طوق نجاة ترامب وهدية اسرائيل في لبنان (عماد عكوش)

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
في عالم السياسة الدولية ، لا يمكن فصل مسار البنادق والخنادق عن مؤشرات الأسواق وأروقة البنوك المركزية. وما نشهده اليوم من ترتيبات إقليمية في الشرق الأوسط ، وتحديداً في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان والكيان الإسرائيلي ، ليس سوى انعكاس مباشر للورطة الاقتصادية والسياسية التي تواجهها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب . لفهم المشهد بدقة ، يجب علينا ربط الخيوط الممتدة من انخفاض المخزون النفطي الأمريكي، مروراً بشبح التضخم وأسعار الفائدة، وصولاً إلى طاولات التفاوض الإيرانية-الأمريكية.
تجد الإدارة الأمريكية نفسها محاصرة في زاوية حرجة ، فالاقتصاد الذي وعَد ترامب بإنعاشه يواجه مطبات هيكلية عنيفة يمكن تلخيصه بما يلي :
نزيف المخزون النفطي الاستراتيجي (SPR): تراجعت مستويات المخزون البترولي الاستراتيجي للولايات المتحدة بشكل حاد، حيث وصلت في أواخر مايو 2026 إلى نحو 357.1 مليون برميل، لتقترب من أدنى مستوياتها التاريخية منذ عام 1983. هذا الاستنزاف، الذي ترافق مع ارتفاع أسعار النفط بسبب التوترات في الشرق الأوسط، يترك واشنطن مجردة من أهم أسلحتها لضبط أسعار الطاقة المحلية.
عودة شبح التضخم: نتيجة لصدمات أسعار الطاقة، عاود التضخم في الولايات المتحدة الارتفاع ليسجل 3.8% في أبريل 2026، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف 2023. قطاع الطاقة وحده شهد قفزة تضخمية قاربت الـ 17.9%.
معضلة الفيدرالي ومخاوف “فقاعة الذكاء الاصطناعي”: هذا التمرد في أرقام التضخم دفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تجميد خطط خفض الفائدة (المستقرة حالياً في نطاق 3.50% – 3.75%)، بل وتعالت الدعوات مجدداً لرفع معدلات الفوائد لكبح جماح الأسعار. يتزامن ذلك مع حالة من القلق المتزايد في أوساط المستثمرين من احتمالية انفجار “فقاعة الذكاء الاصطناعي” التي قادت انتعاش الأسواق مؤخراً، مما قد ينذر بركود اقتصادي أو تراجع حاد في أسواق الأسهم إذا ترافقت مع تكاليف اقتراض مرتفعة.
أمام هذه المؤشرات القاتمة وتأثيرها المباشر على الناخب الأمريكي خاصة أسعار الوقود وتكلفة المعيشة ، بدأ الكونغرس بممارسة ضغوط غير مسبوقة على الإدارة الأمريكية لإنهاء حالة الحرب في الشرق الأوسط. الهدف واضح وهو تبريد الساحات لتهدئة أسواق النفط العالمية ، وتسهيل مهمة إعادة بناء المخزون الاستراتيجي الأمريكي دون تكلفة باهظة ، وتخفيف الضغط التضخمي.
لترجمة رغبة واشنطن بوقف إطلاق النار إلى واقع ، واجه المفاوض الأمريكي عقبتين متناقضتين :
1. استحالة تطويع الكيان الإسرائيلي حيث أثبتت التجربة عدم إمكانية الإدارة الأمريكية في الضغط على الحكومة الإسرائيلية للقبول بوقف إطلاق نار “نهائي وفعلي” وشامل دون ثمن . فالقيادة الإسرائيلية ، لدوافع داخلية وأمنية ، ترفض إعطاء ضمانات بوقف نهائي للعمليات وتتمسك بهامش المناورة العسكرية.
2. الاستفراد بالوفد اللبناني : في المقابل ، وبسبب الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي الذي يعانيه لبنان ، وبسبب وجود جماعات وأحزاب هي بالاساس تعادي المقاومة ولها مصلحة في انهائها لا بل اقول اكثر محاولة تحجيم بيئتها وفرض تهجيرها لو استطاعت ، كان من السهل جداً على الوسيط الأمريكي ممارسة بعض الضغط على الوفد اللبناني لانتزاع تنازلات، والقبول بصيغ تسوية أو وقف إطلاق نار اسمي لمصلحة الكيان لتقديمه على طاولة المفاوضات مع ايران وهو لا يرقى لضمانات نهائية صارمة على الجانب الإسرائيلي.
هنا تبرز السياسة الأمريكية المتوحشة في أبهى صورها فبإنجاز اتفاق لوقف إطلاق النار الشكلي في لبنان عبر الضغط على الطرف الأضعف ، تكون واشنطن قد حققت هدفاً استراتيجياً غاية في الأهمية وهي إخراج الساحة اللبنانية كـ “ورقة تفاوضية” من المحادثات الإيرانية – الأمريكية.
عندما يتم فصل مسار جبهة لبنان عن الطاولة الإقليمية الكبرى ، تصبح المفاوضات مع طهران أقل تعقيداً وأكثر سلاسة. فلم يعد وقف النار في لبنان ثمناً يجب أن تدفعه واشنطن لطهران أو تنتزعه منها ، بل أصبح أمراً واقعاً . هذا التسهيل يمنح الإدارة الأمريكية مساحة أكبر للتركيز مع الإيرانيين على الملفات الجوهرية منها النووي، أمن الملاحة في مضيق هرمز، أمن الطاقة ، وهي الملفات التي يحتاجها ترامب بشدة لخفض أسعار النفط ، إنقاذ الفيدرالي من فخ الفائدة ، وتجنب انهيار اقتصادي يعصف بولايته.
في الخلاصة ما نراه من ترتيبات في الجنوب اللبناني ليس حدثاً معزولاً ، بل هو “حجر دومينو” ضُرب بقوة من واشنطن لإنقاذ الداخل الأمريكي . لقد حوّلت الإدارة الأمريكية عجزها عن ضبط إسرائيل ، وسهولة ضغطها على لبنان ، إلى آلية استراتيجية لتفريغ الطاولة الإيرانية-الأمريكية من بعض الأثقال ، أملاً في الوصول إلى صفقة إقليمية أوسع تُنقذ الاقتصاد الأمريكي من فخ التضخم وتُعيد تعبئة براميله الفارغة.
بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
في عالم السياسة الدولية ، لا يمكن فصل مسار البنادق والخنادق عن مؤشرات الأسواق وأروقة البنوك المركزية. وما نشهده اليوم من ترتيبات إقليمية في الشرق الأوسط ، وتحديداً في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان والكيان الإسرائيلي ، ليس سوى انعكاس مباشر للورطة الاقتصادية والسياسية التي تواجهها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب . لفهم المشهد بدقة ، يجب علينا ربط الخيوط الممتدة من انخفاض المخزون النفطي الأمريكي، مروراً بشبح التضخم وأسعار الفائدة، وصولاً إلى طاولات التفاوض الإيرانية-الأمريكية.
تجد الإدارة الأمريكية نفسها محاصرة في زاوية حرجة ، فالاقتصاد الذي وعَد ترامب بإنعاشه يواجه مطبات هيكلية عنيفة يمكن تلخيصه بما يلي :
نزيف المخزون النفطي الاستراتيجي (SPR): تراجعت مستويات المخزون البترولي الاستراتيجي للولايات المتحدة بشكل حاد، حيث وصلت في أواخر مايو 2026 إلى نحو 357.1 مليون برميل، لتقترب من أدنى مستوياتها التاريخية منذ عام 1983. هذا الاستنزاف، الذي ترافق مع ارتفاع أسعار النفط بسبب التوترات في الشرق الأوسط، يترك واشنطن مجردة من أهم أسلحتها لضبط أسعار الطاقة المحلية.
عودة شبح التضخم: نتيجة لصدمات أسعار الطاقة، عاود التضخم في الولايات المتحدة الارتفاع ليسجل 3.8% في أبريل 2026، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف 2023. قطاع الطاقة وحده شهد قفزة تضخمية قاربت الـ 17.9%.
معضلة الفيدرالي ومخاوف “فقاعة الذكاء الاصطناعي”: هذا التمرد في أرقام التضخم دفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تجميد خطط خفض الفائدة (المستقرة حالياً في نطاق 3.50% – 3.75%)، بل وتعالت الدعوات مجدداً لرفع معدلات الفوائد لكبح جماح الأسعار. يتزامن ذلك مع حالة من القلق المتزايد في أوساط المستثمرين من احتمالية انفجار “فقاعة الذكاء الاصطناعي” التي قادت انتعاش الأسواق مؤخراً، مما قد ينذر بركود اقتصادي أو تراجع حاد في أسواق الأسهم إذا ترافقت مع تكاليف اقتراض مرتفعة.
أمام هذه المؤشرات القاتمة وتأثيرها المباشر على الناخب الأمريكي خاصة أسعار الوقود وتكلفة المعيشة ، بدأ الكونغرس بممارسة ضغوط غير مسبوقة على الإدارة الأمريكية لإنهاء حالة الحرب في الشرق الأوسط. الهدف واضح وهو تبريد الساحات لتهدئة أسواق النفط العالمية ، وتسهيل مهمة إعادة بناء المخزون الاستراتيجي الأمريكي دون تكلفة باهظة ، وتخفيف الضغط التضخمي.
لترجمة رغبة واشنطن بوقف إطلاق النار إلى واقع ، واجه المفاوض الأمريكي عقبتين متناقضتين :
1. استحالة تطويع الكيان الإسرائيلي حيث أثبتت التجربة عدم إمكانية الإدارة الأمريكية في الضغط على الحكومة الإسرائيلية للقبول بوقف إطلاق نار “نهائي وفعلي” وشامل دون ثمن . فالقيادة الإسرائيلية ، لدوافع داخلية وأمنية ، ترفض إعطاء ضمانات بوقف نهائي للعمليات وتتمسك بهامش المناورة العسكرية.
2. الاستفراد بالوفد اللبناني : في المقابل ، وبسبب الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي الذي يعانيه لبنان ، وبسبب وجود جماعات وأحزاب هي بالاساس تعادي المقاومة ولها مصلحة في انهائها لا بل اقول اكثر محاولة تحجيم بيئتها وفرض تهجيرها لو استطاعت ، كان من السهل جداً على الوسيط الأمريكي ممارسة بعض الضغط على الوفد اللبناني لانتزاع تنازلات، والقبول بصيغ تسوية أو وقف إطلاق نار اسمي لمصلحة الكيان لتقديمه على طاولة المفاوضات مع ايران وهو لا يرقى لضمانات نهائية صارمة على الجانب الإسرائيلي.
هنا تبرز السياسة الأمريكية المتوحشة في أبهى صورها فبإنجاز اتفاق لوقف إطلاق النار الشكلي في لبنان عبر الضغط على الطرف الأضعف ، تكون واشنطن قد حققت هدفاً استراتيجياً غاية في الأهمية وهي إخراج الساحة اللبنانية كـ “ورقة تفاوضية” من المحادثات الإيرانية – الأمريكية.
عندما يتم فصل مسار جبهة لبنان عن الطاولة الإقليمية الكبرى ، تصبح المفاوضات مع طهران أقل تعقيداً وأكثر سلاسة. فلم يعد وقف النار في لبنان ثمناً يجب أن تدفعه واشنطن لطهران أو تنتزعه منها ، بل أصبح أمراً واقعاً . هذا التسهيل يمنح الإدارة الأمريكية مساحة أكبر للتركيز مع الإيرانيين على الملفات الجوهرية منها النووي، أمن الملاحة في مضيق هرمز، أمن الطاقة ، وهي الملفات التي يحتاجها ترامب بشدة لخفض أسعار النفط ، إنقاذ الفيدرالي من فخ الفائدة ، وتجنب انهيار اقتصادي يعصف بولايته.
في الخلاصة ما نراه من ترتيبات في الجنوب اللبناني ليس حدثاً معزولاً ، بل هو “حجر دومينو” ضُرب بقوة من واشنطن لإنقاذ الداخل الأمريكي . لقد حوّلت الإدارة الأمريكية عجزها عن ضبط إسرائيل ، وسهولة ضغطها على لبنان ، إلى آلية استراتيجية لتفريغ الطاولة الإيرانية-الأمريكية من بعض الأثقال ، أملاً في الوصول إلى صفقة إقليمية أوسع تُنقذ الاقتصاد الأمريكي من فخ التضخم وتُعيد تعبئة براميله الفارغة.



