قالت الصحف: بيان واشنطن بين الرفض ..أو اعتباره الفرصة الأخيرة

الحوارنيوز – خاص
عكست صحف اليوم المواقف المتباينة حيال بيان مفاوضات واشنطن بين السلطة اللبنانية ودولة الاحتلال، وقد توزعت هذه المواقف بين من يرفض منح العدو شرعية القتل والاحتلال وبين من يعتبر أن بقاء جيش الاحتلال في لبنان يعني بالضرورة استمرار المقاومة…
ماذا في التفاصيل؟
- صحيفة الأخبار عنونت: المقاومة تعلن رفض ورقة العار
وكتبت تقول: لم يكن «إعلان واشنطن» حول وقف إطلاق النار سوى ترجمة رسمية لمسار سياسي تتبناه السلطة اللبنانية منذ أشهر، يقوم على التسليم بأن موازين القوى الإقليمية والدولية تفرض على لبنان التنازلات السياسية تحت عنوان «الواقعية». إلا أن ما قُدّم للرأي العام على أنه إنجاز دبلوماسي، بدا أشبه بوثيقة استسلام من قبل سلطة تبيع حقوق البلاد لاحتلال يواصل القتل والتدمير.
سريعاً، ردت المقاومة على الخطيئة الكبرى بموقف أطلقه الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، معلناً رفضاً حاسماً للاتفاق وللمنطق الذي يحكمه، ومتهماً القائمين عليه بمحاولة منح إسرائيل في السياسة ما فشلت في انتزاعه بالحرب. واصفاً الإعلان بـ«المهزلة والمذلّة والمخزي».
لكن السلطة بأركانها، بقيت تتصرف وكأنها تملك إجماعاً وطنياً، فيما أظهرت الوقائع أن البلاد تقف على حافة انقسام عميق حول جوهر الخيارات المطروحة. وبدل أن تسعى إلى بناء موقف وطني موحد، اندفعت نحو تبني مسار سياسي شديد الحساسية فاتحة الباب أمام مواجهة سياسية مفتوحة.
في هذا المناخ، تحولت الجولة الرابعة من مفاوضات واشنطن إلى محطة كشفت حجم التصدع القائم. فبينما خرج رئيس الجمهورية جوزاف عون، متحدثاً عن تفاهمات ومسارات تنفيذية ومناطق انتشار للجيش، جاء رد المقاومة في الميدان التي واصلت عملياتها ضد المحتل، وضد هذا المسار الاستسلامي الذي حاول عون أمس تجميله بادعائه أن الوفد اللبناني تعرض لضغوط كبيرة للإيحاء بوجود مقاومة سياسية من قبل الوفد، وحاول الترويج لبطولات وهمية قائلاً إن المحادثات كادت تنهار أكثر من مرة نتيجة الشروط المطروحة، قبل أن يتدخل الأميركيون لإحيائها. ثم كشف عون أن سلطته قررت اعتماد مناطق أولية لاختبار تنفيذ الاتفاق وانتشار الجيش فيها، مرشحاً منطقة زوطر وشقيف أرنون.
خطورة موقف عون، ليست في ما قاله عون، بقدر ما كانت في التهديد الذي وجهه عندما اعتبر أن «أي جهة تعرقل الاتفاق ستتحمل مسؤولية ما قد يترتب على ذلك من نتائج». وهو موقف التقى معه رئيس الحكومة نواف سلام الذي قدم التفاوض في جلسة الحكومة أمس باعتباره الخيار الأقل كلفة في ظل الموازين القائمة، مكرراً تهديد عون بأن «من يرفض أو يماطل سيتحمّل وحده وزر ما قد يترتّب على ذلك».
عون وسلام يبرران الخطيئة وبري يطلق مشاورات داخلية وخارجية والعدو يتمسك بالاحتلال
وبينما ظل الجميع في انتظار صدور موقف عن الرئيس نبيه بري، كان الأخير يقوم بمشاورات داخلية واتصالات مع الخارج تركزت مع المندوب السامي السعودي يزيد بن فرحان الذي كان يضغط على الجميع للسير بالإعلان الذي صدر عن واشنطن. وقد أطلق بري مجموعة مشاورات مع حزب الله ومع قوى سياسية ومرجعيات محلية، قبل أن يصدر عنه موقف سيكون أساساً للنقاش اللاحق مع رئاستي الجمهورية والحكومة. علماً أن بري، يراهن فقط، على توصل إيران إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يكون شاملاً للبنان، ويفرض على العدو وقف الحرب دون أي مقابل.
في كيان الاحتلال، كان وزير الحرب يسرائيل كاتس، يكرر لازمة أن ما جرى في واشنطن يثبت بقاء قوات الاحتلال في كل المواقع بما في ذلك قلعة الشقيف، وأن إسرائيل تنتظر من لبنان نزع سلاح حزب الله، فيما لحقه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بالإعلان عن أن لبنان سوف يشهد ما شهده قطاع غزة.
ترجمة موقف العدو جاءت على لسان قائد جيشه إيال زامير، الذي قال إنّ جيشه «ملتزم بخلق واقع أمني أفضل لبلدات الشمال على المدى الطويل». فيما أعلن الحرس الثوري الإيراني أن «أي هدوء في المنطقة لن يتحقق ما لم ينسحب الصهاينة من الأراضي اللبنانية المحتلة»، مشيراً إلى أن «شرطه الأساسي لقبول وقف إطلاق النار في الحرب الأخيرة كان وقف إطلاق النار على جميع الجبهات».
أما من جانب الجيش اللبناني، فقد بادر إلى إعادة نشر مجموعات منه في بلدتي دبين وبلاط في الجنوب، ودخلت قوة ترافقها وحدة من فوج الهندسة، وباشرت تأمين الطريق التي تربط دبين بمرجعيون وإبل السقي والخيام، وذلك بعد ورود معلومات عن انسحاب الجيش الإسرائيلي من البلدة.
وكشفت مصادر أمنية لـ«الأخبار» أن الجيش لم يتبلّغ رسمياً الانسحاب الإسرائيلي، بل ما حصل هو أن بلدية مرجعيون هي من تلقت اتصالاً من العدو الإسرائيلي يفيد بأن الطريق بين مرجعيون وحاصبيا أصبحت سالكة وأن الجيش اللبناني سيدخل البلدة، فتواصل مسؤولون في البلدية مع الجيش الذي تفاجأ بالأمر ثم أرسل جرافاته لفتح الطريق بعدَ التواصل مع لجنة «الميكانيزم» التي لم تتجاوب.
- صحيفة الديار عنونت: الكباش الأميركي ــ الإيراني… إنفراج أو انفجار؟
عون: إتفاق واشنطن «الفرصة الأخيرة»… وقاسم يعتبره «عبثي»
وكتبت تقول: خلاصة اليوم الاول بعد الجولة الرابعة من المفاوضات في واشنطن، ازدياد في حدة الانقسام الداخلي، وتعميق حالة انعدام الثقة بين المقاومة والدولة اللبنانية، والدخول في «المجهول»، بعد تحول البيان المشترك الصادر بعد جولة التفاوض بين السلطة اللبنانية «واسرائيل» برعاية اميركية، الى «شيك» بلا رصيد، في ظل انعدام فرصة تحويله الى واقع، بعد اعلان حزب الله رفض ما ورد فيه «جملة وتفصيلا»، ووصفه من قبل الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بـ«العبثي»، فيما اعتبره رئيس الجمهورية جوزاف عون بمثابة «الفرصة الاخيرة»، محملا الطرف المعطل مسؤولية وتداعيات هذا القرار.
في المقابل، كان لوزير الحرب الاسرائيلي يسرائيل كاتس شرح تفصيلي لمفهوم الحكومة الاسرائيلية للاتفاق، واختصر الامر بثلاث ثوابت اعتبرها مكسبا كبيرا لـ«اسرائيل»، وتحدث عن احتفاظ «الجيش الاسرائيلي» بحرية الحركة على كامل الاراضي اللبنانية، وقال «لا عودة للجنوبيين الى قراهم». اما الثابتة الثالثة، فلا «انسحاب من الجنوب مع الاستمرار بتدمير البنية التحتية»!
ولم يغب البعد الاقليمي والدولي عن المشهد. وفي مواقف تزيد من تعقيدات المرحلة، كان الرئيس الاميركي دونالد ترامب اكثر وضوحا في مقاربته للملف، حين كشف انه يريد فصل الملف اللبناني عن المفاوضات مع ايران، ويريد فتح مضيق هرمز، بعيدا عن تداعيات الجبهة اللبنانية.
وجاء الرد الايراني اكثر وضوحا عبر وزير الخارجية عباس عرقجي وعبر الحرس الثوري، للتأكيد على موقف طهران الثابت، بعدم التخلي عن ربط اي اتفاق لانهاء الحرب في المنطقة بوقف النار في لبنان، وانسحاب قوات الاحتلال خارج الاراضي اللبنانية.
مواجهة اقليمية- دولية
اذا المواجهة الاميركية – الايرانية كانت حاضرة على طاولة التفاوض في واشنطن، ومن السذاجة تبسيط الاحداث وحصرها بالتجاذبات الداخلية، تقول اوساط ديبلوماسية، وانه من المبكر الحديث عن نجاح الولايات المتحدة «واسرائيل» بالتعاون مع الدولة اللبنانية، في فصل المسار اللبناني عن مسار «اسلام اباد»، واخراج طهران من المعادلة اللبنانية، باعتباره احد الاهداف الرئيسية في تفاهم واشنطن، حيث ورد فيه هذا الامر على نحو واضح.
لكن يبقى السؤال، هل يمكن تنفيذ هذا الاتفاق دون موافقة حزب الله ومن وراءه طهران؟ وهل يمكن لاحد ان يتوقع قبول الطرفين «بهزيمة» سياسية وميدانية من خلال الديبلوماسية، بعد خوض مواجهة عسكرية قاسية لم تنته بعد؟ الجواب هو بالنفي طبعا. وهذا يعني حكما ان المواجهة ستكون مفتوحة على فصول جديدة من التصعيد، الا اذا تم التوصل الى تفاهمات سياسية على طاولة «اسلام اباد»، باتت تشارك فيها دول عربية بفعالية وفي مقدمتها قطر، وكذلك السعودية ومصر، لمحاولة ايجاد مقاربة تجعل من لبنان جزءا من اي «صفقة» اقليمية، ويمكن القول ان فرص الانفراج والانفجار متساوية؟!
لماذا يرفض حزب الله الاتفاق؟
في هذا الوقت، وفيما تعتبر الجهات الرسمية ان لبنان حصل في الاتفاق على التزام واشنطن بالسيادة اللبنانية، وكذلك على التزام بدعم الجيش لبسط سلطة الدولة على كامل اراضيها، الا ان مصادر حزب الله تعتبره انه اتفاق الالتزامات اللبنانية، ولا الالتزامات الاسرائيلية، حيث ينص البيان على كل ما هو واجب تطبيقه لبنانيا، ويعفي «اسرائيل» من تقديم اي التزام واضح خصوصا الانسحاب، ووقف اطلاق النار الشامل، وعودة الاهالي، واعادة الاعمار. وتؤكد المصادر ان لا ثقة بالضمانات الاميركية، خصوصا ان التجربة الفاشلة لا تزال ماثلة امام الجميع، حين تعهدت واشنطن عبر «الميكانيزم» بتحقيق الانسحاب الاسرائيلي خلال 60 يوما، فتمدد الاحتلال واستمرت عمليات القتل 15 شهرا، فما الذي سيتغير اليوم؟
فرض الوقائع على الارض
ووفق تلك المصادر، ان الامر الخطير يكمن بما يريد «الاسرائيليون» فرضه على ارض الواقع، حيث يتمسكون ببقاء احتلال القرى داخل «الخط الاصفر»، ويريدون ان يفرضوا المناطق التجريبية خارجها، اي يريدون انسحاب المقاومة من المناطق الرئيسية، حيث تخاض المواجهات الاكثر استعصاء بالنسبة لهم، ومنها على سبيل المثال بلدة المنصوري في القطاع الغربي، وبلدة حداثا والغندورية وصولا الى وادي الحجير..
والاخطر في البيان، تضيف المصادر، انه يطال ابناء الارض بالانسحاب، ولا يطالب الاحتلال بذلك، كما تحول الى لائحة شروط لبنانيا، ومنح «الطرف الاسرائيلي» حق الرقابة على حسن سير وسلوك الطرف اللبناني، وله الحق تفسير الخروقات ومعالجتها دون آلية تنفيذ واضحة، ودون مواعيد للانسحاب، وانتهى الامر باملاء شروط دون وجود ضمانات بتحقيق الاستقرار، بغياب عودة الاهالي واعادة الاعمار. اما السؤال الاهم فيبقى ماذا يمنع «القوات الاسرائيلية» من التقدم والتوغل في المناطق التجريبية بعد خروج المقاومة؟ لا شيء.
رسائل ميدانية
ميدانيا، عمل حزب الله على توجيه «رسائل» واضحة تتماشى مع موقفه الرافض للاتفاق، حيث تقصد استهداف عدة مواقع اسرائيلية في المستوطنات ، خصوصا مستوطنة شلومي التي كان يزورها ئيس حكومة الاحتلال بينامين نتانياهو، حيث تعرضت للقصف بعد مغادرته بقليل.
اما جنوبا، فكان التركيز على عمليات استنزاف طوال يوم امس «للقوات الاسرائيلية»، لمنعها من تثبيت مواقعها في المواقع المحتلة، وابرز تلك العمليات استهداف 3 دبابات ميركافا في محيط قلعة الشقيف، زوطر الشرقية..
وفي خبر لافت، يأتي كنتيجة للحرب النفسية التي تشنها المقاومة عبر الاشرطة المصورة لاستهداف الجنود بالمحلقات، تحدثت وسائل اعلام اسرائيلية عن تظاهرة لأمهات قتلى وجنود «اسرائيليين» لا يزالون في لبنان أمام مقر حزب «الليكود» في «تل أبيب»، يطالبن بوقف إطلاق النار على هذه الجبهة. وقد اقر «الجيش الاسرائيلي» بمقتل جندي وإصابة آخرين في جنوب لبنان امس.
وفي خطوة بقيت دون توضيحات، قامت دورية للجيش اللبناني بفتح طريق مرجعيون – إبل السقي، تمهيداً لتأمين حركة المرور على المحور. كما انتشر في دبين بعد ان انسحب «الجيش الاسرائيلي» منها، وعلى مفرق الخيام جنوبا.
«الفرصة الاخيرة»
وكان رئيس الجمهورية جوزاف عون قد اكد ان «ما حصل يشكّل الفرصة الأخيرة للدخول في وقف نهائي وشامل لإطلاق النار، على أن يتحمّل كل طرف المسؤولية في حال عدم التجاوب». وقال في دردشة مع الصحافيين في قصر بعبدا «فور تلقي الأجوبة من الأطراف الداخلية المعنية، ولا سيما حزب الله، سيتم إبلاغ الجانب الأميركي بالموقف اللبناني، ليُبنى على الشيء مقتضاه».
ولفت الى أن «الولايات المتحدة الأميركية ستحدد موعد وآلية تنفيذ وقف إطلاق النار، الذي قد يبدأ بعد 24 ساعة من إبلاغها بالموافقة وتقديم الضمانات اللازمة، فيما سيكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضامن المباشر للتنفيذ». وشدد أيضا على «ضرورة عدم إعطاء إسرائيل الذرائع من اجل عدم انسحابها من الجنوب»..
قاسم : مفاوضات عبثية ومذلّة
في المقابل ، اعلن الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أن نتيجة المفاوضات المباشرة «العبثية والمذلة للبنان، مرفوضة جملة وتفصيلًا»، مؤكداً أن «المقاومة لم تعطِ التزاماً لأحد بعدم مقاومة العدوان، وما دامت قرانا غير آمنة فلن تكون المستوطنات آمنة. وما دام العدوان مستمراً فسنواجهه بكلِّ ما أوتينا من قوة، وسنطاله حيث نقرر ونستطيع».
وحذر من استمرار العدوان على جنوب لبنان، وإذا بقي «فلن تكون المستوطنات آمنة، وسيروا بأسنا وشدَّتنا». وإذ اعتبر أن «الهدف الأساس من المفاوضات نزع سلاح المقاومة كمنطلق لأي اتفاق، يعني إعدام قوة لبنان، وتهديد وجودي بإبادة شعبه المقاوم»، أوضح أن هذا المطلب يهدف «لمنح إسرائيل بالسياسة ما لم تأخذه بالحرب، وهذا مستحيل»، داعياً «المسؤولين إلى إيقاف هذه المهزلة والإهانة التي تسمى المفاوضات المباشرة».
لودريان والزيارة الاستطلاعية
في هذا الوقت، جال المبعوث الفرنسي جان ايف لودريان على الرؤساء الثلاثة عارضا وجهة نظر باريس في الاوضاع الراهنة. ووفق مصادر مطلعة، يمكن اعتبار جولة لودريان انها استطلاعية لمحاولة البناء على الوقائع الحالية، لتطوير التحرك الفرنسي خصوصا في ملف انتشار قوات اوروبية بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل».
وعلم في هذا السياق، ان الاميركيين لم يقدموا حتى الآن اي اجابات واضحة حول التصورات الفرنسية المعروضة، وسيتم تفعيل التواصل في المرحلة المقبلة لحسم هذا الملف.
- صحيفة النهار عنونت: عودة التصعيد الميداني بعد بيان واشنطن “المتقدم”… لبنان يحذّر من تبعات سقوط “الفرصة الأخيرة“
وكتبت تقول: لم يدُم الترقّب والانتظار لرصد موقف إيران وذراعها “حزب الله” من الإعلان المتقدم الذي صدر فجر أمس في واشنطن، عقب الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة الأميركية سوى ساعات قليلة، إذ لم تترك إيران للحزب أن يتقدمها شكلاً في إجهاض وقف النار، بل سارعت إلى الجهر باستباقها عملية إجهاضه، وجاء لاحقاً ترداد صدى موقفها على لسان الأمين العام للحزب نعيم قاسم. ومع أن هذا الإجهاض كان متوقعاً على نطاق واسع، فإنه بدا عاجزاً عن حجب الدلالات البارزة والمتقدمة لـ”الاتفاق الإطاري” الأول من نوعه الذي نصّ عليه الإعلان الأميركي عن حصيلة مفاوضات الجولة الرابعة في واشنطن، والذي تناول إلى وقف النار الشامل ربطاً بالتزامه من “حزب الله” إجراءات عملية أساسية، أبرزها انسحاب الحزب من جنوب الليطاني واعتماد “المناطق التجريبية” لبسط السلطة اللبنانية الحصرية ونزع سلاح كل المجموعات المسلحة والاتجاه نحو اتفاق عدم اعتداء. وهو اتفاق إطار ينسجم ضمناً مع قرارات مجلس الوزراء اللبناني في شأن حصرية السلاح، وما تلاها من اعتبار النشاط المسلح لـ”حزب الله” خروجاً على القانون. كما أن الاطار السياسي الأشمل لهذا البيان اكتسب دلالاته البارزة بالتشديد على أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم التوصل إليه مباشرة بين الحكومتين وبرعاية الولايات المتحدة، وليس عبر أي مسار منفصل، ناهيك عن إدانة العدوانية الإيرانية في المنطقة في ظل اعتداءات إيران على دول الخليج العربي.
غير أن منسوب الاندفاع الإيراني للردّ في لبنان ومحاولة إسقاط عملية فصل مسار لبنان التفاوضي عن المسار الإيراني، ارتفع بسرعة قياسية بما من شأنه أن يفاقم المواجهة بين لبنان الرسمي وطهران، ولكن مع تحمّل “حزب الله” تبعات التصعيد الميداني المتجدد وما يمكن أن ينجم عن إجهاض وقف النار الجديد. ففي إطار حثّ الحزب على التعاون، أعلن رئيس الجمهورية جوزف عون أن نتائج الجولة الرابعة من المفاوضات، والبيان الصادر عنها “بما تضمّنه من نقاط مهمة جداً لصالح لبنان، تشكّل الفرصة الأخيرة للدخول في وقف نهائي وشامل لإطلاق النار، على أن يتحمّل كل طرف المسؤولية في حال عدم التجاوب”. وقال عون في دردشة مع الصحافيين في قصر بعبدا: “فور تلقي الأجوبة من الأطراف الداخلية المعنية، ولا سيما “حزب الله”، سيتم إبلاغ الجانب الأميركي بالموقف اللبناني ليُبنى على الشيء مقتضاه”. ولفت إلى أن الولايات المتحدة الأميركية ستحدّد موعد وآلية تنفيذ وقف إطلاق النار، “الذي قد يبدأ بعد 24 ساعة من إبلاغها بالموافقة وتقديم الضمانات اللازمة، فيما سيكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضامن المباشر للتنفيذ”. وكشف أن “الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير سيمون كرم أظهر صلابةً، وكانت المفاوضات أمس بالغة الصعوبة، إلى درجة أن السفير كرم اضطر إلى تعليق جولة التفاوض وأصرّ على عدم الانتقال إلى بحث أي موضوع آخر قبل البتّ بوقف شامل لإطلاق النار، ما استدعى تدخّل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لاستئناف المفاوضات، التي انتهت بالأخذ بالمطلب اللبناني القاضي بوقف شامل لإطلاق النار”.
التصعيد الإيراني
ولم تمض ساعات قليلة حتى أعلن قائد فيلق القدس الإيراني اسماعيل قاآني أن “الحد الأدنى من مطالب المقاومة في لبنان هو انسحاب الكيان الغاصب إلى الوضع الذي كان قائماً قبل بدء الحرب”، في ما بدا أنها محاولة إيرانية لإحباط جهود الدولة اللبنانية وفرض شروط طهران لوقف النار.
وعلى الاثر، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول في “حزب الله” قوله: “أبلغنا السلطات اللبنانية رفضنا اتفاق وقف النار مع إسرائيل”. كما أعلن الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم “أن نتيجة المفاوضات المباشرة العبثية والمذلّة للبنان، مرفوضة جملة وتفصيلًا”، مؤكداً أن “المقاومة لم تعطِ التزاماً لأحد بعدم مقاومة العدوان وما دامت قرانا غير آمنة، فلن تكون المستوطنات آمنة”. وقال: “ما دام العدوان مستمراً، فسنواجهه بكلِّ ما أوتينا من قوة، وسنطاله حيث نقرر ونستطيع” .
وفيما بدا رداّ ضمنياً على الحزب، أكد رئيس الحكومة نواف سلام في مطلع جلسة مجلس الوزراء أن “مسار التفاوض الذي اخترناه هو الطريق الأسرع والأقل كلفة على لبنان واللبنانيين، وعلى الجنوب والجنوبيين”.
ونوّه بما أعلنه رئيس الجمهورية، “فالمفاوضات لم تكن سهلة، ووفدنا واجه فيها تعنّتاً إسرائيلياً. وما نطالب به في هذه المفاوضات ليس جديداً.” وتابع: “في ما يتعلّق بخلوّ جنوب الليطاني من المسلحين والسلاح، فهذا ليس شرطاً فرضه أحد علينا. هذا ما تعهّد به لبنان أمام العالم حين وافق على القرار 1701. وفي موضوع حصرية السلاح بيد الدولة في كامل الأراضي اللبنانية، تأخّرنا كثيراً في تطبيق ما نصّ عليه اتفاق الطائف الذي وقّعه اللبنانيون، وهو ما ورد أيضاً في بياننا الوزاري”.
وأشار إلى أن “الخطوة المقبلة عملية وملموسة: انتشار الجيش اللبناني في مناطق تجريبية كمرحلة أولى، وهو ما لا يسقط حقّنا بالانسحاب الكامل، بل يقربنا منه. وكل ساعة تمرّ من دون تنفيذ هي ساعة يدفع ثمنها الجنوب وأهله. والمطلوب من جميع الأطراف أن تقدّم مصلحة لبنان وشعبه على أي مصلحة أخرى، خارجية أو فئوية، وأن تتحمّل مسؤولياتها. ومن يرفض أو يماطل، يتحمّل وحده وزر ما قد يترتّب على ذلك، أمام التاريخ، والأهم أمام الشعب اللبناني الذي عانى الكثير وقدّم أكبر التضحيات”.
التعليق الإسرائيلي
أما في الجانب الإسرائيلي، فأشارت الحكومة الإسرائيلية إلى أن “المفاوضات مع لبنان في واشنطن اتفقت على إبعاد “حزب الله” عن المعادلة وهذا إنجاز غير مسبوق”. وأشار موقع أكسيوس إلى أنه “إذا رفض “حزب الله” الاتفاق بين لبنان وإسرائيل واستمر في إطلاق الصواريخ نحو شمال إسرائيل، فقد يدفع ذلك الرئيس ترامب إلى منح نتنياهو “الضوء الأخضر” لتصعيد الحملة العسكرية في لبنان”. وفيما دعا الجيش الإسرائيلي اللبنانيين “إلى الامتناع عن التوجّه جنوب نهر الزهراني حتى إشعار آخر، لأن كل من يتوجّه جنوبًا يعرض حياته للخطر”، شهد الوضع الميداني استمرار الغارات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع الغربي، كما أطلق “حزب الله” بعد الظهر صواريخ في اتجاه شمال إسرائيل. وأفيد أن الجيش اللبناني انتشر في دبين بعد أن انسحب الجيش الإسرائيلي منها، وعلى مفرق الخيام جنوباً.
جولة لودريان
إلى ذلك، وبينما أعلن الاتحاد الاوروبي عن “دعم للجيش اللبناني بـ 100 مليون يورو لمساعدته في احتكار الدولة للسلاح وحماية المدنيين”، جال الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان أمس على الرؤساء عون وبري وسلام، مناقشاً التطورات العسكرية والتفاوضية وأيضاً ملف ما بعد انتهاء ولاية اليونيفيل جنوباً، كما بدأ جولة على رؤساء الاحزاب والكتل النيابية ينجزها اليوم.
وأكد لودريان أن زيارته لبيروت “هدفها التعبير عن الدعم والتضامن الفرنسي والاهتمام بشؤون لبنان”.



