رأي

من يريد السوء بالمملكة العربية السعودية ؟ (أحمد حوماني)

 

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

لا يختلف اثنان على أن العلاقة بين المملكة السعودية وإيران كانت دوماً تُدار بميزان الذهب من كلا الطرفين، فعدا عن أنهما جارتان، فهما من أكبر مصدري النفط في الخليج، وهما من أكبرهما مساحة وعدد سكان. ومن جهة ثانية فهما مرجعيتان دينيتان على مستوى العالم الإسلامي، وإن كانت كل منهما تتبنى مذهباً مختلفاً. فبينما تُدين المملكة السعودية بالمذهب الوهابي، فإن مذهب الدولة في إيران هو المذهب الإمامي الاثنا عشري. ويعتبر البعض أن هذا الأمر هو سبب الخلافات الدائمة بينهما، لكن التاريخ لا يشي بذلك. فلعشرات السنين إن لم نقل لمئاتها لم يحدث بينهما أي خلاف عسكري فعلي، وبقي الأمر كذلك حتى آخر أيام حكم الشاه الإيراني الشيعي. وإذا لم يكن الأمر كذلك فهذا معناه أن الخلافات هي سياسية بالدرجة الأولى، وهي خلافات تعود إلى نظرة كل منهما إلى المشاكل والاضطرابات السياسية والعسكرية التي تحدث في منطقة غرب آسيا وأولها وأهمها قضية المسلمين الأولى وهي القضية الفلسطينية. لكن بالرغم من ذلك لم تنقطع شعرة معاوية بينهما في يوم من الأيام، حتى في أشدها صعوبة، ولم يلجأ أحدهما إلى الصراع العسكري المباشر.

لكن ما جرى خلال الحرب الأخيرة على إيران قد بدّل نظرة كل منهما إلى الآخر. فبينما اعتبرت إيران أن استخدام القواعد العسكرية الأمريكية في الاعتداء على إيران هو بمثابة مشاركة في تلك الحرب تستوجب الرد عليها، أكدت السعودية أن هذه القواعد تخضع للقيادة العسكرية الأمريكية، والسعودية ليست مسؤولة بشكل مباشر عنها. وبالرغم من أن إيران قد قصفت بعضها في السعودية، إلا أن وزير خارجيتها بقي على تواصل دائم مع نظيره السعودي لمحاولة ضبط الأمور ضمن سياق محدد، وهذا ما تم التوصل إليه، فابتعدت إيران عن قصف القواعد الأمريكية في السعودية مقابل عدم استخدامها في الاعتداء على إيران.

خلال الشهر الحالي برزت عدة مؤشرات على توتر العلاقة بينهما بشكل أكبر، ويبدو أن هناك من يسعى إلى دفع المملكة السعودية لاتخاذ مواقف أكثر قسوة وعنفاً بحق إيران وحلفائها في المنطقة. وتتهم إيران السعودية باتخاذ مواقف متشددة ضدها في مجلس التعاون الخليجي، وأنها عمدت إلى قصف مطار صنعاء لمنع الطائرات الإيرانية وغيرها من الهبوط هناك. ثم كان اتهام السعودية للفصائل العراقية بقصف بعض المراكز الحيوية فيها وردها بعشرات الهجمات على الأراضي العراقية وخصوصاً على مراكز الفصائل الحليفة لإيران. ويبدو أن مسار الأمور يتجه نحو الأسوأ، لكن من الذي يدفع السعودية إلى جحيم الحرب والنار من جديد؟ ومن فعلاً يريد السوء بالمملكة السعودية وقادتها؟ ومن مصلحته في تفتيت المملكة السعودية وتقسيمها؟ بالتأكيد ليست إيران، وإن كانت أمريكا والكيان الصهيوني يدفعان إعلامهما باتجاه تبني هذه الادعاءات. وماذا عن دور اليهود المتطرفين من الصهاينة في ذلك؟

بعد نشر كتاب (العودة إلى مكة) للمؤرخ الصهيوني دينيس أفي ليبكن الصادر في تشرين الثاني من العام ألفين واثنين وعشرين، بات حديث وسائل التواصل والإعلام وخاصة في دولة الاحتلال أن “لإسرائيل” حقوقاً في أراض وممتلكات سعودية. فقد زعم الكاتب أن حدود “إسرائيل” ستمتد من لبنان إلى مكة والمدينة، ومن النيل إلى الفرات، ويقول: “ما أراه هو عودة بني إسرائيل إلى مكة والمدينة وجبل موسى” انطلاقاً من مبدأ: “استعادة أرض بني إسرائيل الذين يعتبرون أنفسهم السكان الأصليين لجزيرة العرب”، فتصبح بزعمه: “العودة إلى مكة، أرض الميعاد”. ويقوم هذا الادعاء على أن يهود بني قريظة ويهود خيبر وبني قينقاع وبني النضير كانوا يعيشون في مناطق في الجزيرة العربية ومنها خيبر ويثرب. وهذا الادعاء ليس جديداً في واقع الأمر، إذ كانت رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير قالت عندما وقفت في خليج نعمة في شبه جزيرة سيناء بعد حرب حزيران: “إنني أشم رائحة أجدادي في خيبر ويثرب”. وقال وزير الحرب موشيه دايان عندما دخل باحات الأقصى بعد الحرب: “هذا هو يوم خيبر لقد وصلنا أورشليم ولا يزال أمامنا يثرب”. وتنشط مراكز أبحاث إسرائيلية متخصصة مثل: (ديان) و(جافي) و(شلواح)، وحركات يهودية في إسرائيل مثل (شاس) و(المفدال)، بإعداد خرائط للتشكيلات القبلية اليهودية في أراضي الجزيرة العربية، ويقومون بنشرها في صحف الكيان الصهيوني، يتركزون على حصون مدينة خيبر. ومن هذا المنطلق عادت مجموعات يهودية متدينة للادعاء حول ممتلكات يهودية في المملكة السعودية. وكشف الصحافي الصهيوني إيدي كوهين خلال مقابلة على قناة “روسيا اليوم” عن تقرير أعدته لجنة سرية تم تأسيسها لإحصاء ممتلكات اليهود في الدول العربية. وأشار إلى أن التقرير يتحدث عن أكثر من مئتي مليار دولار، طالبت بها إسرائيل كتعويضات عن الممتلكات في بعض الدول العربية وعلى رأسها المملكة السعودية.

وجاء تصريح رئيس وزراء كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو باقتراحه الوقح بإقامة دولة فلسطينية في المملكة السعودية رداً على موقف المملكة الثابت بحق الفلسطينيين ببناء دولتهم على أراضيهم في الضفة الغربية وغزة وعاصمتها القدس الشرقية، ليزيد من مشهد الكره الصهيوني للمملكة السعودية وضوحاً. هذا إضافة إلى تصريحات الوزيرين الصهيونيين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير الاستفزازية والمتطرفة بحق المملكة السعودية وقضية تهجير الفلسطينيين، ما أثار ردود فعل منددة وموجة استنكار واسعة. ونذكر منها استخدام بتسلئيل سموتريتش تعبيرات مسيئة بحق السعودية حين قال في سياق رفضه شروط التطبيع المرتبطة بدولة فلسطينية: “دعوهم يواصلون ركوب الجمال على رمال الصحراء السعودية، ونحن سنواصل التطور”.

ما يبدو أن حلم الكيان الصهيوني بالوصول إلى مكة ويثرب لن يتحقق إلا بخراب المملكة العربية السعودية وتقسيمها كما هو مشروعهم الدائم في خراب لبنان وسوريا والعراق. وهو الهدف الأسمى الذي يسعون له، لكنهم كما وصفهم القرآن الكريم يلبسون الباطل بالحق، ويظهرون عكس ما يبطنون. لذا فإن الخوف الأكبر على المملكة يأتي من الكيان الصهيوني وهو تهديد وجودي للمملكة أكثر منه نزاع سياسي. لذا، يسعى قادة هذا الكيان جاهدين وبكل ما أوتوا من قوة لإدخال السعودية في خلافات وحروب تؤدي إلى خرابها وتقسيمها، وقد يكون هؤلاء من مستشاري السوء الأجانب خصوصاً الأمريكيين والبريطانيين الذين تحت عناوين براقة يزينون للمملكة دخولها في حروب لا نهاية لها، ولن تحقق للمملكة إلا مزيداً من اللاستقرار.

في هذا السياق تأتي مواصلة الحصار على اليمن مع العلم أن أنصار الله (الحوثيين) كانوا دوماً في صف المملكة السعودية، فلماذا استعداؤهم؟ وكذلك ما جرى مع العراق حيث لم يتبنَ أي فصيل عراقي قصف الأراضي السعودية، ورغم ذلك سارعت السعودية بمساندة أمريكا إلى قصف مراكز الفصائل، مع العلم أن السلطات العراقية وفي تحقيقاتها نفت أن يكون الهجوم انطلق من أراضيها. من يريد للمملكة أن تُفتح جبهاتها من الشرق والشمال والجنوب؟

ولي العهد محمد بن سلمان يحتاج إلى مراجعة سريعة ودراسة معمقة لمعرفة من يريد زجّ المملكة بكل هذه الحروب، ولمصلحة من. وإن فتح صفحة جديدة من التعاون مع إيران وتشكيل منظومة أمنية إسلامية تقطع أيدي الشر عن الجميع، وطالما دعت إيران إلى ذلك. إن هكذا مراجعة تعيد للمملكة دورها كراعية للسلام، وداعمة لقضايا الأمة المصيرية، وسداً بوجه المشروع الصهيوني في المنطقة.

حمى الله بلاد المسلمين من كل سوء وأبعد عنها كل مكروه.!

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى