سياسةمحليات لبنانية

شرارة المواجهة على جسر الرينغ وخطورة الجمود


يبدو من العبث الخوض في تحميل مسؤولية ما جرى صباح اليوم على جسر الرينغ وتبيان الفعل وردة الفعل في كل ما جرى. لكن ما يدعو إلى الغضب والكثير من الإشمئزاز أن شرارة حرب خطيرة كادت أن تشعل حريقاً طائفياً مذهبياً لا يمكن التنبؤ بمداه في هذا البلد الذي سقطت فيه كل المحرمات وبات كل شيء مباحاً. ويبدو أن اللبنانيين لم يتعلموا من تجارب دول الجوار والحروب التي عاشوها والتي تشبه إلى حد كبير في ملامحها العامة والخاصة ما نعيشه. ولا بد من إبراز بعض الملاحظات لحقيقة ما وصلنا إليه بعد أربعين يوماً من الانتفاضة الشعبية:
أولاً: هشاشة الأوضاع التي نعيشها والتي تنذر بخطر كبير يهدد البلد في أمنه واقتصاده بل وكيانه، والساعات الأخيرة تؤكد ذلك.
ثانياً: إن الانتفاضات الشعبية في المناطق اللبنانية العديدة لا تمثّل مشروعاً واحداً ولا توجّهاً مُجْمَعاً عليه، بل إن هناك شارعاً آخر، بغض النظر عن العدد والحجم، لم ينزل إلى الساحات ولم يبدِ حقيقة المشروع الذي ينشده، ولكن من الواضح أنه لا يلتقي مع الشارع الأول في كل ما ينادي به، وهذا أمر يجب أن يُدرس بعناية كيلا يلتقي الشارعان (في الشارع) مرة أخرى ويحدث ما لا يحمد عقباه.
ثالثاً: لا شك أن اللبنانيين في غالبيتهم الساحقة يلتقون في الهم الاقتصادي والمالي والمعيشي والتضرر من السلطة التي أفقرت البلاد والعباد، لكن الشعارات التي وحّدت الجميع تحت ظلالها في الأيام الأولى قد تبدلت وباتت الهتافات والنداءات التي يطلقها بعض المتظاهرين، وليس الجميع، يبرز نقاط الخلاف المحدودة والضئيلة على حساب نقاط التوافق التي لا يحصرها عدد.
رابعاً: يجب الاعتراف بأن هناك موجهاً للحراكات الشعبية ويحرف أهدافها من قِبَل أحزاب داخلية نجزم بأنها تسير وفق أجندة خارجية. إن غالبية اللبنانيين، من المتواجدين في الساحات وغيرهم، يرفضون إقفال الطرقات وإذلال الناس، حيث إن هذا السبيل قد فشل في تحقيق أي هدف، ومع ذلك يبرز من خلف أجنحة الظلام فتية قلائل يعلنون فجأة عن إقفال الطرقات الحيوية لإثارة البلبلة وشحن النفوس، وما يصاحبه من سباب وشتائم لرموز لها تأييد شعبي واضح، وهو وإن كان لا يجد قبولاً عند أكثر المتظاهرين إلا أنه يثير مؤيدي تلك الرموز ويدفعهم للمواجهة المباشرة، بغض النظر كما قلنا، عن حجم الفعل أو رد الفعل.
خامساً: لا يمكن اعتبار الانتفاضة عملاً تآمرياً في توجّهه العام، لكن بقاء المطالب والتحركات والشعارات قضية ارتجالية يصرّح بها كل من فُتح له الهواء لهو أمر لا يمكن أن يستقيم. لقد وُزعت البارحة ورقة تعلن برنامجاً للحراك يدعو إلى قطع الطرقات وإقفال المؤسسات جميعها وإعلان العصيان المدني و… لكن بعد أن وقعت الواقعة على جسر الرينغ تبرأ الجميع منها، ما يدل على أن هناك فوضى في خطة عمل الانتفاضة تفتح الباب أمام المندسين، وبات من الضروري والواجب أن تُشكَّل لجنة من النخبة تمثل الناس ومطالبهم ويسمى أعضاؤها على الملأ لكي يتحملوا مسؤولياتهم عند أي خطأ قاتل، أو يُشكروا عند حكمة التصرف.
سادساً: حيث إن هنالك أكثر من شارع، وجب على المتظاهرين إطلاق الحوار مع الآخرين الذين يحملون الهموم والمعاناة ذاتها للوصول إلى خطة عملية موحّدة تمهّد لتحقيق ما يريده اللبنانيون في السياسة والاقتصاد والمال و… ولا شك أن تأخير تشكيل الحكومة وما سيأتي بعدها عائد إلى عدم اتفاق الجميع على تلك الخطة.   
لم يعد بالإمكان إضاعة الوقت، فالأزمة الاقتصادية تلقي بكل ثقلها على غالبية الشعب، وليس بمقدور أحد أن يصبر أكثر عندما يتعلق الأمر بلقمة العيش والدواء. فلتكن المطالب واقعية صريحة موحدة، لتكون الحلول بدورها واقعية، فالسلطة التي لا يريدها أحد لا يمكن إلغاؤها بعصا سحرية ولا بتظاهرة أو ثورة أو عصيان مدني، وذلك لخصوصية لبنان وشعبه وموقعه التي لا تشبه في ذلك أية خصوصية أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى