إغتراب

عندما تحلُّ وسائل النقل البدائية في اختصار المسافات :تراكتور ألفين نحو مطار بيروت

هدى سويد ـ إيطاليا
بينما كان يقضي ليلة هادئة مع ابنته روزي ،علم من مُخابرة تلقّاها أن شقيقه تعرّض لنوبة قلبيّة ،وكان قد انعدم التواصل بينهما بسبب خلافات لسنين عديدة ، فيُقرّر القروي "ألفين" (1) بعمر يُناهز ال73 عاما القيام برحلة شاقّة على متن تراكتوره المُتواضع(جرار زراعي) ، نظرا لعدم حيازته على رخصة قيادة سيارة ..
كان ذلك في العام 1994 حين انطلق من قريته "لووا" نحو مونتي زيون في ويسكونسن حيث يسكن شقيقه والتي تبعد حوالي 386 كلم تقريبا . رحلة استغرقت حوالي ستة أسابيع بكل ما قد تحتمله مشاكل ومُصادفات هكذا نوع من الرحلات ، يكفي عبوره في طرق مُخصّصة للسيارات لا للجرارت كالأوتستراد ، وعند وصوله في النهاية يُمكن للمرء تصوّر اللقاء الإنسانيّ بما فيه من لحظات صمت وحب عند مواجهته لشقيقه الذي بادره قائلا  : " بهذا التراكتور قطعت الطريق كلّها كي تأتي إليّ؟" فأجابه " نعم ليل"! (ليل هواسم شقيقه ).
ذكّرني الفيلم الذي بثّه التلفزيون الإيطالي في ليلة من ليالي الفيروس المُغلقة بحالي ، فمنذ تشرين 2019 تعاكسني الأمور في التوجه إلى بيروت لأسباب مُختلفة أبرزها تلك المُتعلقة بمزاج الفيروس وما ترتّب على انتشاره من تغيير نمط حياتنا ، ومن مُضاعفات على مختلف الصعد  لغاية اليوم، منها إغلاق المطارات المُتعلقة بحالتي وحال من يعيش في الخارج بعيدا عن الوطن والأهل ، وما لخطورة التنقل ومحاذيره، ناهيك عن معاقبة من يؤم متن طائرة أو يقدم من بلاد مغمورة بالإصابات ، قد يكون أقلّها الحجر الفندقي إن أسعفته قدرته الماليّة أو سواها .
قارعت في المدة الأخيرة الإنترنت كما كنت أحجز دوما ، لكن شركة "أليطاليا" كانت غائبة عن الرحلات حتى الداخليّة منها ، وهي الأهم بالنسبة لي نظرا لحاجتي إليها  وصولا إلى أي رحلة أو شركة طيران أخرى تقلّني إلى بيروت .
قارعت غير مُبالية مع تقبلي لخطر التعرض للإصابة في تنقلي ، الدوران حول العالم في الطيران التركي لأيّام بدل ساعات قليلة أو … وصولا إلى بيروت حيث لا ينتظرني أحد ،بل الفحص والفندق السعيد بحجري .. وأخيرا كان لا بُدّ من الإتصال بشركة أليطاليا التي أكّد موظفها بصوته البائس حتى دون أن يشرح لي بأن الرحلات ملغاة  !
شعرت بالمُحاصرة .التنقل ممنوع ومن هم في لبنان مُحاصرون وأقل كلمة حب تسمعها لأول مرة ممن يحبونك " لا تأت ولا تخاطري" ، وما تبقّى كان بالطبع التفكير بحلول أخرى حين لم يعد عصر التكنولوجيا واختصار المسافات يفيد : ترام ، سيارة ، جمل أوتراكتور ،أصل به الى مطار رفيق الحريري ببيروت .
أدقُّ على باب أمي وأجيب : نعم أمي ، كما فعل أوين ردّا على ليل.

1 ـ فيلم يحمل عنوان قصة حقيقية لدافيد لينش 1999 وكان آخر فيلم للممثل ريتشارد فارنسوارث الذي لعب دور القروي. حاز الفيلم على أكثر من جائزة أفضل ممثل ، مخرج وتصوير إلخ.
 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى