رأي

عندما يستبيح “الموارنة الجدد”..رئاسة الحكومة(جورج بكاسيني)

 

كتب جورج بكاسيني ل”مستقبل ويب”
Georges Bkassini

تباهى الموارنة القدامى، عن حق، بأنهم صنعوا الكيان بطبعتَيه (جبل لبنان ولبنان الكبير) . كما تباهوا مرارًا وتكرارًا ، وعن حق أيضًا، بأنهم صنعوا معه معناه ودوره وقيمه التأسيسية بدءًا من ليبرالية النظام واقتصاده الحر مرورًا بوظيفته كـ”جسر بين الشرق والغرب” ، وصولاً الى رسالته كواحة لـ”العيش المشترك”. لكن بعض الموارنة الجدد يتباهون، وعن سابق تصور وتصميم، بالتنكيل بهذا الكيان وبمعناه معًا. لا يتورّع بين فينة وأخرى عن قلب القيم التأسيسية رأسًا على عقب، ومعها نص “الميثاق الوطني” وروحه، حتى إذا سنحت له الفرصة لنحر هذا الموقع أو ذاك تناسى أن موقع رئاسة الجمهورية هو الأول في النظام ، وأن ما انسحب على غيره يمكن أن ينسحب عليه.
أن يمتنع النواب المسيحيون، وخصوصًا الموارنة، عن تسمية رئيس للحكومة “حقّ” دستوري لا يجادل به إثنان، لكن يراد به “باطل”، لأنه خروج عن أعراف وثقافة طالما تمسك بها اللبنانيون حتى في ذروة الحرب الأهلية. ذلك أن امتناع نصف النواب المسيحيين عن تسمية رئيس للحكومة وقبله رئيس لمجلس النواب يعدّ واحدًا من ضروب الجهل السياسي بمعنى البلد وبقوانين التعامل بين أطيافه .
قد يفهم البعض امتناع هؤلاء النواب عن تسمية رئيس للمجلس في ظل رفضهم اختيار نائب من 27 ينتمون كلهم الى ما يسمى “الثنائي الشيعي”، بحكم عدم وجود أية خيارات أخرى. أما أن يلجأ هؤلاء الى الخطوة نفسها إزاء رئاسة الحكومة التي يمكن اختيار أي شخصية سنية لها من داخل البرلمان أو خارجه، فهي تحمل دلالات خطيرة، أقلها إشعار هذه الطائفة بكل تكاوينها وتلاوينها أنها غير أهل لتولي هذا الموقع.
معنى ذلك أن الموارنة الجدد الجَهَلة بمعنى الكيان وبفلسفة الشراكة وبآبائها من يوسف السودا الى ميشال شيحا يجهلون ويتجاهلون أن ولادة “لبنان الكبير” لم تكن حدثًا عقاريًا، أراده البطريرك الماروني الراحل الياس الحويك من أجل توسيع رقعته الجغرافية وحسب، وإنما من أجل توسيع رقعة الشراكة التي شكلت ولا تزال المعنى الأبرز والأهم لهذا الكيان.
كيف “تفتّقت”عبقرية هؤلاء الموارنة الجدد وقادتهم الى خيار الامتناع قبل شهور قليلة من موعد انتخاب رئيس للجمهورية؟ وماذا لو قرّر نصف النواب المسلمين عدم تسمية رئيس للجمهورية؟
ربّ قائل أن إحدى ضفتي الموارنة الجدد منحازة أساسًا الى ما يسمى “الشيعية السياسية”، مع أنها لم تسمّ أيضًا مرشحًا لرئاسة مجلس النواب. فماذا عن الضفة المارونية الثانية التي لطالما ادعت قربها وودّها لأهل السنّة، وفوق ذلك لدنيا العرب من المحيط الى الخليج؟ كيف “يجرؤ” هؤلاء على التعامل بهذه الخفّة مع طائفة العرب وخزان العروبة من عكار الى شبعا مرورًا ببيروت عاصمة العرب؟
مشهدية الاستشارات اليوم تثير قلقًا كبيرًا على الموارنة أولاً واستحقاقاتهم المقبلة، وعلى البلد ومستقبل معناه ورسالته. أما الأخطر فيبقى أن الموارنة الجدد لم يجهزوا على الكيان الذي نعرفه وحسب، وإنما أجهزوا بأيديهم وأرجلهم أيضًا، على ما تبقى من ميثاقه الوطني، وهو درعهم الواقي الأول والأخير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى