فنون

عالمية مرسال خليفة وعبير نعمة

عدت من تظاهرة الأحد الأولى في شهر ديسمبر محمّلة بأسطوانة عبير نعمة بعدما أحضرها لي صديق بناء على طلبي وكان حاضرا حفل التوقيع .
اشتغلت الموسيقى في السيارة فاختفت الطريق من أمامي ورحت أحلّق تدريجيا وكأنني أطير على متن غيمة خفيفة حملتني الى البيت في الرميلة بدون أن أشعر بالوقت أو المسافة.
هذا ما تفعله بنا الموسيقى الجميلة تحسّن مزاجنا وتجعلنا أكثر قدرة على إحتمال كل هذا الخواء من حولنا .
أليست هذه وظيفة الموسيقى الأولى أن تجعلنا ندرك أحاسيسنا ونتلمس أعمق ما فينا كالمتصوفين ….
لا أعرف عبير نعمة شخصيا ولكنني تعرفت على صوتها الرخيم حين كانت متبارية في أحد البرامج المخصصة للهواة، وهو من النوع الذي يسحرك برخامته وإتساعه وقدرته على التنقل السلس بين الطبقات المختلفة ، لاحقا سوف تعرفنا عبير أن لها صوتا مثقفا ومتعلما جدا، وهذه ميزتها من بين الأصوات الجميلة الكثيرة .
أحببت أعمالها، ولكنني لو كنت مكانها لتوقفت وتريثت قليلا قبل أن أقوم بخطوة أو عمل جديد بعد اليوم وعليها أن تسأل نفسها ماذا بعد ذلك ؟.
تسع أغنيات جديدة في الأسطوانة التي تبدأ " بالموسيقى" وتنتهي بالغناء مع "غني قليلا " والباقي بعضه فولكلور أو أغنيات مجددة لمارسيل بصوت عبير نعمة .
جو العمل لا يشذّ عما دأب عليه مارسيل خليفة منذ مدة، منغمسا هو في صلب الحقل المعجمي للشعر والموسيقى والحب والصوت والمزمار والشوق والعشق والورد .
العمل بالغ التنوع من ضمن وحدة متماسكة من الجمال في بعديه الموسيقي والشعري .
النصوص البسيطة على جمالها تركت الأبهار للموسيقى، والقصائد لشعراء وشاعرات من لبنان والبحرين وإيران وأفغانستان والإمارات العربية المتحدة، وهذا يعكس رؤية مارسيل خليفة ونحوه الى أممية الجمال وسعة نظره تجاه هذا الكون. ويمكن القول أن هذا العمل يشكل إنعتاقا قويا من المحلية نحو الأممية في الشعر وهو مناخ أستسيغه وينسجم بشدة مع مفهوم العولمة الثقافية بأبعادها الأيجابية.

طغى الموشح بجماله ونقلنا الى أجواء الأندلس وسحر أنغامه وكانت بالنسبة لي أغنية "علليني" ملكة هذا العمل وإن كنت لا أفهم سبب غناء إمرأة" للأنثى الحبيبة "في معظم الأغنيات، وإن أدهشتنا قوة الإيقاعات في الأغنيات التي تحتمل ذلك .

ولقد بدا لي أن موسيقى العمل استخدمت الآلات الموسيقية كافة وطغت الآلات الرقية الإيقاعية في الأغنيات التي تبث البهجة في خفوتها وصخبها وجنونها حتى تذكرنا بطفولة موسيقى مارسيل حين كان يستخدم كل ما حوله ليصدر الأصوات .
سامع العمل يشعر، في أغنية منه، أن رامي خليفة هو الذي ألف هذه الموسيقى بجنون النوتات وتنقلها الصاخب،  فلا ضير إن تأثر الوالد بالولد ومن أولادنا نتعلم الحياة .
أحببت هذا العمل بمجمله وكان مصدر فرح لي.  حضور مارسيل طاغ في مجمل العمل ،وبدا لي أن عبير قالت لمارسيل أريد أن أغني لك "خذ صوتي الساحر وإفعل به ما تشاء " ، فحلق كثيرا وغط ثم طار وقال لها "غني قليلا يا عبير "فإن بعض الغناء كثير كثير أكثر من كل الغناء .
من ربح أكثر من هذا التعاون هو الجمهور الذواقة من المستمعين الحساسين .
شكرا لمن قدم لنا هذا المزيج الشاهق والخلطة السحرية والتناغم ما بين الصوت والشعر والموسيقى وكان مصدر عذوبة وسعادة لنا ورئة تتنفس موسيقى،  لمارسيل خليفة الأنسان والفنان المتواضع ولعبير نعمة كل التقدير والأحترام .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى