العالم العربيسياسة

مقتل البغدادي:سقوط الخلافة ..والخليفة

 

ليس حدثا عابرا مقتل ابي بكر البغدادي.هو زعيم تنظيم "داعش" ،وخليفة "الدولة الإسلامية في العراق والشام"  التي سيطرت في زمن ما على مساحة تفوق مساحة المملكة المتحدة ،أي ما يعادل مساحة سوريا وثلث أراضي العراق ،وهو الذي دقت قواته  أبواب دمشق وبغداد،وكادت عاصمتا الخلافتين الأموية والعباسية تسقطان بين يديه ،لولا التحالف العالمي الواسع الذي حال دون ذلك ،وكلف المنطقة الكثير الكثير من الدم والدمار.
لم ينافس البغدادي في شهرته العالمية سوى زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن . لكن البغدادي قبض على تنظيم أكثر شدة وقسوة ،  استخدم كل فنون القتل والإرهاب ،وأحيى عقيدة وممارسات كان العالم الإسلامي قد تجاوزها منذ قرون. 
كتب عنه وليام ماكنت مؤلف كتاب "يوم قيامة تنظيم الدولة: التاريخ والاستراتيجية ورؤية تنظيم الدولة لنهاية العالم" ،يقول: "إذا مات البغدادي فإن التنظيم سيفقد وسيطا بارعا وسياسيا لا يرحم ورجل دين ذا نسب نبيل (حسب ادعائه)، وهي تركيبة غير معتادة في تنظيم دولي متشدد".


ولد البغدادي، واسمه الحقيقي إبراهيم عواد إبراهيم البدري، في مدينة سامراء شمالي بغداد عام 1971.وينحدر من عائلة سنية متدينة متوسطة الحال تنتمي إلى عشيرة البدري، وتقول إنها تنحدر من نسل النبي محمد.
وقيل في شجرة العائلة أنه " من أحفاد عرموش بن علي بن عيد بن بدري بن بدر الدين بن خليل بن حسين بن عبد الله بن إبراهيم الأواه بن الشريف يحيى عز الدين بن الشريف بشير بن ماجد بن عطية بن يعلى بن دويد بن ماجد بن عبد الرحمن بن قاسم بن الشريف إدريس بن جعفر الزكي بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب وفاطمة بنت النبي محمد".
عاش البغدادي طفولته وصباه في مدينة سامراء قبل أن ينتقل إلى العاصمة العراقية بغداد في سن الثامنة عشرة.حصل على شهادة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية من جامعة بغداد عام 1996، ثم الماجستير والدكتوراه في الدراسات القرآنية من جامعة صدام حسين للدراسات الإسلامية بين 1999 – 2007.
قضى البغدادي سنوات دراساته العليا في حي الطوبجي في شمال غربي بغداد حتى عام 2004، ويقال إنه عُرف عنه في هذه الفترة أنه كان شخصا هادئا وانطوائيا باستثناء قيامه بتعليم الأطفال القرآن في مسجد محلي، كما كان لاعبا في فريق كرة القدم في الحي نفسه، ولم يعرف عنه في تلك المرحلة ممارسة نشاط سياسي بارز ضمن جماعات الإسلام السياسي.ويعتقد أن البغدادي بدأ يقترب من الجماعات السلفية المتشددة التي تميل إلى استخدام العنف، متبنيا نهج السلفية الجهادية في عام 2000.
عام 2014 ظهر مقطع فيديو للبغدادي كزعيم لتنظيم الدولة الإسلامية وهو يخطب في جامع النوري الكبير بمدينة الموصل العراقية، التي كان التنظيم قد استولى عليها للتو، وأعلن قيام "الخلافة" الإسلامية.
وفي ذلك الوقت، كان تنظيم الدولة الإسلامية قد سيطر على منطقة بمساحة المملكة المتحدة( 250 الف كيلومتر مربع) . لكن منذ ذلك الحين، أدت حرب عالمية ضد الجهاديين إلى تراجع التنظيم،  ووضعت الولايات المتحدة مكافأة قدرها 25 مليون دولار لمن يعلن عن مكانه.
لكن المفارقة الكبرى أن معلومات كثيرة أكدت أن الولايات المتحدة هي التي صنعت البغدادي وتنظيمه ،ودفعت دولا غنية لتمويله ،بهدف تحقيق أهدافها في المنطقة وتخريب دول كانت عزيزة الجانب ،تماما كما صنعت أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة لمحاربة السوفيات في أفغانستان.
لكن الرجل ،كما بن لادن ،ركبه الغرور عندما بات ملكه أكبر من أن يتحمله عقل رجل  ،فخرج على مشغليه وكانت نهايته أمس في شمال ادلب في سوريا على أيدي الاميركيين أنفسهم ،وماتت اسراره الكبرى معه ،الا اذا كان البغدادي قد كتب مذكراته للتاريخ ، عندها سوف يتكشف الكثير من الغموض الذي رافق مسيرته ،حيث لم يظهر الرجل على الملأ الا ما ندر.
في الذكرى الثالثة لأول وآخر ظهور علني للبغدادي، لم يعد تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر على معظم الأراضي التي كانت بحوزته من قبل، والتزم زعيم التنظيم الصمت بشكل واضح منذ مخاطبة أتباعه في رسالة صوتية مسجلة في تشرين الثاني الماضي، بعد بداية معركة طرد التنظيم من الموصل.
ووسط هذا الصمت، ظهرت في الآونة الأخيرة تقارير غير مؤكدة عن وفاة البغدادي. وقال نائب وزير الخارجية الروسي إنه "من المرجح للغاية" أن البغدادي قد قُتل في غارة جوية روسية على الرقة في 28 مايو/آيار. وأكد مسؤول إيراني  أنه "مات بكل تأكيد". غير أن مسؤولين أميركيين قد شككوا في كلا الادعاءين.
وفي مقطع فيديو نُشر من الرقة بعد أسبوع من ظهور التقرير الروسي، استخدم أعضاء في تنظيم الدولة كلمة "شيخنا"، بدون ذكر البغدادي بالاسم، ما أثار علامات استفهام بشأن مصيره. وكانت حركة طالبان وتنظيم القاعدة قد أخفيا وفاة زعيم حركة طالبان الملا عمر لمدة عامين.
مات الخليفة فماذا عن التنظيم والخلافة؟
انتهت حكاية الخلافة قبل موت الخليفة بزمن،لكن التنظيم لم يمت ،وسيجري تنصيب خليفة للبغدادي ،كما تم تنصيب خليفة لبن لادن.لكن أحلام التنظيم والخلافة لن تكون كما هي في عهد الخليفة المقتول ،تماما كما هي حال تنظيم القاعدة بعد مؤسسه وزعيمه بن لادن.
قتل البغدادي أمس في 26 تشرين الأول عام 2019 .. سقط الخليفة ومات "أمير المؤمنين"،وسوف يسجل المؤرخون مرة أخرى أنه يوم "سقوط الخلافة".

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى