هل لبنان دولة أم مساحة يعيش أهلها معا..بالقوة؟ (زينب إسماعيل)

زينب اسماعيل – الحوارنيوز
أحياناً نشعر أن لبنان ليس دولة بالمعنى التقليدي للكلمة، بل مساحة جغرافية جميلة اجتمعت فيها كل التناقضات الممكنة وقررت أن تعيش معاً بالقوة.
بلد صغير إلى درجة أنك تستطيع أن تعبره في ساعات، لكنه يحمل من المشاريع والأحلام والانتماءات ما يكفي لقارة كاملة. فيه من الجنسيات السياسية أكثر مما فيه من المواطنين، ومن الولاءات أكثر مما فيه من المؤسسات، ومن الآراء أكثر مما فيه من الحلول.
يقولون إن هناك هدنة.
جميل… لكن يبدو أن أحداً نسي أن يخبر الطائرات بذلك.
هناك طرف يتفاوض باسم الدولة، وطرف آخر يتفاوض باسم المقاومة، وبين الطرفين شعب يتفاوض يومياً مع الخوف على حقه في البقاء على قيد الحياة.
في الأخبار نسمع عن وقف لإطلاق النار، وفي الواقع نسمع أصوات الانفجارات. على الورق هناك هدوء، أما في الجنوب والبقاع فالغارات لا تبدو أنها قرأت الاتفاق بعد.
الأكثر غرابة أن الناس عادوا إلى قراهم وأراضيهم. عادوا بفرح من اشتاق إلى بيته، وبشوق من تعب من النزوح، وبإيمان عجيب بأن الموت قد قرر أن يأخذ استراحة قصيرة.
لكن من أين جاءت هذه الثقة؟
من أقنع الناس أن الطريق آمنة؟ ومن قال لهم إن الحرب انتهت؟ ومن يتحمل مسؤولية إرسال العائلات إلى أماكن ما زالت السماء فوقها تمطر ناراً؟
أين القوى السياسية التي تتحدث باسم هؤلاء الناس؟ وأين الدولة التي يفترض أن تحمي مواطنيها؟ وأين المؤسسات التي يفترض أن تقول للمواطن الحقيقة كاملة، لا الحقيقة التي تناسب الخطاب السياسي؟
في لبنان، يبدو أن الجميع ينتصر… إلا المواطن.
الدولة تعلن نجاحها، والأحزاب تعلن انتصارها، والخارج يعلن تحقيق أهدافه، والإعلام يجد عناوين جديدة كل صباح.
أما المواطن فلا يملك سوى أن يعدّ الخسائر: شهيداً جديداً، جريحاً جديداً، ومنزلاً جديداً يضاف إلى قائمة الركام.
ربما هذه هي العبقرية اللبنانية التي لم يفهمها العالم بعد. نحن البلد الوحيد الذي يستطيع أن يعيش الهدنة والحرب في الوقت نفسه. بلد يحتفل بالنصر مساءً ويعدّ ضحاياه صباحاً. بلد يختلف أهله على كل شيء، ثم يجتمعون دائماً على دفع الثمن.
والسؤال الذي يفرض نفسه في نهاية كل أزمة، ويعود بعد كل حرب، ويكبر مع كل خيبة:
هل لبنان دولة فعلاً؟
أم أنه مجرد أرض تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين، ويتقاتل عليها أبناؤها، بينما يبقى المواطن وحيداً يدفع ثمن الجميع؟
أم أننا مجرد ركاب على متن حافلة كبيرة، لكل واحد منا وجهة مختلفة، بينما السائق مفقود منذ سنوات، والطريق يقررها الآخرون؟



