامل وفعليّ (مع تجهيل متعمّد للفاعل وليس للمفعول به) رُفِع عن ما يقارب 90% من السلع الأساسية المدعومة.  بالله عليكم !  هل سمعتم عن دولة تدعم 250 سلعة؟  250 يا ناس؟؟

       ومع هذا.  ولو أنّ عدد العاملين في القطاع العام لم ينخفض بواقع 40 إلى 50%، كما تشترط باندورا عادةً، لا بل قد إزداد، إلّا أنّ لبنان الرسمي تفوّق على نفسه وعلى النتيجة المبتغاة من هذا الشرط إذ أنّ “فاتورة” مجموع رواتب وأجور العاملين في القطاع العام إنهارت ممّا كانت عليه من 8 مليارات $ في السنة إلى مليار $ واحد… “واو”، حقًا “واو” !  (أو بلغة الثورة:  WoW (.                                                  على أنّ أهمّ إنجاز بقي إنخفاض الدين العام بالليرة اللبنانية، والذي كان يشكل ثلثي الدين العام الإجمالي البالغ (سابقًا) ماية مليار $ (تضاف إليه الفوائد التي كانت ستتراكم مع جدول الإستحقاقات)، وللعلم فإنّ 92% من الدين العام هو فوائد (وأنا لا أعلم مَن سمّاها فوائد ولماذا؟  أما كان الأصلح تسميتها مَضارّ؟)،  لقد إنخفض الدين العام بواقع النصف، أو أكثر، من دون أن نعرف الأرقام، وهي من أسرار الدولة المستحيلة.  أما أهمّها: ما هي مبالغ الخسارة؟  مَنْ تصرّف بها وخسرها؟  ما هي المبالغ المتبقية بحوزتنا؟  مَنْ المَعْني بِحَرْفيْ النون والألف في كلمة حوزتنا؟  ولأيّ غايات ذهبت؟  أين هي الآن؟  وأذكركم أنّه سبق وتداولنا من على هذه الصفحات، غير المُصافحات، عن التدقيق الجنائزي، هذا المطلوب العجيب؟؟..(2)

يبقى شرط أخير طالما يطالب به الصندوق ولم ينفّذ بعد ألا وهو الخصخصة وبيع الأملاك في سياق إعادة هيكلة كلّ شيء، من البشر إلى الحجر، ومعه الإصلاح والحوكمة، أو هكذا ترد تسمياتها في دفاتر التعليمات وشروط العمل والوصف الوظيفي لل”طريق إلى النجاح”..

– “مَعانا  ديون.. مَعانا  قروض.. مَعانا  حلول فرجة، فرجة..!”

ونحن إذ نقرأ هذه الأرقام، يطالعنا المعهد المالي الدولي (Institute of International Finance (IIF))  بأن الدين العام الدولي قد بلغ 296 تريلّيون $، وما أدراكم ما التريلّيون.  ومع أرقامه الفلكية هذه يساورني شكّ أن يكون لبنان قد “تعهّد” بسبق العمل على إيصال الدين العالمي إلى الرقم 300 “المنشود” والذي سيوازي ثلاثة أضعاف الناتج القومي العالمي في آخر2021.

أنتم حتمًا تدركون كيف يتمّ “إنتخاب/ تعيين” القيادات اللبنانية.  لكن هل تعلمون كيف يتم تعيين مدير الصندوق أو إنتخاب رئيس البنك الدولي أو الأوروبي؟  وهل سبق لكم أن سمعتم عن PW أو DSK (3) السيدين الذيْن، وبكل بساطة، أطاحت بهما فضائح أخلاقية من منصبيهما؟

في هذا السياق لا بدّ من إستعادة تصريح لأحد المعنيّين العالميين حيث قال: “في النهاية رئيس البنك الدولي أخذ وظيفة رئيس صندوق النقد الذي أخذ بدوره رئاسة البنك المركزي الأوروبي، ألا يشعرون بالخزي ؟” –  قالها السيد يانيس فاروفاكيس، وزير المال اليوناني “المُسْتَقال” من منصبه تحت ضغط أوروبي الذي وضع تنحيته عن منصبه شرطًا قاطعًا لمدّ يد العون الأوروبية لليونان في أزمتها المالية.

وننتقل إلى سؤالي اللئيم الذي كثيرًا ما ينتظره القارىء.  فأسأل: لماذا قلّما تؤتي قرارات مؤتمرات الدعم ثمارها؟  أَلِأنّ، كما يقول العالمون الدوليون بالأمر في تعريف لها، لأنّ “المساعدات الخارجية هي تحويلات أموال الفقراء في الدول الغنية إلى الأغنياء في الدول الفقيرة”؟  أَلِهذا فشلت مؤتمرات باريس 1 و 2 و 3، ومعها وعد مؤتمر “سيدر”؟  ألم تقتنعوا بالقول: “غبيٌ هو مَن يسلك الطريق نفسه متوقّعًا الوصول إلى هدف مختلف”.  إذن كيدًاأ المؤتمرات فشلت في تحقيق مراميها، ونحن على أبواب (أم هي نوافذ) وعود بتكرار تنظيم مؤتمرات “شحادة” جديدة؟  والأسباب لا شك عديدة ومتنوعة ومنها ما يمكن أن يكون كما أوردناها في (4).                                               أنتم تبنون جديد بلدكم بحجارة الهيكل المنهار.  فماذا تتوقّعون؟

وفي ما قبل الختام نقول: لا .. الدين العام ليس المشكلة بل الذين استدانوا بإسم الشعب.  وأيضًا: لا .. الصندوق ليس الحلّ الوحيد.  بات يتحتّم علينا إعادة النظر ب”المسلمات” ومنها: ما هو الدين العام وهل لا مفرّ منه؟  ما هي كلفته، الخسائر والحلول.  وأيضًا: الفساد ليس المشكلة بل الفاسدون.                 ولا الدولة هي فاشلة بل مَن يتولّى أمور إدارتها… إلخ…

وأخيرًا، ونحن نخطّ هذه السطور، تطالعنا مطبوعة سويسرية متخصّصة بالمعلومات المالية أنّ صندوق النقد هذا، وفي سياق إصداره الدوري لتقاريره السنوية عن دول العالم، كان قد نبّه في تقريره للعام 2016 عن الوضع الإنهياري للبنان، غير أنّه تمّ حذف الصفحات ال14الخاصة بلبنان بمعرفة من السلطات اللبنانية المعنية وبطلب منها.  برافو !!  ولكن الموضوع لا ينتهي هنا، فلدى التعمّق بتفاصيله يتبيّن أنّ هذا الإجراء هو “عادي” ويتمّ بناءً لطلب الدولة المعنية التي يبقى لها القرار، وبموجب “نظام” (كلمة غير موفّقة هنا) يعتمده “الصندوق”، يتغاضى عن نشر التقرير الخاص بها.  هناك 27 دولة في العالم “تحتمي” وراء هذا الإجراء وبعلم الجهتين المعنيتين ومن ضمنها 12 دولة عربية.

وفي خلاصة هذا الوضع لقد بات أركان كلّ دولة معنية، بكلّ مؤسّساتها ودوائرها، وأهل القرار والتأثير، كما وأركان الصندوق “العجيب” هذا، بكلّ “أوصافه الوظيفية”، الشفافة منها و”الداكنة”، وبموظفيه “العالميّين”، ومعهم الشعب “العنيد” وهيئات “الهيلا هيلا هو” المتابِعة بصَخَب صادح ومجتمع الكمنجات والربابة المُرافِقة، “كُلّنْ” (ونعني “كُلّنْ”)، نعم “كُلّنْ” باتوا من زوّار قبر زنكي.

بين الجشع والدلع اللبنانيون ذاهبون إلى الهلع…

يا طالب الدبس …                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                               وبعدك باحث عن فسحة من الأمل؟

_______________________________________

(1) صندوق باندورا (أو الموهوبة) هو قطعة أثرية في الأساطير الإغريقية (“أعمال وأيام هيسيود”) حُمل بواسطة باندورا وفيه كلّ شرور البشرية من جشع، وغرور، وافتراء، وكذب، وحسد، ووهن، ووقاحة ورجاء.
(2) التدقيق الجنائي والجزائي وكنّا قد أسميناه في مقالات سابقة بالتدقيق الجنائزي.
(3) (Dominique Strauss Kahn, IMF) , (Paul Wolfowitz, WB)
(4)  لائحة المشاريع المقترحة (النوع، المبالغ، المرجعيات، المناطق، الأولويات..)، أو لائحة “الإصلاحات” المقترحة والتي هي في غالبيتها ضرائب غير مباشرة؟  أو قد تكون أشخاص المنظمين وأصحاب القرار والمستشارون وانعدام الثقة بهم محليًّا ودوليًا بعد التجربة؟  هل هي لائحة “الأصدقاء” من دول وحكومات ومنظمات، أم الخيارات المحدّدة في اتّجاه واحد وبِمَنْع خلافه من الإتّجاهات؟  هل هو مكان إنعقاد المؤتمر والداعي إليه، أو التوجهات المطروحة والمشاريع والمستفيد الأول منها، والتصميم، التمويل، التنفيذ، الإستثمار، التنفيع؟                                   ويبقى أهم الأسباب المعطِّلة وهو عدم تقديم خطة كاملة متكاملة مناسبة، مفتاح نجاح أيّ مشروع.
 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى