رأي

سفينة لبنان تتلاطمها الأمواج:القفز منها محفوف بالمخاطر..والتخلي عن قيادتها أهون الشرور

 

يمكن تلخيص المشهد اللبناني في هذه المرحلة كالتالي:
سفينة في عرض المحيط تتلاطمها الأمواج من كل صوب.لا يجرؤ أحد ولا يريد القفز منها ،لكن البعض يريد التخلي عن قيادتها حتى لا يتحمل مسؤولية الغرق ،لكن المتخلين عن القيادة لن ينجو أحد منهم من الغرق.
ينطبق هذا المشهد على معظم القوى السياسية والأحزاب ،باستثناء الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) الذي ما يزال (حتى الآن) متمسكا بالدفة سعيا منه لإنقاذ نفسه والسفينة من الغرق.
كانت القوات اللبنانية أول المتخلين عن القيادة عندما استقال وزراؤها من الحكومة،لحقها الرئيس سعد الحريري بالاستقالة وإقالة الحكومة بالكامل ،وبعده الحزب التقدمي واللقاء الديموقراطي وكتلة الرئيس نجيب ميقاتي وكتلة النائب فيصل كرامي وآخرون من الكتل والمستقلين ،وكان آخرهم أمس تكتل لبنان القوي والتيار الوطني الحر برئاسة الوزير جبران باسيل.
لكن ما طرحه الوزير باسيل أمس كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير في هذا المجال ،حيث حقق تهديداته بقلب الطاولة على رؤوس الجميع ،ورفع الأزمة الى مستوى القمة ،لعل في هذا الموقف ما يقرّب قاعدة "إشتدي أزمة تنفرجي" .
يطرح موقف باسيل الكثير من الأسئلة التي يفترض بالجميع الإجابة عليها ،والحلفاء قبل الخصوم ،بدءا بالثنائي الشيعي وحلفاء العهد ،مرورا بالخصوم الذين يدعمون مقولة التكنوقراط والاخصائيين،وانتهاء بالحراك الشعبي الذي يصر على رفض كل الصيغ التي تعود بممثلي الأحزاب والقوى السياسية الى الحكومة ،رئيسا ووزراء.وقد أحرج باسيل الحلفاء والخصوم على السواء:
أولا:يبدو حزب الله أكثر المحرجين إذ يفترض به أن يتخذ موقفا واضحا من المشاركة في حكومة يكون التيار الحر خارجها.وفي مجال المفاضلة قد يكون الحزب اكثر ميلا لعدم المشاركة على أن يخسر تفاهمه مع الرئيس العماد ميشال عون والتيار الوطني الحر.
ثانيا : سيكون الرئيس نبيه بري محشورا في اتخاذ موقف مغاير للحزب ،إلا اذا كان ثمة تفاهم على أن يتمثل الثنائي الشيعي بحركة أمل ،كضمانة للحزب ونهجه في الحكومة .
ثالثا:ما هو موقف حلفاء العهد الباقين من كتل ومستقلين ،كاللقاء التشاوري وكتلة فرنجية وكتلة كرامي ،وهل يخرجون عن إرادة حلفائهم الكبار؟
رابعا :إذا أصر حزبا القوات والكتائب على رفض حكومة تكنو- سياسية برئاسة الحريري ومقاطعة الاستشارات ،فضلا عن التيار الحر،فإن ثمة مشكلة ميثاقية أمام حكومة تعارضها الأحزاب المسيحية الثلاثة.
خامسا: ماذا لو كلف الحريري وبقي الحراك الشعبي على موقفه في الشارع ،حيث ينتظر أن تتضامن معه من تحت الطاولة شرائح كثيرة من الأحزاب المعارضة؟
في ظل هذه الخارطة هل تمر الاستشارات الملزمة يوم الاثنين المقبل ،أم يصار الى تأجيلها مرة أخرى؟
أوساط قصر بعبدا تؤكد أن الرئيس ميشال عون لن يعمد الى التأجيل مهما كانت الظروف .وهذا يعني أنه سيتم تكليف الرئيس سعد الحريري بلا غالبية،وستكون مدة التأليف مفتوحة ،لأن أي تشكيلة سيقدمها الرئيس المكلف سوف تكون محكومة بقرارين :الأول موافقة رئيس الجمهورية عليها بموجب صلاحياته الدستورية ،وثانيا ثقة المجلس النيابي.
أمام كل ما تقدم تبدو كل الخيارات المطروحة معقدة وأحلاها مر.لكن أهون هذه الخيارات هو إعطاء سعد الحريري فرصة تشكيل حكومة بشروطه ،طالما هو محكوم بحاجزين في حال الخروج عن الخطوط الحمر:حاجز الرئاسة الأولى التي منحها الدستور صلاحية رد القرارات والمراسيم ،وحاجز مجلس النواب الذي يمكنه تعطيل مشاريع القوانين المرسلة من الحكومة والتي تتجاوز الخطوط الحمر.
في الخلاصة لا أحد يمكنه الجزم في هذه اللحظة بما يمكن أن ترسو عليه سفينة البلاد ،لكن ثمة مؤشران يمكن أن تتبلور الأمور من خلالهما :موقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله هذا المساء ،واتصالات الموفد الأميركي ديفيد هيل الذي يصل الى لبنان الأسبوع المقبل .فمفتاح الحلول يبدو في حقيبة الرجلين ،وإن كان الموقف الأميركي هو الأكثر تعقيدا للأزمة اللبنانية.وللحديث صلة. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى