فنون

شيء ما سيبقى ..

 

ذات يومٍ
كنتُ هنا
عبرتُ من هنا
لعبت كرة القدم هنا
تأبطت أحلام الشباب البسيطة هنا
وبعض كتبٍ مدرسية
المساحة تتسع لكثير أحيان
لكأنه مسمَّرٌ هو الزمان
لم يبلغ الحلمَ
أو مراتب النسيان
هنا شيئان لا يتغيران:
وجومي
وشمسٌ مدلاةٌ فوق المكان…
وجدي ووديع أمنياتي كانا أيضاً هنا
لكنهما كثيراً ما كانا تائهان
قلِقان
مبعثران
وخلف هضابٍ تحتل الأفقَ
يهيمان
ويضيعان
ما بين فروض المنزلِ
وقليلٍ من دروس الامتحان
ما بين توقٍ لفطيرةٍ من أمي
وحرقةٍ لوحدة التعب المرافق لأبي
وابتساماتٍ عذبةٍ من جميلاتٍ
كنَّ يملأن كل الأركان…

ذات يومٍ
كنت هنا
ألقي ريفيَّتي بعيداً
أشعار المتنبي
روايات جين اوستن السخيفةَ
معادلات الجبر الرتيبةِ
قواعد البصرياتِ
وغرابةً محيطةً لا أدري أكانت بي
أم بالعابرين مثلي هذا الزقاقَ
ومن شاركوني ركل الكرةِ
من الرفاقِ
أو نادر الخلان
كل الشوارع غدت خاليةً
إلا من ازدحام السيارات
وضوءٍ خافتٍ لبعض ذكريات؛
فذات يومٍ
كنت الإسكندر الذي
هشَّم أصنام القوم الغابرين
وردم البحر برفاتهم والفتات
أنا من أهدى أوروبا إلى زيوس
ومرغ أنف أجينور بالتراب
أنا من نفى أليسار القرطاجية
إلى بلاد الاغتراب
أنا لون الأرجوان
حجارة المعابدِ
وصخور الصوان
أنا البحر إذ يتراقصُ
على ضوع زهر الليمونِ
ذات نيسان
أنا جنوب الليطاني
وملتقى الآهات المنتشرةِ
على دروبٍ لا تؤدي
إلا لرحيلٍ وحبٍ
وخفق وجدان
أنا التضاريسُ الساحليةُ
وشموخ الهضاب المحيطةِ
وحنينٌ مقيمٌ لمواسم اللوزِ
وندىً يسكن الوديان
كل الكون هنا أنا
وأنا يافعٌ عذبٌ ليس كمثلي
في مدارات المجراتِ
ولا في سائر الأكوان
أنا المجالدُ الروماني
أنا القيصر البيزنطي
مذ ملكت تلك الضحكاتِ الرقيقةَ
ورمقتني من إحدى الحسانِ
تلك الظفائرُ
وتيك العينان
أنا الأسطورة ها هنا
أنا كل الكلِ
أنا المتيم الهائمُ
أنا الشباب في ذروتهِ
بل أنا تجلي الرجولةِ
وصورةٌ بهيةٌ
لمخلوقٍ اسمه إنسان…

اليوم بعد مضي السنينِ
أيتها الذكرى أرجوكِ
دعيني لأشجاني
لا تنكأي جرحاً أدماني
لا تعيدي رسم الآهة الوالهةِ
فقد مضى العمر ورماني
دعيني أعاني وأكابدُ
ما أعاني
لا شيء دهاكِ
بل دهاني
فالمكانُ ما زال هو المكان
التضاريسُ مقيمةٌ لم تتسنَّه
الطريق ما انفك ذات الطريقِ
لا شيءَ مثلي سوى الشوارع القريبةِ
وشاطئٍ كحالي بلا عنوان
أنا التائه عن البوصلةِ
أنا من مزق شراعه بيديه
لا الرياح العاتيةُ حطمتني
ولا زبد الشطآن
أنا من هشمت ذاتي بذاتي
أنا ألقيت من يدي الصولجان
أنا الهارب من جمالٍ احتواني
ومن أحال الورد القريب ظمآن
أنا من أدرك متأخراً
بهاء ما أحاطه في البستان
أنا من ساقه التيه والهذيان
أنا من أسلم نفسه للخزي والخذلان
ومن متأخراً أدرك
أن كل ما اعتراه لم يكن
سوى شتاتٍ
وهذيان
شيءٌ ما سيبقى
لربما خُطَّ بطريقةٍ ما
على هذه الجدران:
بأني قد قدِّر لي وجدٌ خفيٌّ ليعتريني
وقد كبلتني أصفادٌ سقتُني إليها
هناك قريباً على الهامشِ
في نواحٍ منسيةٍ
ومثلث أحزان…
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى