رأي

متى تبدأ المفاوضات غير المباشرة بين “إسرائيل” وحزب الله؟ (أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

قد يكون العنوان مفاجئاً، لكن الحروب تنتهي دوماً بالتفاوض، خصوصاً بين حزب الله وإسرائيل. فالمسار التاريخيّ للعلاقة بين العدوين اللدودين ينبئ أن جولات القتال بينهما كانت تنتهي بعملية مفاوضات غير مباشرة. ذلك حدث بعد عدوان تصفية الحساب في العام 1993، وتأكد بعد عدوان عناقيد الغضب في العام 1996، وبعد حرب لبنان الثانية في العام 2006.

وما زلنا نذكر جولات التفاوض الصعبة التي حصلت في سوريا وحضرها وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر، وشارك بصياغة اتفاقها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكان عرابها الرئيسي الرئيس حافظ الأسد. كانت مفاوضات شاقة لكنها انتهت باتفاق نيسان، وبالتأكيد كان حزب الله الحاضر الأساسي في كل الاجتماعات والجولات التفاوضية، وإن بشكل غير مباشر. وزيارات الحاج حسين خليل إلى دمشق كانت شبه يومية. كما نتذكر المفاوضات الطويلة التي شاركت بها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس في العام 2006، والتي جرت في معظمها في روما، وكان عراب تلك المفاوضات الرئيس نبيه بري. ويومها حاول رئيس الوزراء فؤاد السنيورة وفريقه إضعاف موقف لبنان في المفاوضات بتقديم تنازلات مهينة للبنان وسيادته، لكن إصرار الرئيس بري وصمود المقاومة أدى إلى اتفاق متوازن حفظ سيادة واستقلال لبنان. وسبق ذلك كله تفاهم غير مباشر بين إسرائيل والمقاومة نظم قواعد الاشتباك بينهما بعد عدوان تصفية الحساب في العام 1993.

وأخيراً كانت المفاوضات البحرية التي ساهمت المقاومة بموقفها وتهديداتها ومناوراتها في الوصول إلى اتفاق حفظ جزءاً كبيراً ومهماً من الموارد البحرية اللبنانية، هذه المفاوضات التي قادها المبعوث الأمريكي عاموس هوكشتاين وجرت في بلدة الناقورة اللبنانية. ثم بعد ذلك جولات عديدة لترسيم الحدود البرية برعاية هوكشتاين نفسه، كادت أن تؤدي إلى اتفاق وتفاهمات نهائية لولا ما حصل في السابع من أكتوبر في غزة.

إضافة إلى ذلك جرت العديد من المفاوضات غير المباشرة بين المقاومة وإسرائيل حول الأسرى بوساطات مختلفة، لعل أبرزها المفاوضات التي قادها الألمان، وانتهت بعملية تحرير كبرى بعد عدوان 2006.

اليوم لا شيء تغير في العقلية التفاوضية الصهيونية، فهم لا يفاوضون إلا الأقوياء. أما الضعفاء فهم يغرقونهم بأوامر وطلبات لا تنتهي. ولماذا يفاوضون الضعيف طالما أنه سيلبي كامل شروطهم، وهم يعرفون كيف يستفيدون من الوقت سواء لابتزاز الآخرين، أو لمجرد تضييع الوقت وكسب مزيد منه بانتظار لحظة المفاوضات الحقيقية.

 

واهمون الذين يعتقدون أن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل ستحقق إنجازاً ما. المفاوضات المباشرة حققت أهدافها بالنسبة إلى الصهاينة ونتنياهو بالتحديد. صورة مفاوضات يستخدمها للترويج لنفسه وحزبه. حتى الأمريكي يدرك ذلك، لذا هو لا يضغط على الإسرائيلي، فعين الأمريكي على المفاوضات مع إيران، وعين الإسرائيلي على مفاوضات غير مباشرة مع حزب الله، لكن الوقت لم يحن لهما بعد.

وتأكيداً على ذلك نرى أن قادة العدو سواء رئيس الوزراء نتنياهو أو وزراء حكومته، كلهم يؤكدون أن لا انسحابات من لبنان. حتى قادة المعارضة بمختلف اتجاهاتهم يرفضون فكرة الانسحاب وفقاً للمفاوضات المباشرة. والجميع يدرك أن السلطة في لبنان لا تمون على جبهة الجنوب وذلك لضعف الدولة التي تريدها إسرائيل ضعيفة لا حول ولا قوة لها. وكل ما تتمناه إسرائيل هو دخول الدولة عبر جيشها في حرب مع المقاومة لإضعافها، أو على الأقل أن توجد شرخاً بينهما كما هو حاصل الآن، لنزع الشرعية عن المقاومة وجرها إلى المفاوضات بشروط أدنى.

تعرف إسرائيل أنها محكومة لجغرافية الجنوب ولديمغرافيته، وأن أمنها سيبقى موضع شك إذا لم تحقق اتفاقاً مع جيرانها في الجنوب اللبناني. وهي جربت ذلك طيلة ثمانية عشر سنة، كانت من أكثر السنوات هدوءاً، لكنها لا تريد أن تكون المقاومة قوية كما في تلك السنوات. لذا حتى اليوم ما زالت تعتقد مخطئة أن المقاومة تحت وابل الضربات ستتراجع وتستسلم، أو على الأقل سترضخ لبعض الشروط الإسرائيلية عند الوصول إلى اتفاق نهائي عبر مفاوضات غير مباشرة. وما يجري من تدمير للحياة في قرى الجنوب هدفه كي وعي البيئة المقاومة، وهي مخطئة أيضاً في ذلك. كما أن محاولاتها في احتلال تلة علي الطاهر والدخول إلى المنشآت هناك، هدفها كي وعي المقاومة وتثبيت السردية الصهيونية بهزيمتها. وكل ذلك بانتظار الاتفاق النهائي غير المباشر الذي قد يكون بوساطة طرف موثوق لدى الطرفين أو ملحقاً باتفاق التفاهم بين إيران وأمريكا.

ما تقوم به إسرائيل في الجنوب ليس إلا تعبيرا عن الخوف الذي يهز بنيان كيانهم. صحيح أنهم يعيشون نشوة الغطرسة والتدمير، لكنهم لأول مرة منذ نشوء كيانهم يشعرون أن وجودهم مهدّد، وأن العالم الذي دائماً اعتمدوا عليه قد أصبح من الضعف بحيث لا يستطيع حماية نفسه، لا في الدول العربية ولا في أوروبا. وهم متيقنون أن جبهة لبنان لا يمكن فكاكها عن جبهة إيران. وهذا ما أشار إليه رئيس البرلمان الإيراني رئيس الوفد الإيراني المفاوض قاليباف عندما تحدث عن أنه يتواصل يومياً مع المقاتلين في الخطوط الأمامية في جنوب لبنان، أو ما قاله ممثل إيران في الأمم المتحدة: “تحتفظ إيران بحقها في الرد عسكرياً بشأن الأنشطة الصهيونية في أراضي لبنان. وأن القوات المسلحة الإيرانية ستحمي أمن مواطني لبنان”.

سواء بقي نتنياهو في السلطة في إسرائيل أو جاء رئيس وزراء جديد، فإن الجغرافيا ستلزم الرئيس المقبل بالتفاوض مع من يملك القوة والتأثير في جنوب لبنان وهي المقاومة. فهل ستلجأ إسرائيل وأمريكا إلى فتح مسار مفاوضات غير مباشرة وسرية مع المقاومة، خصوصاً أن الرئيس الأمريكي ألمح أكثر من مرة عن استعداده للحديث مع حزب الله إذا كان ذلك سينهي الحرب؟ فهل تلقفت المقاومة هذه الرسائل؟ وهل سترضى بفك المسار عن مفاوضات إيران؟ وإذا حصل ذلك من هو الوسيط الذي سيقوم بهذه المهمة؟ أم سنشاهد وفد المقاومة والوفد الصهيوني ضمن عداد المفاوضين في باكستان؟

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى