سياسةمحليات لبنانية

هل العلمانية هي الحل في لبنان؟

 


كثيراً ما يدعو غالبية السياسيين اللبنانيين في توجهاتهم التي يعتبرونها مثلى إلى علمانية البلاد للتخلص من العصبية الطائفية والمذهبية التي أنتجت الحروب والصراعات والاختلافات السياسية وعدم التوافق حتى على دستور من المفترض أن يكون نقطة الاشتراك الأساس عند الشعب والحاكمين. وعندما تلاحظ ممارساتهم الميدانية في السياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرها تشعر بعمق الفارق بين الدعوة والممارسات، أي بين النظرية والتطبيق. ولا شك أن سياسيينا بمعظمهم يتمتعون بثقافة مقبولة وسعة اضطلاع لا بأس بها لمعرفة ماهية العلمانية وفلسفتها ومبدئها وكيفية تطبيقها، لكنهم لا ينطلقون من هذه المعرفة لتحقيق ما يدّعون الرغبة إليه، أي علمانية البلاد، لأن تطبيق النظرية لن يحقق لهم المكاسب الخاصة.
وعلى الرغم من غموض مصطلح العلمانية الضبابي فإن ما يمكن تحديده من خلال التعريفات الكثيرة له هو تعريفان اثنان:
– فصل الدين عن الدولة
– فصل الدين عن الحياة.
وهناك الكثير من النقاشات حول أيهما الأكثر تحديداً، وصاحب هذه الأسطر يؤمن بالتعريف الثاني لأسباب عديدة ليس هذا الحيّز الضئيل مكانه. ولكن وفي جميع الأحوال، هل يمكن للعلمانية، ولو من خلال التعريف الأول (فضلاً عن الثاني) أن تكون حلاً مناسباً للبنان؟
لا شك أن بلدنا منذ نشأته يعيش التناقضات العضوية الهائلة بين طوائفه ومذاهبه، على الرغم من تغنينا الدائم بهذا المزيج الفسيفسائي، وفخرنا بالتعايش الاجتماعي الجميل بين مواطنين ذوي الانتماءات المختلفة، إلا أن الحقيقة تكمن في أجواء أخرى لا تعيش المثالية التي يريد أن يصورها البعض ويعيش في أوهامها. فالاختلافات كمنت، ولما تزل، في كل خلاف مبدئي أو تفصيلي بين هذا الدين وذاك، وهذه الطائفة وتلك، في ما يتعلق بالمصلحة الضيقة، والممارسة الخاصة، والتحالفات العصبية، والعلاقات مع الدول الأخرى و… وظلّ وجدان الخلاف مسيطراً على كل أصحاب المعتقدات، والخصومة (ولن نقول العداوة) هي الحاكم بين مكونات الشعب المختلفة.
وحيث إن الشعب اللبناني ينقسم (بغض النظر عن النسب) بين مسلمين ومسيحيين فإن مبادئ العلمانية وفلسفتها تختلف في تقبّلها والرفض بين كل من الديانتين المسيحية والإسلام. فمن خلال تتبّع نقاط كل منهما العريضة والتفصيلية، بالإضافة إلى مسار التاريخ عموماً والغربي خصوصاً، نجد أن الإسلام أبعد عن العلمانية من المسيحية التي يمكن أن تحتضن نظامه وتعيش تحت كنفه وإدارته بعكس الإسلام الذي يتناقض في كثير من مبادئه وفلسفته والنظرية والتطبيق معه.
وفي لبنان، كما نعلم جميعاً، لا يوجد نظام ديني مسيحي أو إسلامي يفرض سيطرته في الميدان العام والخاص، كما أن هذا البلد لا يعيش نظام الطوائف بل الطائفية، ولا المذاهب بل المذهبية، وحركة السياسيين من كلا الديانتين تتمحور في هذا الإطار لدغدغة العامل الفئوي العام والخاص وبث النعرات بحجة الدفاع عن هذا الدين أو ذاك للسيطرة والتحكم في السياسة والاقتصاد وكسب النفوذ التي تؤهلهم كزعماء حقيقيين للطوائف والمذاهب. ولا يخرج غالبية رجال الدين (ولا نقول كلهم) عن هذه النزعة التعصبية الطائفية لتصبّ حركاتهم وتحركاتهم في هذا الحيّز الضيق ليتمّ توافق المصلحة الخاصة بينهم والزعامات السياسية على حساب الحركات الطائفية الأخرى. وغالباً ما تكون توجهات رجال الدين عصبية طائفية وإن كانت تحمل في عنوانها العام المصلحة العامة للوطن والمواطنين. ولا نريد إبراز أمثلة واضحة وصريحة من رجالات الدين من كل الفئات في لبنان لكيلا نعيد مقولاتهم وآراءهم التي تبعد الناس عن بعضهم وتؤسس للخلافات بروجاً عالية.
فهل تصلح العلمانية حلاً لمشاكل لبنان العالقة منذ ولادته، أو فلنقل منذ تواجده بلداً له عنوان متميز في الوجدان والقرار العالميين؟
لا يمكن بداية أن تعيش العلمانية في لبنان إن سعت لمحاربة الدين، وذلك من خلال التعرّض للثوابت الدينية التي يتمسّك بها المواطنون عموماً والمسلمون خصوصاً. لكن يمكن أن تتوسّط العلمانية المعتدلة (وإن لم يكن لها تواجد شاسع في العالم) التي لا تعلن العداء للأيديولوجية الدينية، وتمنح الحرية للممارسة الدينية دون المس بالحريات الأخرى، ويكون العدل أساس الحكم بعيداً عن أي من الانتماءات التي تفرّق بين فئة وأخرى، ودين وآخر، وعائلة وأخرى، ومناطق وأخرى، فإن في ذلك طريقاً قد لا يكون الأمثل، إلا أنه الأفضل المتاح في ظروف لبنان المقيته وحياته السوداوية منذ نشأته. فإن "التعايش" كلمة مغلّفة بالنفاق والتحايل ولا يمكن أن تصنع وطناً ومواطنين يعيشون ضمن فضاء ضيق واحد…
وقد يقال إن مثل هذا الطرح دونه العوائق الكبيرة ويفتقر إلى الواقعية في وطن لا يتفق أهله على تفصيل صغير من أمور الحياة، فكيف بنظام حياة متكامل يسود الناس ويحكمهم. فلم يتفق اللبنانيون على دستور 1943 ولا على اتفاق الطائف ولا الدوحة، ولن يتفقوا على ما هو آتٍ في القريب العاجل. وهذا أمر صحيح وواقعي، ولكن…
لقد خرجت أوروبا بعد عدة حروب طائفية ثم حربين عالميتين سقط خلالها عشرات الملايين، واستطاعت الأمم العيش بسلام بعيداً عن التعصب في الطائفة والقومية واللون و… وذلك لأن هناك فلسفات وآراء فكرية دعت إلى الإنسان ونبذ الأحقاد والتسامح، ومع أن رسوخها في وجدان الأمم أخذ الكثير من الوقت إلا أنه استطاع أن ينتج حياة يسودها التقدّم والتطور واللاعصبية أو الفئوية، بل قوانين عادلة (مع نسبية العدالة) لا تتحرك ضمن عناوين حاقدة، تحكم الناس دون تفرقة. ولسنا نمجد للحياة الغربية إلا من خلال الاتجاه الذي يصب في مصلحتنا ويوافق توجهاتنا.
وفي لبنان نخب تؤمن بالعلمانية العادلة أو غير المتطرفة، ويمكنها السير في هذا النهج، والتنظير لمبادئ إنسانية صرفة من خلال الكتب والمقالات والآراء المنتشرة في كل الصعد، وما فيه إنقاذ لوطن يشتعل كل فترة من الزمان وينتظر الحلول من الخارج، فالتعصب الأعمى يلوّث السياسة والاقتصاد والاجتماع والأمن، ويزرع الشك بين المكونات المختلفة، فضلاً عن الكراهية والعداوة والبغضاء، ليصبح التديّن عنواناً للتشرذم والتفرقة مع أنه يجب أن يكون عنواناً للمحبة والوئام.
قد لا تكون العلمانية حلاً لبلد لا يعيش الاختلاف والتنوع بين مواطنيه، لكنها في بلد كلبنان حيث وجود ثماني عشرة طائفة يعيش معظمها هاجس الشك والخوف والسعي لنيل مكاسب خاصة من خلال تبعيتها لدول خارجية، تكون أيسر الحلول المتوفرة في الفترة الراهنة بانتظار حل أفضل لا نراه يلوح في الأفق القريب.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى