عن مهرجان طيارة ورق.. وأشياء أخرى (علوية هاشم فياض)

كتبت علوية هاشم فياض – الحوارنيوز
في الجنوب، لا تُقاس الأيام بالساعات، بل بكمية ما يحتمله القلب من تناقضات. هنا قد يبدأ النهار بطائرة ورق وينتهي بطائرة حربية. قد يركض الأطفال خلف خيطٍ يعلّق أحلامهم في السماء، فيما تراقب الأمهات الأفق نفسه خشية أن ينشقّ عن غارة جديدة.
بالأمس، كنت أتحدّث عبر شاشة التلفزيون عن تجربة مؤسسة سعيد وسعدى فخري الإنمائية، وعن الجهود التي تُبذل لانتزاع مساحة ممكنة للحياة من بين أنياب الخوف. كنت أتحدث عن مشاريع وأنشطة وبرامج، لكن الحقيقة أن ما يحدث على الأرض أكبر من كل العناوين. نحن لا ننظّم فعاليات فحسب، بل نحاول أن نحرس نبض الحياة من الانطفاء.
جاء مهرجان طائرات الورق ليكشف حقيقة يعرفها الجنوبيون جيداً: الناس ليست متعبة من الحياة، بل متعبة من الحرب. الناس لا تبحث عن المعجزات، بل عن فرصة عادية لتعيش. عن ساحة يركض فيها الأطفال. عن ضحكة لا تقاطعها صفارات الإنذار. عن سماء تتسع لألوان الورق بدل ألوان النار.
فوجئ الجميع بعدد المشاركين. مئات الوجوه، بل مئات القلوب، جاءت تحمل تعبها وأحزانها وأسئلتها الثقيلة. جاءت لتقول إن الفرح ليس ترفاً. وإن التمسك بالحياة ليس إنكاراً للألم، بل انتصار عليه. كانت الطائرات الورقية ترتفع في الهواء كأنها رسائل صغيرة إلى السماء: دعونا نعيش. دعوا أبناءنا يكبرون بعيداً عن لغة الدمار. دعوا الحرية تمرّ بين الناس ولو بخيطٍ رفيع من الورق.
وفي اليوم نفسه، كان الجنوب على موعد آخر. موعد تحرير أربعة أسرى من معبر الناقورة، في لحظة تحمل شيئاً من الفرح المؤجل، وشيئاً من الكرامة التي لا تتعب من العودة. لكن الجنوب الذي اعتاد أن يدفع ثمن كل لحظة فرح، لم يُمنح رفاهية الاحتفال طويلاً.
فمع حلول المساء، راحت الأخبار تتوالى. غارات وضربات في ميفدون والكفور وعِزّة والنبطية الفوقا والمنصوري وغيرها. أصوات الانفجارات تعود لتذكّر الناس بأن الحرب لا تزال واقفة على الباب. وأن هذا الشعب الذي يحاول أن يوازن حياته على حافة الخطر، ما زال مطالباً كل يوم بأن يثبت حقه في التنفس.
هكذا تبدو أيام الجنوب. صعودٌ دائم نحو قمة لا نراها. كأننا نتسلّق جبلاً شاهقاً بأقدام مثقلة وقلوب منهكة، لكننا نواصل الصعود. نزرع شجرة رغم الخوف. نفتتح مكتبة رغم الركام. نقيم مهرجاناً رغم الطائرات. نعلّم أطفالنا أن يرسموا شمساً كاملة حتى حين يضيق الأفق بالدخان.
لقد أثبتت التجربة أن الناس مشتاقة للحياة أكثر مما يظن الجميع. وأن عجلة الحياة، مهما تعثرت، لا تتوقف إلا إذا تُركت وحيدة. لذلك يجب أن يصبح وقف هذا النزيف أولوية وطنية وإنسانية وأخلاقية. ليس لأن الجنوبيين يطلبون امتيازاً خاصاً، بل لأنهم يستحقون الحد الأدنى الذي يستحقه أي إنسان على هذه الأرض: الأمان.
فهذا الشعب الجبّار الذي حارب كي يبقى، وقاوم كي لا ينكسر، وعاد إلى حقوله وبيوته ومدارسه كلما ظن العالم أنه تعب، يليق به أن يحيا. يليق به أن يستيقظ ذات صباح فلا يعدّ الغارات، ولا يحصي الشهداء، ولا يراقب السماء بقلق.
يليق به أن يرى أبناءه يطلقون طائراتهم الورقية تحت سماء هادئة، وأن يكون أقصى ما يشغل قلبه يومها هو إلى أي ارتفاعٍ ستصل أحلامهم.



