سياسةمحليات لبنانية

لبنان والعراق: المسألة الوطنية والإنتفاضة بين ولاءات الداخل والخارج والمرجعيات الدينية

 

نظير جاهل* – يوسف كلوت*  – الحوارنيوز
  بعد إغتيال الجنرال قاسم سليماني الذي شكل مؤشِّراً على اتِّخاذ الطرف الأميركي قراراً بإنهاء التوازن مع الطرف الإيراني في العراق، وبعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى دمشق التي تمت مباشرة بعد هذا الإغتيال واستقباله للرئيس السوري في ثكنة عسكرية روسية والتي أشَّرت أيضاً إلى نهاية هذا التوازن في سوريا، تأتي الآن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت المدمَّرة لتشير إلى نهاية هذا التوازن في الساحة اللبنانية، هذه الساحة التي استُهلك من خلال تعرُّضها لعنف تفكيكي مستمر ناتج عن مزيج من فساد الداخل والإستتباع للخارج، عنفُ توِّج بانفجار المرفأ الهائل الذي قضى على الحجر والبشر بثانية كثّفت جميع مآسي المدن والحواضر العربية .
وفيما يكشف مسار الأحداث في العراق الأثر البارز للإنتفاضة الشعبية الوطنية العراقية، المحتضنة من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، في تغيُّر معادلة الحكم باتّجاه خروج العراق من حالة الساحة الخاضعة لتصفية الحسابات الدولية الإقليمية إلى حالة إعادة تركيب صيغة وطنية تُفاوض عن نفسها وتخرج تدريجاً من حقل التوازنات السلبية الأميركية الإيرانية وتلحظ بالدرجة الأولى الناس وهمومهم الحياتية، يتضح الآن أن إجهاض الحراك الشعبي في لبنان بعزل الطائفة الإسلامية الشيعية عنه وقمعه وتسهيل إختراقه، إنطلاقاً من الإصرار على إبقاء لبنان ساحة إقليمية هشَّة بعد تفكيك سوريا وسقوط دورها الإقليمي، أدَّى إلى وقــوع لبنـــــان تحت الوصاية الدوليــــة. وهذا الحراك يتجدَّد اليــــوم على أرضيــة هذه الوصايـــة بغياب أي مرجعيـــة فعلية مما يسهِّل إنجذابه لهذه الوصاية، وإن يظل تحوُّل طاقته الشعبية باتّجاه إحراز حيِّز من الإستقلالية أمراً ممكناً.
  هذا وتُظهِر المقارنة بين  النموذجين اللبناني والعراقي حدود التنظيرات الطليعية، التي تعزو غياب أو تعثُّر الانتفاضة الشعبية في لبنان إلى التركيبة الطائفية، مُحمِّلة وزر الفساد والانهيار للمجتمع الأهلي، الذي تنعته بـ"المتخلف" بقدر ما تحمّله للطبقة "الأوليغارشية" الطائفية. فالتركيبة الإجتماعية العراقية لا تختلف من حيث مِزاجها الطائفي المذهبي الإتني عن التركيبة اللبنانية، لا بل أن هذا المِزاج في العراق هو أشد تأثراً بالعلاقات القرابية الدينية التي ترى بها الطلائع المُتغرِّبة العائق الأساسي للتغيير، ومع ذلك فإنها تنحو كما أشرنا أعلاه باتجاه آفاق وطنية بنائية.
ولأن هذه التنظيــرات الطليعيــة تُغفِــل العنصر المتغيِّـر بيـن النموذجيــن العراقي واللبناني، والذي يدفـــع العراق بالإتِّجاه الذي أشــرنا إليـه، فإنها لا تصـل إلى أي تفســير أو فهــم حقيقــي واقعــي لمعنى ما يجـري ويجري داخــل النموذجين.
العنصر المتغيِّر والمسألة الشيعية
بالرغم من فاعلية كافة الجماعات الأهلية القرابية الدينية في كل من العراق ولبنان، لا بد من لحظ  ما للجماعة الإسلامية الشيعية تخصيصاً من دور طاغٍ، سلباً أو إيجاباً، في مسارات الأحداث عامة، وفي مصير الإنتفاضة الشعبية على وجه التحديد، في كلا البلدين. وهو ما يقودنا، بغية تعيين الإختلاف بين  النموذجين، إلى  تحليل واقع هذه الجماعة وبنيتها وتحوّلاتها  ومرجعياتها في كل منهما.
ولئِن كان  دور وحركة الجماعة الإسلامية الشيعية في لبنان والعراق وسواهما من الدول العربية لا يُفهم اليوم إلا إنطلاقاً من طبيعة العلاقة التي تربطها بالسلطة الإيرانية في حقل التوازن الأميركي الإيراني، فإن ذلك يقتضي تحليل ما تُحدثه هذه العلاقة من تبدُّلات بنيوية في مِزاج هذه الجماعة. إذ التنظير الإعلامي حول هذه الجماعة الذي يتعامل مع القوى الفاعلة داخلها على أنها ذرَّات متشابهة لا تؤثِّر تحوُّلاتها البنيوية في مجرى الأحداث، ولا يركِّز إلا على مجاري النفوذ الأميركي وتعامل مراكز السلطة الإيرانية معه، إنّما يُعبِّر عن التقاطع بين هذه السلطة وبين إدارة هذا النفوذ، تقاطعٌ يعمل على تهميش الجماعات السياسية الأهلية والقوى الشعبية الفاعلة وشل ديناميتها الذاتية. وبالفعل فإنَّ هذه السلطة الإيرانية لا تستطيع، كما بيَّنت الأحداث، أن تتحمُّل أي حركة ذاتية للجماعات الإسلامية الشيعية في أوطانها، وتعتبرها تفلُّتاً من حقلها مهما كانت وجهة هذه الجماعات أو هدفها. وإنطلاقاً من هذا الاعتبار السلطوي فإنها دائماً تُعيِّن هذه الحركة الذاتية كعنصر يصب في مصلحة الطرف الأميركي، وكأن هذه الجماعات لا تمتلك مشروعة نفسها أو كأنما هي تمتلك حق الوصاية عليها.

موقف السلطة الإيرانية من الإنتفاضات الشعبية
  إن موقف السلطة الإيرانية من الاحتجاجات والإنتفاضات الشعبية عامة وفي لبنان والعراق خاصة ليس موقفاً ظرفياً بل موقف نابع من بنيتها العقائدية السياسية التي تأسَّست على تعطيل "مبدأ ولاية الشعب على  نفسه"، الذي ما زالت المرجعية التقليدية أي المرجعية الدينية العليا الراهنة في النجف الأشرف ترتكز وتُركِّز عليه. وهذه البنية المعطِّلة لـ "مبدأ ولاية الشعب على نفسه" هي التي سمحت ببروز التكتلات العلمائية السلطوية والتشكيلة العسكرية المرتبطة مباشرة بمركز ولاية الفقيه المطلقة والمتمثلة بالحرس الثوري الإيراني، بما هو نواة جماعة ولائية متماهية مع السلطة ومفارقة للكتلة الشعبية، وهو ما أدَّى إلى تعطيل إرادة ودور وتنوُّع هذه الكتلة الشعبية التي أوصلت بثورتها هذه السلطة إلى الحكم، ويتعدَّى الآن هذا النفوذ الكابح للطاقة الشعبية ولتحوُّلها إلى قوة صاعدة في الداخل الإيراني، ليطال الإنتفاضات الشعبية في العراق ولبنان. وبعكس ما يتراءى فإن هذه الوجهة الكابحة توفرِّ  للمراكز السلطوية الغربية فرصة لتسويق ديمقراطية زائفة في العلاقة مع البلدان النامية.
فالواقع وبعكس ما يبدو فيه من تعارض بين ديموقراطية السلطة الغربية وبين نظام الولاية المطلقة، فإنهما يلتقيان على عدم أصالة الجماعة الشعبية وعدم السماح لها بالإلتحام الذاتي. فلا الجماعة الولائية تمتلك لحمتها الذاتية بما هي جماعة قرآنية ولا الجماعة الشعبية الحديثة التي تُعتبر من الناحية الشكليَّة مصدر التشريع تقوم ذاتياً كمجتمع أهلي متنوع بل كنتاج لتفكيك هذا المجتمع وإعادة تشكيله كمجموعة أفراد مواطنين لا يلتحمون إلا بفعل سيادة الدولة كمبدأ يقوم بفعل سلطوي تأسيسي. وفيما شهد تاريخ الشعوب الغربية نضالات مستمرة لاكتساب حقوق ذاتية واسترجاع أشكال التعاضد القديمة بصيغ جمعية نقابية إعتراضية شعبية مستحدثة، تبدو حدود الجماعة الولائية المدَّعمة بقداسة السلطة أشد مقاومة للقوة الشعبية من الأطر السلطوية الغربية الحديثة. ولذلك تبدو جميع المحاولات الديمقراطية المحلية لاختراق التحالف الموضوعي العميق بين السلطات المحلية التابعة للسيطرة الغربية وبين ما يشبه الإستبداد الولائي مستحيلة.
المرجعية الدينية العليا الراهنة في النجف الأشرف والمواجهة الشعبية
  وتبعـــــاً لذلك فإن دور الإرشاد والنصيحة والاحتضان الذي تضطلع به المرجعية الدينية العليا الراهنة في النجف الأشرف إنطلاقاً من "مبدأ ولاية الشعب على نفسه" في علاقتها بالإنتفاضة الشعبية الوطنية في العراق يبدو دوراً حاسماً، من حيث تمكين هذه الإنتفاضة من الإفلات من الحقل السلطوي الأميركي الإيراني ومن صيغة الجماعة الولائية.
وفي هذا السياق ترسم توجهات المرجع السيد على السيستاني التي تُحدِّد دور الشعب، خطاً سياسيا أصيلاً ومتأصلاً ينطلق من منظومة في الفقه السياسي الإسلامي الشيعي مختلفة إلى حد التناقض مع منظومة "الحكومة الإسلامية" التي تعتمدها السلطة الإيرانية. ففي منظومة "الحكومة الإسلامية" الفقهية يبدو الشعب فاقداً لأي إرادة أو رأي سياسي باعتباره خاضعاً لقيمومة الولاية الإعتبارية وفقاً لما يذهب إلية السيد الخميني: "ولاية الفقيه أمر إعتباري جعله الشرع، … فكما يُقيِّد الشرع واحداً منا قيماً على الصغار، فالقيِّم على شعب بأسره لا تختلف مهمته عن القيِّم على الصغار إلا من ناحية كمية". (السيد الخميني، الحكومة الإسلامية، دار الطليعة، ص ٥٢).
يُلصق مبدأ القيمومة المذكور صفة الطفولة بالشعب وينتقص من حقه بالتقرير في الوقت الذي أنجز فيه هذا الشعب ثورة تاريخية على الإستبداد في إيران، كما وأنه يقيِّد المؤسسات الدستورية ويحدُ من فعاليتها التمثيلية من خلال تأصيل مبدأ الطاعة للسلطة. وهو ما كان بالغ الأثر على المجتمع الإيراني ومنظومة الحرس الثوري والقوى الاقليمية المتواصلة نموذجيا معه في لبنان والعراق.
وبالمقابل تقوم العلاقة بين الفقيه والشعب في منظومة المرجعية التقليدية أي المرجعية الدينية العليا الراهنة في النجف الأشرف على حرية الشعب في تقرير مستقبله فيما يكتفي الفقيه المرجع بالنصح والإرشاد دون ممارسة أي وصاية عليه بما هو الجهة (أي الشعب) التي تستمد  منها الحكومة شرعيتها، وهو ما عبَّر عنه المرجع  سماحة السيد علي السيستاني في خطبه:
– "إنّ الحكومة إنما تستمد شرعيتها، في غير النُظُم الاستبدادية وما ماثلها، من الشعب، وليس هناك من يمنحها الشرعية غيره … " (خطبة الجمعة 15-11-2019).
– "والمرجعية الدينية …. تؤكد مرة أخرى على حرمة الإعتداء على المتظاهرين السلميين ومنعهم من ممارسة حقهم في المطالبة بالإصلاح، … إنّ المرجعية الدينية ستبقى سنداً للشعب العراقي الكريم، وليس لها إلَّا النصح والإرشاد إلى ما ترى أنه في مصلحة الشعب، ويبقى للشعب أن يختار ما يرتئي أنه الأصلح لحاضره ومستقبله بلا وصاية لأحد عليه" (خطبة الجمعة 29-11-2019).
فهنا تأخذ مقولة الشعب في عصر غيبة الإمام المهدي "ع" معنى الجماعة التي تمتلك الولاية على نفسها.  
وكذلك يعتبر المرجع السيد علي السيستاني أيضاً أن الإنتفاضة الشعبية التي تواجه الإستبداد وما ماثله حركة وطنية تسعى إلى تحقيق الإصلاح وتحاول تخليص العراق من كونه ساحة لتصفية الحسابات الدولية الإقليمية واستعادته كوطن يتمتع بدولة تقوم على الإرادة الشعبية، وهو ما يظهر في خطبته بتاريخ 15-11-2019 حيث ورد فيها: "إنّ معركة الإصلاح التي يخوضها الشعب العراقي الكريم إنما هي معركة وطنية تخصه وحده، والعراقيون هم من يتحملون أعباءها الثقيلة، ولا يجوز السماح بأن يتدخل فيها أي طرف خارجي بأي اتجاه، مع أنّ التدخلات الخارجية المتقابلة تُنذر بمخاطر كبيرة، بتحويل البلد الى ساحة للصراع وتصفية الحسابات بين قوى دولية وإقليمية يكون الخاسر الأكبر فيها هو الشعب".
ومن التبسيط والتزييف بمكان قراءة توجهات المرجع الديني الأعلى في النجف الأشرف، بردِّها إلى نموذج ديموقراطية السلطة الغربية بمفرداتها وسلطاتها وجمعياتها المدنية ومنظماتها الدولية، كونها تتأسَّس على وجهة مرجعية أصيلة في الفقه السياسي الإسلامي الشيعي، وكونها كذلك أي كونها تستند إلى نموذج توحيدي إسلامي أصيل وراسخ يقــــع خارج حقل ديمقراطية السلطة الغربية فإنها تسمح له بالتعاطي مع مقولات هذه الديمقراطية بمرونة مرحلية.
مأزق الإنتفاضة اللبنانية الوجه الآخر لمأزق حزب الله
  يكشف ما ورد أعلاه الإختلاف بين الإنتفاضة العراقية الوثيقة الصلة بخط المرجعية العليا الراهنة في النجف الأشرف وبين الإنتفاضة الشعبية في لبنان، حيث غياب هذا الخط المرجعي، الذي كان يتمثَّل بخط الإمام السيد موسى الصدر والإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وهو غياب دفع بالطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان إلى التحوُّل من جماعة أهلية سياسية وطنية إلى جماعة ولائية بفعل ارتباطها المباشر بمنظومة الولاية المطلقة. وبعكس ما هو متداول في معظم الأوساط النخبوية الحديثة، فإن موقف الطائفة الإسلامية الشيعية السلبي من الإنتفاضة لا يعود إلى تكوينها الأهلي الطائفي بل إلى تحوُّلها من جماعة تقليدية إلى جماعة يطغى عليها المِزاج الولائي. إذ الطائفة كمصطلح لا يدلُّ على مجموعة سياسية مغلقة بل على مجموعة أهلية دينية قرابية قابلة للإنخراط وإعادة التشكُّل في حقل سياسي راهن، والطائفة الإسلامية الشيعية قد انخرطت فعلاً أيام المؤسس الإمام السيد موسى الصدر في الكيان اللبناني وفي تركيبته المتشكِّلة من علاقات حديثة قائمة على توزيع الثروة والسلطة، وأسهمت في بنية الدستور بمقولة "لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه"، وفي الوقت نفسه حافظت على واقعها كجماعة تقليدية تقوم على مرجعية التقليد، ومن هذه الحيثية بدت قابلة بصيغة العيش المشترك والإنخراط في تركيبة متنوعة وهو ما يعبِّر عنه الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتاب "الوصايا" الذي يُعتبر دعوة صريحة للإلتزام بخط ونهج الإمام السيد موسى الصدر، حيث يقول فيه:
" أوصي أبنائي إخواني الشيعة الإمامية في كل وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وأن لا يميِّزوا أنفسهم بأي تميُّز خاص، وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميِّزهم عن غيرهم، لأن المبدأ الأساس في الإسلام، وهو المبدأ الذي أقره أهل البيت المعصومون عليهم السلام، هو وحدة الأمة، التي تلازم وحدة المصلحة، ووحدة الأمة تقتضي الإندماج وعدم التمايز. وأوصيهم بألاً ينجرّوا وألاً يندفعوا وراء كل دعوةٍ تريد أن تميِّزهم تحت أي ستار من العناوين، من قبيل إنصافهم ورفع الظلامة عنهم، ومن قبيل كونهم أقلية من الأقليات لها حقوق غير تلك الحقوق التي تتمتع بها سائر الأقليات. إن هذه الدعوات كانت ولا تزال شراً مطلقاً، عادت على الشيعة بأسوأ الظروف، الشيعة يحسِّنون ظروف حياتهم ومشاركتهم في مجتمعهم عن طريق اندماجهم في الإجتماع الوطني العام، والاجتماع الإسلامي العام، والاجتماع القومي العام، ولا يجوز ولا يصح أن يحاولوا حتى أمام ظلم الأنظمة، أن يقوموا بأنفسهم وحدهم بمعزل عن قوى أقوامهم بمشاريع خاصة للتصحيح والتقويم، لأن هذا يعود عليهم بالضرر ولا يعود على المجتمع بأي نفع. وقد جرت سيرة وسنة أهل البيت (عليهم السلام) على هذا النهج ". إنتهى نص الإمام شمس الدين.
وتبعا لذلك فإن إنخلاع الطائفة الإسلامية الشيعية الراهن، بما هي جماعة تقليدية، من الحقل الأهلي اللبناني وارتباطها بمشروع قائم على تقاسم النفوذ الدولي الإقليمي في حقل الصراع المذهبي، وتحوُّلها إلى جماعة ولائية، ليس أمراً يعود لتكوينها التاريخي التقليدي بل بفعل انحسارها بحدود أجهزتها الحزبية التي تُشكل جزءاً لا يتجزء من القوى السطوية، وهي قوى تستمد الآن، رغم خلافاتها، قوة من قوة حزب الله، كونها تتبادل معه موضوعياً مهمة كبح الديناميات الشعبية، وهو ما يكشف قدرته على إعادة إنتاج مزاج الطائفة الإسلامية الشيعية كجماعة ولائية متنافرة مع أي تفلُّت شعبي من السلطة، وبالتالي الإضطلاع بدور الجهاز السلطوي الكابح للإنتفاضة الشعبية. وهو ما يُفسِّر أيضاً مساندته لهذه السلطة بمعادلة تقاسم الأدوار أي الإمساك بالسياسة والأمن مقابل إطلاق يد قواهها في القطاعات الأخرى ومشاركتها فيها أيضاً، وهي معادلة أدَّت إلى استهلاك الكيان اللبناني كوطن وحتى كساحة، ممَّا أفقد الحزب إطاره اللبناني بعد أن فقد تكامله مع الدور الإقليمي السوري  الذي تعطَّل بتحوُّل سوريا إلى ساحة لتواجد النفوذ الدولي المباشر. غير أن الحزب رغم كل ما حصل ويحصل ما يزال  متمسكاً بالسلطة المتهاوية ومصراً على إخماد الإنتفاضة وتكسيرها على جدار ناسه الذين أُفرغت إرادتهم وحُوِّلوا إلى جماعة ولائية، رابطاً مصيره ومصير الكيان بمعادلة التوازن السلبي الأميركي الإيراني التي انتهت الآن بتمزيق سوريا، هذه المعادلة التي يسير العراق الآن بفعل المتغيِّر الشعبي والمرجعي النجفي الحاسم باتجاه التفلُّت من حقلها المدمِّر.
فقد أُنشئ حزب الله كإمتداد للحرس الثوري الإيراني وعلى نموذجه، بما يوفِّر لنظام الولاية المطلقة الشرعية  من خلال القتال على الثغور تحت عنوان إزالة الكيان الصهيوني واسترجاع القدس. ورغم ما اضطلع به هذا الحزب من دور مركزي إلى جانب قوى مقاومة أخرى في مواجهة الاحتلال الصهيوني منذ العام 1982 وتحوُّله إلى مزاج جماعة جهادية، فإن هذا المزاج لم يستمر كمزاج غالب في مسار الحزب رغم صموده أمام العدوان الصهيوني في تموز عام ٢٠٠٦، ، إذ ما حكم سيرورته إنمَّا كونه نواة تمركُز القوة العسكرية التي اصطدمت باكراً بتركيبة الطائفة الإسلامية الشيعية بما هي جماعة تقليدية متنوعة، مهمِشَّة مجتمعها الأهلي السياسي المتمثل بحركة المحرومين وأفواج المقاومة اللبنانية – أمل التي أنشأها الإمام السيد موسى الصدر، دافعة بذلك نحو تحويل الجماعة الأهلية الشيعية إلى مجموعة ولائية تندرج في إطار حاجة مركز السلطة الإيرانية لطاقة من خارج المجتمع الإيراني لإعادة إنتاج منطق الولاية العامة المطلقة، مما خلع الطائفة الإسلامية الشيعية من محيطها العربي ذي الغالبية السنية، وهو ما يمكن تفسيره بميل منظومة الولاية العامة إلى استبدال الأمة بالجماعة الولائية. غير أن هذا الميل إلى التمهذب الذي تنطوي عليه الولاية المطلقة لا يقود أبداً إلى إغفال الأثر المدمِّر للحركات التكفيرية التي تولَّدت على انهيار المنظومة السنية العربية تحت وطأة الإستعمار الغربي وسقوط مصر الناصرية وفصلها عن بلاد الشام. غير أن دخول السلطة الإيرانية في طي هذه التوازنات الدولية التي حوَّلت الأوطان العربية إلى ساحات، واستثمارها في النزاعات المذهبية، واعتبارها المجال العربي كفراغ يسمح بتصفية الحسابات السلطوية مع الإدارة الأميركية قد أسهم بتفعيل الإتجاهات التفكيكية، وهو ما لا يمكن تفسيره إلا بتعامل هذه السلطة مع المحيط العربي كحقل تحكُّم لإعادة إنتاج نفوذها الذي بات نفوذاً موهوماً.
وفي مقابل ذلك فإن المرجعية الدينية العليا الراهنة في النجف الأشرف خطت في العراق بأسلوب مختلف تماماً، حيث دفعت نحو تفريغ حقل الصراع والتفاعل الذي يستمد طاقته من التوازن السلبي الأميركي الإيراني، وذلك من جهة بمواجهة داعش بفتوى موجهة إلى الجماعات الأهلية العراقية للإنخراط بالحشد الشعبي، ومن جهة أخرى بدعم واحتضان الإنتفاضة الشعبية الوطنية العراقية في مواجهة الوصاية الإيرانية التي تحاول التمسُّك بالتوازن السلبي مع النفوذ الأميركي الذي كسر هذا التوازن باغتيال الجنرال قاسم سليماني.
وقد دفعت المرجعية الدينية العليا الراهنة في النجف الأشرف نحو استعادة الدولة الوطنية العراقية ومواجهة محاولة السلطة الإيرانية لتحويل الحشد الشعبي برمته إلى إطار ولائي تابع لها من خلال سحب ألوية الحشد التابعة للعتبات المقدسة ودمجها في الجيش الوطني العراقي، علماً أن مصطلح الجماعات الولائية قد صيغ، في سياق التدافع القائم في العراق، كمصطلح شعبي عراقي هدفه التمييز بين مجموعات الحشد الموالية للسلطة الإيرانية والمجموعات المستجيبة لفتوى المرجعية وإرشادها ونصيحتها.
مصير الكيان اللبناني
  إن التوازن السلبي الأميركي الإيراني الذي حوَّل العراق ولبنان إلى ساحات مفكَّكة لا يسمح من جهة بزوالها كلياً ككيانات ودول ومن جهة أخرى يمنع استعادتها كوطن قد شارف على نهايته في العراق الذي يستعيد ذاته كوطن يعمل على تثمير طاقة الإنتفاضة الشعبية وخط المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، مُقدماً على خلفية ذلك حلاً واقعياً بنائياً إيجابياً للخروج من تصفية الحسابات السلطوية الإيرانية الأميركية، ويبدو أنه فعلاً يستعيد الصيغة الوطنية العراقية بعد أن تعمَّقت خطوط التجزئة الإستعمارية بخطوط الدم المذهبية وبدفع انهيار السلطنة العثمانية إلى مزيد من الإنهيارات الكلية والجزئية.
وكذلك فقد شارف هذا التوازن على نهايته في لبنان ولكنها نهاية مختلقة أو حتى معكوسة. إذ يتبين اليوم هشاشة وجهة السلطة الإيرانية التي قامت على نظرية الردع والتوازن مع العدو الإسرائيلي في طي التوازن السلبي الذي يقوم على مشاركة حزب الله في تركيبة سلطوية فاسدة في ظل تفكُّك الكيان وانهياره وقمع الناس وقذفهم إلى المعادلات الدولية.
أظهر إنفجار مرفأ بيروت الهائل وهن هذا النسق الولائي الذي يتوهم إقامة معادلة توازن مع القوة الأميركية من داخل حقل سلطوي تتحكم به ومعادلة ردع للقوة الصهيونية في حقل فاسد. إذ ما تبيَّن أنه من المستحيل خاصة بعد إنهيار المعادلة الإقليمية السورية إقامة مثل هاتين المعادلتين الإستراتيجيتين في ظل إنهيار التوازن السياسي واستفادة السيطرة الدولية من انهيار الكيان على كافة المستويات.
غير أنه وفي ظل كل هذه المآسي تبقى التجربة العراقية باستعادة الكينونة الوطنية بتلاقي الإنتفاضة الشعبية مع خط المرجعية النجفية الراهنة، وبغياب الوجهة المُماثلة لها بتغييب الإمام السيد موسى الصدر، شاهداً ونموذجاً واقعياً إيجابياً يُقتدى به أقلُّه لإيقاف الإنهيار، ويبقى أيضاً الممكن الإيجابي الذي ينفتح على ضرورات اللحظة التاريخية، وهو لا يبدو نموذجاً حصرياً يختصُّ بجماعة أو طائفة بعينها. وربما بات الآن من الصعب حجب هذا النموذج الوطني التوحيدي أو إغفاله.                

الإثنين 10/8/ 2020
__________________
– نظير جاهــــل: أستاذ متقاعد في معهد العلوم الاجتماعية – الجامعة اللبنانية
– يوسف كلوت: دكتوراه في علم الاجتماع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى