دولياتسياسة

حكاية ألمانيا مع الكيان الصهيوني ..والانتقام من حزب الله!

 

محمد صادق الحسيني
بنظرة موضوعية في تقييم قرارٍ الحكومه الاتحادية الالمانيه ، الذي اتخذته يوم ٢٩/٤/٢٠٢٠ ، بإعلان حزب الله منظمة ارهابيه وحظر نشاطاته على أراضيها ، نستطيع التأكيد على مجموعة من القضايا ، المتعلقه بخلفية هذا القرار التاريخيه ، والإضاءة على دور بعض الانظمة  العربيه  في تسهيل اتخاذه .

واهم هذه القضايا الآتي :

أولاً : ان المانيا الاتحاديه دولة محتلة  من قبل الولايات المتحده وبريطانيا وفرنسا ، منذ نهاية الحرب العالميه الثانيه ، وما زالت محتلة عسكرياً ، على الرغم من إقامة نظام حكم " ديموقراطي " وحكومة المانيه ودمجها في منظمة حلف شمال الاطلسي ، لتغطية وشرعنة احتلالها .
ثانياً : ان هذا القرار ليس الا تعبيراً عن سياسة التبعيه الكاملة ، لكل من حَكَمَ المانيا الاتحاديه بعد الحرب العالميه الثانيه ، للولايات المتحده والدوائر الصهيونيه العالميه ، خاصة وان الحزب الحاكم حالياً ، الحزب الديموقراطي المسيحي ، بزعامة المستشاره أنغيلا ميركل ، هو نفس الحزب الذي كان يقود البلاد سنة ١٩٥٢ ، وكان يتزعمه كونراد أديناور آنذاك ، والذي وقع اتفاقية التعويضات مع اسرائيل ومجلس المطالَب اليهوديه Jewish Claims Councle ( وهو منظمه صهيونيه عالميه تدعي تمثيل اليهود " ضحايا النازيه " ، بتاريخ ١٠/٩/١٩٥٢ في لوكسمبورغ .
تلك الاتفاقيه التي اطلق عليها اسم " اتفاقية لوكسمبورغ بين المانيا الاتحاديه واسرائيل "، والتي التزمت المانيا  بموجبها بدفع تعويضات للكيان الصهيوني بقيمة ثلاثة مليارات ونصف المليار مارك ألماني . ثم شكلت هذه الاتفاقيه قاعدة ثابتة ، لابتزازحكومات تل ابيب لحكومة المانيا الاتحاديه ، التي واصلت تلبية الطلبات الماليه الاسرائيليه ، بحيث وصل مجموع ما دفعته المانيا للكيان الغاصب سنة ٢٠٠٧ مبلغ خمسة وعشرين مليار يورو . ثم ارتفع المبلغ سنة ٢٠١٨ الى اربعة وسبعين مليار يورو .
ثالثاً : وهنا تجب الاشارة الى ان أولى المليارات الالمانيه التي دفعت للكيان الصهيوني قد استخدمت في هدفين :
الاول : هو تمويل شراء مفاعل ديمونا النووي من فرنسا وتدريب الكوادر الاسرائيليه في المجال النووي . اي ان المانيا الاتحاديه هي من مكَّنَ "اسرائيل "من امتلاك قدرات نوويه وهي نفسها التي تتهم ايران زوراً وبهتاناً بمحاولات امتلاك اسلحه نوويه .
الثاني : تمويل صفقات سلاح وتجهيزات عسكريه المانيه وبريطانيه وفرنسية ، لصالح الجيش الاسرائيلي ، وذلك لتحديث تسليح هذا الجيش ، حيث اشترت "اسرائيل "العديد من الدبابات البريطانيه الحديثة ( آنذاك ) من طراز سينتوريون Centuriun وبدأت بعقد صفقات للتزود بطائرات ميستير Mystere وسوبرميستير الفرنسيه المقاتله النفاثة ( شركة داسو الفرنسيه ) ، هذا الى جانب قيام حكومة المانيا الاتحاديه ، بتحديث أسطول آليات النقل العسكريه الاسرائيليه كاملاً ، فور توقيع الاتفاقيه المشار اليها اعلاه ، الامر الذي لا يمكن اعتباره الا مشاركة ألمانية مباشره ، عبر تمويل صفقات السلاح ، في العدوان الثلاثي على مصر سنة ١٩٥٦ ،وكذلك في العدوان الاسرائيلي على الدول العربيه سنة ١٩٦٧ .
ذلك العدوان الذي نفذته عصابات تل ابيب انطلاقاً من قاعدة الحرب الخاطفه ، الهتلريه الالمانيه ، معتمدة على سلاح جوٍ فعالٍ امتلك احدث المقاتلات الفرنسيه وسلاح مدرعات حديث وفعال شكلت الدبابات البريطانيه الحديثه ( آنذاك ) عموده الفقري . وكلها اسلحة ممولة من حكومة المانيا الاتحاديه .
رابعاً : كما يجب على المرء ، عند تقييم القرار الألماني باعتبار حزب الله منظمة ارهابيه ، الا ينسى ان حكومة المانيا الاتحاديه (الديموقراطيه المسيحيه كما هي الحكومه الحاليّه ) ، برئاسة المستشار لودفيغ إيرهارد ( Ludwig Erhard ) ، هي التي اعترفت بإسرائيل واقامت معها علاقات ديبلوماسيه كامله بتاريخ ١٢/٥/١٩٦٥ ، على الرغم من معارضة وزارة الخارجيه الالمانيه لذلك القرار في حينه . وهو ما شجع حكومة الاحتلال آنذاك ، وبعد ان كانت قد استكملت تجهيز جيش الاحتلال الاسرائيلي باحدث الاسلحه الغربيه الممولة من حكومة المانيا الاتحاديه ، انه ما شجعها على تنفيذ عدوانها الواسع على الدول العربيه واحتلال بقية فلسطين وأراض من مصر وسورية .
وهذا يعني ان حكومة المانيا الاتحاديه ، بقرارها المشؤوم الذي اتخذ قبل ايام ، انما نفذت قراراً أمريكياً صهيونياً بمعاقبة حزب الله ، على قتاله قوات الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان حتى الهزيمة النهائيه وانسحابه غير المشروط من الاراضي اللبنانيه سنة ٢٠٠٠ ،وهزيمة جيش الاحتلال نفسه للمرة الثانيه عندما اعتدى على لبنان في تموز ٢٠٠٦ ، وكذلك معاقبة الحزب على المشاركة الفعاله في قتال داعش وهزيمته في سورية والعراق ولبنان بشكل خاص . اي ان حكومة المستشاره ميركل هي شريكة ، من الدرجة الاولى ، للولايات المتحده بالمناورة بالارهابيين واستغلال وجودهم ونشاطهم المدعوم غربياً لتحقيق اهدافٍ سياسيه كان للحزب دور مركزي في منع تحقيقها (الاهداف السياسيه الغربيه ) .
خامساً : وبما ان الشئ بالشئ يذكر ، فلا بد من الربط ، بشكل موضوعي ، بين هذه الخطوه الالمانيه المدانه بشده وبين العديد من الخطوات والسياسات العربيه الخليجيه على وجه الخصوص ،والتي شجعت حكومة المانيا المحتله على اتخاذ مثل هكذا قرار بدل ان تتصدى لسياسات شيطنة كل من يعمل على مقاومة مشاريع الاحتلال والهيمنة على العالم العربي ومقدراته . كما لا بد من التذكير بالدور  التخريبي لهذه الانظمة الخليجية  ، منذ ان تم توكيلها الحكم في الجزيرة العربيه ، و هو الدور الذي يتواصل  اليوم في العمل على تغيير العقيده الوطنيه العربيه ، ليس فقط في دول الجزيره العربيه وانما في كل الدول العربيه ، عبر أعلامها المتصهين والمسموم ، سواء المرئي والمقروء او ذلك الافتراضي .
هذا التخريب ، الذي تمارسه دول البترودولار في الجزيره العربيه ، والذي يعمل دون توقف وبإمكانات مالية هائله ، والهادف الى اختراع عدو وهمي للامة العربيه ، اسمه ايران ، انما هو نفسه من يتحمل نفس حجم المسؤولية الالمانيه في اتخاذ هذا القرار ، خاصة وان حزب الله يقاتل الارهاب ولا يموله ويقدم له كل انواع الدعم ، كما تفعل الحكومه الالمانيه وحكومات ممالك النفط العربيه ، وهو ما يعني ان الحكومة الالمانيه ومعها الولايات المتحده الاميركيه و"اسرائيل "وممالك النفط العربيه تعمل على تحقيق نفس الهدف ، المتمثل في تدمير الدولة الوطنية العربيه وتعزيز دور دويلة الاحتلال الاسرائيلي ، من خلال محاربة كل من يدعم القضيه الفلسطينيه كحزب الله اللبناني والجمهوريه الاسلاميه الايرانيه .
سادساً : ولعل من المفيد ايضاً تذكير المستشاره الالمانيه وحكومتها ان هذه السياسات ، المتبعة من قبلهما ، والتي هي انعكاس للتبعية العبودية للولايات المتحده الاميركيه والدوائر الصهيونيه العالميه لا يمكن ان تؤدي الا الى خلق المزيد من التطرف ، في المجتمع الألماني ، كما هو حاصل حالياً ، حيث يسيطر الحزب اليميني المتطرف ( عملياً نازيون جدد رغم انخراطه في العمليه الانتخابيه في المانيا ) ، والمسمى " المبادره من أجل المانيا ( Alternative für Deutschland ( AfD" حيث يسيطر هذا الحزب على ٨٩ مقعداً من اصل ٦٢٠ مقعداً في البرلمان الحالي .
كما لا بد من تذكير المستشاره ميركل بان عليها وحكومتها منع شبكات الاٍرهاب النازي الجديد ، وحظر نشاطها في المانيا ، كالشبكه  التي تسمى شبكة ميلبيتس Milbitz ، وهي شبكة نازيين جدد تملك معسكرات للتدريب على الاسلحه ، في منطقة رودولشتات Saalfeld – Rudolstadt ، وسط المانيا ، والتي نفذت العديد من الاعتداءات المسلحة على أماكن اقامة المهاجرين وطالبي اللجوء السياسي .وهي شبكات لا تتعرض حتى لاي مضايقات ، من قبل حكومة ميركل ، حتى يومنا هذا .
ولعل الفضيحة الكبرى ، التي تفجرت في المانيا ، على اثر انكشاف قيام قائد جهاز المخابرات الداخليه الألماني ( Bundesamts für Verfassungsschutz ) ، هانس غِيورغ ماسين Hans- George Maaßen ، بعقد اجتماعات تنسيقية مع الناطقه باسم الحزب اليميني الألماني المتطرف ، / مبادره من اجل المانيا/ ، واسمها فراوكي بيتري Frauke Petry ، واستقالته من وظيفته اثر ذلك .
اذن انها الحكومات الرجعية  ، التي تؤمن الغطاء للعناصر المتطرفه والإرهابين ورؤساء تلك الحكومات ، كالمستشارة ميركل ، هي الجهه المسؤوله عن انتشار الارهاب في بلادها وبقية انحاء العالم، وليس حزب الله  الذي يحارب داعش والنصرة في كل انحاء منطقة غرب آسيا ، ولا الجمهوريه الاسلاميه الايرانيه التي تقوم بالدور نفسه وتتعرض للتشويه والتهديد والحصار والعقوبات والاغتيالات ، والتي كان آخرها اغتيال الجنرال قاسم سليماني ، الذي قاد جبهة حلف المقاومه في حربها ضد الارهاب في العالم العربي .
سابعاً : وعليه، فان على المستشارة الالمانيه ، وغيرها من الروساء ورؤساء الحكومات الاوروبيين ، الإقلاع عن ممارسة نفس السياسات الخاطئة ، التابعة لواشنطن ودوائر الصهيونيه العالميه فيها ، والتي اثبتت عجزها ، او امتناعها ، حتى عن تقديم اي دعم طبي او صحي للدول الاوروبيه في مواجهة وباء كورونا ، الامر الذي يحتم على المانيا ، وهي الاقتصاد الرائد في أوروبا ، ان تعود الى سياسة " ريال بوليتيك " { Realpolitik } التي أرسى قواعدها المستشار الألماني السابق ، الاشتراكي الديموقراطي ڤيللي براندت ، كسياسة عمل الممكن ( في التعامل مع الخصم / آنذاك الاتحاد السوفييتي والمانيا الديموقراطيه ) ، ولا بأس بتذكيرها بمرتكزات سياسة أوتو فون بيسمارك ، Otto von Bismarck ، مؤسس المانيا الموحده في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر ، وما اقامه من تحالفات لم تكن تخطر على بال .
ثامناً : وفي الختام  نطرح على المستشارة ميركيل سؤال : ماذا ستتوقع عندما ستاتي لحظة التصويت على عروض شركة سيمينس الالمانيه في البرلمان اللبناني ؟ هل بامكانك تجنب فيتو نواب حزب الله وحلفائه الذين يشكلون الاكثرية البرلمانية الحاكمة  ؟ وماذا سيكون موقف شركة سيمنس اذا ما ربحت مشروع الكهرباء في لبنان ، هل ستمنعها حكومة المستشاره ميركل من تنفيذ اقامة شبكات الكهرباء في المناطق التي تسمى بالمناطق الشيعيه في لبنان لانها البيئة الحاضنة للحزب والمقاومة مثلا ؟
هل اتهام اكثر من ثلث الشعب اللبناني بالإرهاب هو سياسة واقعية تخدم المستقبل والعلاقات الدوليه المبنيه على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركه !؟ ام ان لذلك مسارا آخر تعرفه المستشاره ميركيل ولا تستطيع سلوكه بسبب الضغوط الامريكيه الصهيونيه .!؟
ان السياسة البناءه والديناميكية تتطلب من السيده ميركيل ان ترسل قائد جهاز مخابراتها الخارجية الى لبنان فوراً ليتفاهم مع قيادة حزب الله ويحاول إصلاح ما افسده وزير الداخليه الألماني ، الذي اتخذ القرار المتعلق بحزب الله ، لعله يجد مخرجاً من أزمة لا تفيد المانيا قطعاً ، ولن تؤثر في مسيرة حزب الله واستراتيجيته ، التي دأبت على  قطع دابر الارهاب ، وتأمين السلام والاستقرار في "الشرق الاوسط " والذي بدونه لن يكون هناك اي تطور إيجابي وستبقى المنطقة فريسة للكثير من التصعيد والتوتر ات الاقتصادية والسياسية والأمنية ،وربما العسكريه التي ستفضي ليس في وقت بعيد الى زوال الكيان الصهيوني  الذي يحظى بدعم المانيا الاتحاديه وسيد البيت الابيض واذنابه في الجزيرة العربية .

والحذر  كل الحذر من ابتلاع الطعم الامريكي يا ميركل ..!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى