سياسةمحليات لبنانية

ما بعد الحكم في قضية الحريري

 

كتب محمد هاني شقير:
ينتظر اللبنانيون مضمون الحكم بقضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ويرسم الجميع سيناريوهات متعددة ومختلفة للتداعيات المحتملة لهذا الحكم.
إن العودة الى التطورات والأحداث المهمة والخطيرة التي مرت على لبنان منذ إستشهاد المناضل معروف سعد، مرورًا باستشهاد كمال جنبلاط وإخفاء الامام السيد موسى الصدر، وصولاً حتى السنوات القريبة الماضية حيث سقط شهداء لبنانيون اغتيالاً، وباستثناء معرفة قضية بشير الجميل، فإن معظم القضايا الأخرى بقيت مبهمة ولم يتوصل المحققون الى نتائج تكشف حقيقتها.

إن العودة الى الإلتباسات السياسية التي رافقت معظم تلك القضايا، تقودنا الى مساومات لبنانية تنتهي عادةً، بشكل من أشكال الاعتذارات والتسامحات التي تفضي الى حكومات وتحالفات بين قوى تكون قد أفرغت قاموسها من مخزونه، إن لجهة الاتهامات وإن لجهة السباب، أصبحت كلها في خبر كان عندما حانت الفرصة لمصالحات سياسية جمعت أصحاب المصالح بعضهم بعضًا.
أكثر النماذج وضوحًا في هذه الحالات هو النائب _ التائب دائمًا_ وليد جنبلاط، الذي سبق وتسامح بقضية الشهيد كمال جنبلاط، ثم سعّر في ظروف ثانية مختلفة، خطابه الذي ضمنه عبارات لم يألفها المجتمع السياسي، ضد الرئيس بشار الأسد، لكنه عاد وسامح وحالف وغير سياساته.
الأمر ذاته ينطبق على رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري الذي عاد الى بيروت عن طريق دمشق بعد مشوارٍ طويل من الخلاف بينهما، وحتى رئيس تيار المردة سلك ذات الطريق فهو بالرغم من حدة موقفه، إلا أن خلافه مع باسيل، حلحل علاقاته السياسية والجنائية مع قائد القوات اللبنانية سمير جعجع.
هذه التطورات اتسمت بطابعين أساسيين تراوحا بين  سياقين لبناني وعربي، ولم يكن للآخرين دورؑ كبيرؑ في تحديدها بقدر ما اقتصر على مراقبتها من بعيد.
غدًا يوم آخر، إذ سوف تنطق المحكمة الدولية اليوم بحكمها الابتدائي، فيما العالم، والعالم العربي، ومن ضمنه بل في الرأس منه لبنان، على غير عادته.
فبعد أن نفذ الإهمال والفساد والتحلل السياسي المريض، جريمة العصر بالانفجار _ الزلزال الذي ضرب لبنان من عاصمته بيروت، فقد كانت المحكمة قد أجلت حكمها، بحجة تداعيات الانفجار، من يوم الجمعة بتاريخ 7 آب الى يوم الغد الثلاثاء، وما بين الرابع من آب والثامن عشر منه، سلسلة من التطورات الخطرة التي لم يشهد لبنان مثيلاً لها على الاطلاق.
مَنْ منْا كان ليتوقع تواجد هذه الحشود البحرية في عرض بحرنا ولا نجد صوتًا لبنانيًا واحدًا _ باستثناء قلة قليلة الحيلة _ يصرخ بوجهها ويدعوها الى عدم التدخل في الشؤون السياسية اللبنانية!!

لقد سبق للمدمرة الاميركية نيوجرسي أن أطلقت صواريخها ذات الثمانينات نحو الجبل، ولكن لم تتمكن من البقاء في بحرنا واضطرت لمغادرته بعد أن اشتد عود وعضد المقاومين اللبنانيين الذين أبعدوها والبوارج الغربية عن شواطئ لبنان.
غدًا الأمر سيكون مختلفًا، فالحكم سيصدر عن محكمة دولية يراقبها، إن لم يحدد مساراتها، ما يسمى بالمجتمع الدولي، الذي يرسم سياساته و "قضاءاته" وفاقًا لمصالحه على جميع الصعد.
سيصدر الحكم، في حين تربض في بيروت، وهي مدينة بلا مرفأ، سفنؑ حربية من جميع الجنسيات، تشارك أطقمها بالتحقيقات الجارية لكشف ملابسات الانفجار _ الزلزال، فهل سيكون لها دورٌ أخر غير المعلن عنه لغاية اليوم؟
اعتاد اللبنانيون على براغماتية زعمائهم، واستعدادهم الدائم لتقديم مصالحهم على ما عداها من مصالح، وفيما يجهد كثيرون للحصول على موقف عدائي للرئيس سعد الحريري مسبقًا، فإن هذا الأخير يحافظ على رباطة جأشه ولا يقدم على اتخاذ أي موقف في هذا الاتجاه، وهو الذي صرح فيما مضى، وفي مناسبات متعددة، أنه يريد معرفة الحقيقة ولا يسعى للثأر.
ربما سيستمسك سعد الحريري بحكم المحكمة الدولية وبالظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية  المستجدة، بغية فرض شروطه في تشكيل الحكومة المنتظرة، وذلك من حيث استبعاد حزب الله وجبران باسيل عن صفوفها، ليصل في نهاية المطاف الى تحقيق شروط دُنيا في تشكيل حكومة ليس فيها " رؤوس حامية" تناكفه في السير بسياساته الاقتصادية التي ورثها عن والده…

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى