قانون حماية المستهلك: خرق فاضح للدستور ومبدأ المساواة

الحوارنيوز – خاص
في خطوة دستورية لافتة، أعاد رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون القانون المتعلق بتعديل قانون حماية المستهلك، القانون الرقم 659 تاريخ 5 شباط 2005 وتعديلاته، إلى مجلس النواب بموجب المرسوم الرقم 3596، في قرار يفتح الباب أمام مراجعة تشريعية تتجاوز في أبعادها قانون حماية المستهلك نفسه، لتطال صميم الإدارة العامة ومبدأ المساواة وحدود الصلاحيات بين السلطات.
القانون أراد أن يحمي المستهلك… فخرق الدستور.
ما بدا في ظاهره تعديلا تقنيا لقانون حماية المستهلك، تحول في بعض مواده إلى معالجة استثنائية لأوضاع فئة محددة من المتعاقدين في وزارة الاقتصاد والتجارة، وصولا إلى تثبيتهم في الملاك وتعديل أوضاع بعض الخبراء وترفيعهم إلى الفئة الثانية، فضلا عن تخصيص نسبة من الغرامات المحصلة لجهات وموظفين محددين.
وهنا لا تعود المسألة مجرد تفصيل إداري، بل تصبح قضية تتصل مباشرة بمبدأ المساواة، وتكافؤ الفرص، وحقوق موظفي الملاك، وهيكلية الوظيفة العامة، والفصل بين السلطات.
فالمادة 133 من القانون المعاد، والتي تناولت تثبيت المراقبين المساعدين والخبراء المتعاقدين، لم تطرح فقط سؤالا حول مشروعية التثبيت، بل فتحت الباب أمام سؤال أكبر: هل يجوز تحويل التعاقد إلى طريق استثنائي لدخول الملاك الدائم، ثم الانتقال مباشرة إلى مواقع وظيفية أعلى، خارج المسارات التي يخضع لها سائر موظفي الدولة؟
ومن هنا جاءت أهمية رد رئيس الجمهورية، الذي لم يستند إلى ملاحظات إدارية أو مالية فحسب، بل وضع أمام المجلس النيابي مجموعة من الإشكاليات الدستورية والقانونية المرتبطة بالقانون.
المساواة أمام الوظيفة العامة… ليست تفصيلاً
من أبرز ما استند إليه طلب إعادة النظر بمبدأ أساسي في النظام الدستوري اللبناني: المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، والمساواة في تولي الوظائف العامة.
وهنا تكمن المشكلة الجوهرية في بند تثبيت المتعاقدين.
فالمتعاقد الذي يدخل الإدارة العامة بناء على مباراة أو امتحان للتعاقد، يدخلها وفق شروط تختلف عن شروط الدخول إلى الملاك الإداري الدائم. وبالتالي، فإن النجاح في مباراة للتعاقد لا يعني حكما اجتياز الشروط نفسها المطلوبة لشغل وظيفة دائمة.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة:
هل يمكن لمباراة أُجريت للتعاقد أن تتحول لاحقا، وبقانون خاص، إلى بوابة لتثبيت أصحابها في الملاك الدائم؟
فالمتقدمون إلى مباراة التعاقد لم يكونوا بالضرورة يعلمون أن هذا التعاقد يمكن أن ينتهي إلى تثبيت في الملاك. ولو كان هذا الاحتمال معروفا مسبقا، لكان من الممكن أن يتقدم أشخاص آخرون إلى المباراة نفسها، ما يجعل منح الأفضلية لاحقا لفئة محددة موضع تساؤل جدي حول تكافؤ الفرص.
ثم يأتي السؤال الأوسع:
إذا كان هذا المسار جائزا لهذه الفئة، فلماذا لا ينطبق المبدأ نفسه على آلاف المتعاقدين والأجراء والعاملين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة الأخرى؟
وهنا تحديدا تظهر خطورة الاستثناء، لأن العدالة في الوظيفة العامة لا تعني فقط إنصاف من يراد تثبيته، بل أيضا حماية حق كل من كان يمكن أن ينافسه لو كانت القواعد معروفة مسبقا.
الأخطر: ماذا عن موظفي الفئة الثالثة؟
الإشكالية لا تتوقف عند المتعاقدين.
فهناك موظفون في الفئة الثالثة سلكوا الطريق النظامي داخل الإدارة العامة، واستوفوا الشروط المطلوبة للترفيع، وأنهوا بنجاح دورة تدريبية في المعهد الوطني للإدارة وفق الأصول.
هؤلاء لا يدخلون إلى الفئة الثانية بقرار استثنائي، بل ينتظرون استحقاقهم وفق القواعد التي وضعها نظام الموظفين.
ومن هنا، فإن تثبيت متعاقدين مباشرة في وظائف من الفئة الثانية، من دون المرور بالمسار الوظيفي ذاته، قد يؤدي عمليا إلى المساس بحقوق موظفي الملاك الذين انتظروا سنوات لاستحقاق الترفيع وفق الأصول.
ترفيع الخبراء… هل يمكن القفز فوق السلم الوظيفي؟
من أكثر النقاط حساسية في الملف مسألة الخبراء المتعاقدين.
فإذا كان هؤلاء يؤدون مهاما تتماهى، من حيث المستوى الوظيفي، مع وظائف الفئة الثالثة، فإن نقلهم بصورة مباشرة إلى الفئة الثانية يطرح إشكالية قانونية وإدارية جوهرية.
فالفئة الثانية ليست مجرد درجة أعلى يمكن الانتقال إليها بقرار استثنائي، بل هي جزء من هيكلية الوظيفة العامة، والوصول إليها يرتبط بشروط وآليات قانونية تتصل بالأقدمية والكفاءة والتقييم وسائر الأحكام المرعية الإجراء.
أما فتح مسار استثنائي لفئة محددة للانتقال مباشرة إلى الفئة الثانية، في الوقت الذي ينتظر فيه موظفون دائمون سنوات طويلة لاستحقاق الترفيع، فيضع الإدارة أمام معادلة غير متوازنة.
الغرامات أيضا في قلب الاعتراض
ولم تتوقف ملاحظات رئيس الجمهورية عند التثبيت والترفيع.
فالقانون خصص نسبة 40% من الغرامات المحصلة لجهات وموظفين محددين.
وهذه النقطة تحمل إشكالية إدارية ومالية شديدة الحساسية.
فالموظف العام، عندما يفرض غرامة أو يساهم في تحصيلها، يقوم أصلا بمهمة تدخل ضمن واجباته الوظيفية، شأنه شأن موظفين آخرين يؤدون مهام عامة لا يترتب عليها تحصيل مالي.
فلماذا يحصل موظف على نسبة من الأموال التي تجبى نتيجة قيامه بواجباته، بينما لا يحصل موظف آخر يؤدي واجبات مماثلة على أي نسبة؟
إن اعتماد هذا المبدأ قد يؤدي إلى نتيجة أخطر: انتقال الموظفين من الوظائف التي لا تحقق إيرادات إلى الوظائف المرتبطة بالغرامات والتحصيل المالي.
وبذلك يصبح الحافز المالي عاملا في اختيار الوظيفة العامة، بدلا من أن تكون حاجة الإدارة والكفاءة والمصلحة العامة هي المعايير الأساسية.
كما أن تخصيص إيرادات معينة لجهات أو نفقات محددة يثير، بدوره، مسألة شيوع واردات الموازنة العامة وعدم تخصيص إيراد معين لنفقة محددة، وهي من المبادئ الأساسية في المالية العامة.
فصل السلطات… أين تبدأ صلاحية مجلس النواب وأين تنتهي؟
هناك بعد دستوري آخر لا يقل أهمية.
فرئيس الجمهورية استند في طلب إعادة النظر إلى مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، وإلى كون تعيين موظفي الدولة يدخل ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة:
هل يستطيع مجلس النواب، من خلال قانون خاص، أن يقوم عمليا بتعيين فئة محددة في الملاك الإداري العام؟
لا خلاف على أن السلطة التشريعية تملك سن القوانين التي تنظم الوظيفة العامة، لكن ثمة فارقا بين وضع قاعدة عامة ومجردة تنطبق على الجميع، وبين وضع قاعدة تستهدف عمليا معالجة أوضاع فئة محددة.
.
قانون حماية المستهلك… لماذا يتحول إلى قانون للإدارة العامة؟
ثمة سؤال سياسي وإداري لا يمكن تجاهله:
ما علاقة تثبيت المتعاقدين وترفيع الخبراء بإصلاح قانون حماية المستهلك؟
إذا كانت الدولة تحتاج فعلا إلى إعادة تنظيم ملاك وزارة الاقتصاد والتجارة ومعالجة أوضاع العاملين فيها، فالمسار الطبيعي يفترض أن يكون ضمن قانون منفصل ومن خلال رؤية شاملة للإدارة العامة، تحدد حاجاتها البشرية وتضع قواعد موحدة للتثبيت والترفيع والتعاقد.
أما إدخال تعديلات تتعلق بالملاك والرتب والتقاعد والحقوق المالية داخل قانون قطاعي بطريقة دس البنود إرضاء لفئة معينة، فيمكن أن يؤدي إلى خلق استثناء جديد بدلا من معالجة أصل المشكلة.
واللافت أن ملاحظات رئيس الجمهورية لم تتوقف عند الجوهر فقط، بل طالت أيضاً الصياغة التشريعية، ومنها الإشارة إلى مواد تتحدث عن تطبيق أحكام على فصول محددة، فيما لا يتضمن القانون أصلا تقسيم مواده إلى فصول، بما قد يثير إشكالية في وضوح النص وقابليته للتطبيق.
وهكذا، يبدو أن الإشكال لم يكن في التثبيت والترفيع والجانب المالي فحسب، بل امتد أيضا إلى بنية القانون وصياغته.
الخطر الحقيقي: صناعة “فئات محظية” داخل الدولة
الملف، في جوهره، لا يتعلق فقط بمجموعة من المراقبين المساعدين أو الخبراء.
إنه يتعلق بسؤال أكبر:
هل ما زالت الوظيفة العامة في لبنان تقوم على قاعدة واحدة للجميع؟
إذا كان موظف الفئة الثالثة ينتظر سنوات حتى يستوفي شروط الترفيع، ومتعاقد آخر يستطيع الانتقال مباشرة إلى الفئة الثانية بموجب نص استثنائي، فإن المشكلة لم تعد مشكلة أشخاص، بل مشكلة نظام.
إن إعادة القانون من رئيس الجمهورية لا يجب أن تُقرأ كمواجهة مع مجلس النواب، بل كفرصة لإعادة تصويب المسار التشريعي قبل أن تتحول الاستثناءات إلى قواعد.
فمعالجة أوضاع المتعاقدين والخبراء قد تكون أمراً مشروعاً، لكن العدالة تقتضي أن تكون هذه المعالجة دستورية، شفافة، موحّدة، وتحترم في الوقت نفسه حقوق موظفي الملاك الذين سلكوا المسار الوظيفي النظامي.
أما إدخال مسائل التثبيت والترفيع والتقاعد والحوافز المالية ضمن قانون خاص بحماية المستهلك، فيطرح سؤالاً جوهرياً:
هل نحن أمام إصلاح للإدارة العامة، أم أمام استثناء جديد يضاف إلى سلسلة الاستثناءات التي أنهكت الدولة اللبنانية؟
في الخلاصة: المسألة ليست أشخاصا… بل مبدأ
قد يكون بين المتعاقدين والخبراء من يمتلك الكفاءة والخبرة التي تحتاجها الإدارة، لكن الدولة لا تُبنى على معالجة أوضاع فئة واحدة بمعزل عن الآخرين.
فالمعيار الحقيقي هو أن يعرف كل موظف ومتعاقد ومواطن أن القاعدة نفسها تطبق على الجميع، وأن الوظيفة العامة تقوم على الاستحقاق لا على الاستثناء.
ولهذا تتجاوز ملاحظات رئيس الجمهورية نص القانون نفسه، لتطرح سؤالاً أساسيا حول مستقبل الإدارة العامة:
هل نريد دولة تحكمها القواعد، أم دولة تتوسع فيها الاستثناءات؟
ففي بلد يعاني من ترهل الإدارة وتراكم الأعباء المالية، فإن أخطر ما يمكن فعله هو تحويل الاستثناء إلى قاعدة.
لأن حماية المستهلك مهمة، لكن حماية الإدارة العامة من الاستثناءات والتشريع الانتقائي هي أيضا حماية للمواطن وللدولة.
يذكر أن القانون المعاد مرّ وسط توافق نيابي تقدمه تحالف كتلتي التنمية والتحرير (حركة أمل) والجمهورية القوية (القوات اللبنانية) .
السؤال الأبرز كيف لوزير الاقتصاد عامر البساط الذي يدعي انه قادم من مدرسة إصلاحية أن يمر عليه مثل هذه الخروقات؟



