العالم العربيرأيسياسة

ذكريات من زمن الوحدة:حتى أنت يا بروتوس ! (محمد رقية)

د. محمد رقية*- خاص الحوار نيز

عندما كنت في الإتحاد السوفياتي أحضّر الدكتوراه في سبعينات القرن الماضي في المعهد العالي للأبحاث الجيولوجية في موسكو ،بعد التخرج بتفوق من قسم الجيولوجيا بجامعة دمشق عام 1973 ، وايفادي الى هناك للحصول على شهادة الدكتوراه ، كان لزاماً علي أن أجتار مرحلة الماجستير في الهندسة الجيولوجية قبل الدخول في الدكتوراه .

 ومن أجل اطروحة الماجستير والمناقشة حول موضوعها رأت  ادارة المعهد أن أقوم بدراسة عن البنية الجيولوجية والتركيب المنرالوجي والخصائص الجيوكيميائية ومنشأ بعض مواقع خامات الحديد في مكامن ساكالوف – سارباي بمقاطعة كوستناي في شمالي كازاخستان .

 لذلك أرسلني المعهد بمهمة لمدة شهرين  الى هذه المكامن لإجراء الدراسات الحقلية وأخذ العينات اللازمة لدراستها  مخبرياً بعد عودتي وإنجاز الإطروحة .

عند وصولي الى موقع العمل تم استقبالي استقبالاً حاراً كوني أول أجنبي يأتي إليهم لهكذا غاية .ومن بين المستقبلين الذي خضنا معه لاحقا   نقاشات عديدة ً، كان مدير الكوادر البشرية في المؤسسة التي تقوم باستثمار المناجم ومسؤول في ادارة المدينة التي تم بناؤها بعد البدء باستغلال المناجم، وهو يهودي وعضو في الحزب الشيوعي السوفياتي .

هذه المنطقة غنية جدا  بخامات الحديد  ،وفي ذلك الوقت كان يستثمر الحديد من منجمين كبيرين بالطرق المفتوحة ،هما منجم ساكالوف ومنجم سرباي ويعمل بهما آلاف العمال والعاملات والمهندسين من كل الإختصاصات ، وبنيت مدينة كاملة بالقرب من المناجم لهؤلاء العمال ولعمال الخدمات الأخرى في المنطقة .

كنا نلتقي معظم الأيام مساءً على العشاء في المطعم المخصص لذلك مع عدد من المهندسين والباحثين والدكاترة الآخرين  ، وكنا نتناقش في معظم القضايا السياسية والإجتماعية والاقتصادية  والبيئية وقضايا العمل والعلم  والأحزاب الشيوعية ووضع بلداننا العربية وغيرها.

في إحدى الأمسيات كان النقاش عن وحدة البلدان العربية ، حيث استعرضنا وحدة عام ١٩٥٨ بين سوريا ومصر وأسباب الإنفصال ووضع اتحاد الجمهوريات العربية بعد مشاكل السادات في حرب تشرين وعدم تنفيذه الخطة الموضوعة مع القيادة السورية في هذه الحرب ،  وذهابه منفرداً للإتفاق مع الصهاينة متحدياً كل مشاعر العرب تجاه هذا الكيان الغاصب.

وضمن الحديث قال صديقنا : إن الغرب وأمريكا لن يسمحوا لكم بقيام أي وحدة بين قطرين ،ولن تتحقق الوحدة بين بلدانكم. وقال “حتى نحن لانؤيد هكذا وحدة ولكن لانتدخل بذلك” .  فقلت  له هل هذا قرار حزبكم ؟ قال لا ليس قرارا” حزبيا”.. ولكن هو المزاج العام .

فقلت له يعني أنكم لن تدعموننا في ذلك .!!!

قال: أيعقل أن ندعم ونؤيد نشوء دولة أقوى منا ، وأضاف :إن تحققت الوحدة بينكم فستكونون أقوى دولة في العالم .

فلديكم:

١- الموقع الإستراتيجي المميز ، الذي يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب ، الذي لايتوفر لدى أي بلد  في العالم  ،وتربطون محيطين وعدة بحار ومضائق وخلجان وقناة يحتاجها كل العالم (ويقصد قناة السويس)

٢- ولديكم أكبر وأهم ثروات باطنية في العالم وخاصة النفط والغاز واليورانيوم ومختلف أنواع المعادن بما فيها الذهب.

٣- ولديكم  ثروات طبيعية عديدة زراعية وحيوانية كبيرة. (قاطعته قائلاً إن السودان لوحده يشكل سلة الوطن العربي )

٤- ولديكم تاريخ وحضارة غارقة في القدم  (قاطعته قائلاً

إن دمشق أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ).

٥- و لديكم عدد سكان كبير يمكن أن يظهر بينهم الكثير من العلماء في مختلف المجالات .

وتابع: لذلك زرع الغرب اسرائيل بينكم لمنع وحدتكم ومنع تقدمكم وتطوركم.

قلت :له كلامك صحيح ،ولكن سنظل نناضل لإزالة هذا الكيان الغاصب وتحقيق أهدافنا الوحدوية والتنموية، سواء كنتم معنا أم ضدنا.

ولكن بعد مرور  45 عاماً على هذا الحديث ومرور أكثر من عشرة أعوام على “الربيع العبري”،نلاحظ دقة ماذكره هذا الشخص.  فعندما حاول القائد الخالد حافظ الأسد اقامة الوحدة مع العراق عام 1979 بوجود أحمد حسن البكر بعد خروج مصر السادات من المواجهة مع العدو الصهيوني  باتفاقية كامب ديفد ، وبعد أن تم قطع شوط كبير في انجاز هذه الوحدة  ، انقلب صدام حسين على هذه الوحدة وأعدم القادة العراقيين المؤمنين بها بسرعة البرق وتجاوز عددهم 54 قياديا ، بالإضافة الى مئات آخرين من مختلف الرتب والمستويات ، وأجهض الوحدة مع سورية  وبدأ حربه مع ايران الثورة  ، التي استمرت ثماني سنوات بدفع وتأييد أمريكي –  غربي وخليجي  وقتل فيها الملايين من الجانبين ..وهنا تذكرت كلامه  جيدا .

نلاحظ بعد هذه السنوات العديدة أن بعض العرب يتشبث بما خصه به سايكس -بيكو  أكثر من سايكس  وبيكو ذاتهما ،وهؤلاء من جوقة بلدي أولا .

 والبعض الآخر الذي وضع بوصلته فلسطين ويوازن كل الصراعات بناء على درجة القرب أو البعد عن هذه البوصلة ،يقاوم الهجوم العالمي عليه للحفاظ على سيادته ووحدته الوطنية ،كسورية الصامدة وعراق الحشد الشعبي واليمن المقاوم  والجزائر العصية عليهم  والمقاومة اللبنانية والفلسطينية وأشراف الأمة في كل الدول العربية .

ولكن لن نيأس مهما حصل ومهما طال الزمن، والمهم ألا نستسلم وأن تبقى إرادتنا قوية لتحقيق أهدافنا .فالصراع بالنهاية صراع إرادات ،والإرادة الأقوى هي المنتصرة ،وارادتنا هي الأقوى وسنزيل هذا الكيان الغاصب مهما طغى وتجبر وحاصر وقتل وهجّر .

  وسنحقق أهدافنا الوحدوية التي تؤمن بها شعوبنا العربية  لنكون سادة العالم مرة أخرى .

 *باحث أكاديمي وكاتب سياسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى