العالم العربيسياسة

جولة أفق مع الحزب الشيوعي السوداني من تطورات السودان

شهد العالم العربي في السنوات العشر الأخيرة ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي، حيث اجتاحت الثورات والانتفاضات الشعبية معظم عواصمه الممتدة من الجزائر مرورًا بمصر وتونس وليبيا وصولاً الى العراق وسورية والبحرين ولبنان الخ. سقطت بعض الأنظمة بطرق دموية وتغيرت أخرى بطرق ديمقراطية، وفيما لا زالت تشهد دول حروبًا يسعرّها التدخل الأميركي والغربي بشكل خاص، فإن دولاً أخرى لم تصل الى خواتيم نهائية وبقيت تتجاذبها عوامل خارجية وداخلية سياسية متناقضة.
لقد وجد الشيوعيون العرب أنفسهم في خضم هذه الثورات، وهم لا يستطيعون إلا ان يكونوا فيها، فمن جهة يترجمون شعاراتهم التي يرفعونها لتغيير الانظمة المستبدة، ومن جهة يصوبون بوصلة الانتفاضات نحو أهدافها الحقيقية ويمنعون حرفها الى مقاصد أخرى تخدم المستعمر الساعي دائمًا وأبدًا الى وضع يده على مقدرات الشعوب العربية. ويعتبر الحزب الشيوعي السوداني أنه أحد أعرق الاحزاب الشيوعية العربية، وكان له دور مؤثر في انتفاضة الشعب السوداني وشارك بفعالية في حراك الجماهير، وهو يسجل اليوم، مع قوى تقدمية حية، موقفًا رافضًا بقوة للتوجه نحو تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وداعيًا الى تأجيل اتخاذ القرارات المصيرية بانتظار اجراء انتخابات وطنية نزيهة، أو اجراء استفتاء شعبي على أي قرار استراتيجي يمس القضة الفلسطينية بشكل خاص. وللوقوف على حقيقة موقف الحزب أجرت الحوار نيوز جولة افق مع عضو المكتب السياسي للحزب / سكرتير مكتب الاعلام والناطق الرسمي المكلف باسمه، المحامي أمال الزين. وفيما يلي نص الحوار.
-وضع السودان نفسه في موقف سياسي جديد، تمثل بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو موقف سجل في غير صالح الانتفاضة الشعبية، كيف يقرأ الحزب الشيوعي السوداني هذا التطور؟
سياسة التطبيع لا تمثل خيارات الثورة السودانية بل وتتعارض مع أهدافها ومبادئها القائمة على الحرية والعدالة والسلام، وهذه القيم ليست محلية ولا ذات طابع خاص بالسودان وانما تمثل مطالب وخيارات الشعوب في العالم، ويكتسب شكل ومحتوى اممي بالنظر لتاريخ نضال الامم والشعوب في مختلف دول العالم، والقضية الفلسطينية واحدة من القضايا التي تستحق التضامن معها من منطلق هذا الشعار الذي حدد ملامح الثورة في السودان الى حد كبير. لذلك لا نرى بأن الشعب السوداني قد وضع نفسه في موقف سياسي متناقض والعكس هو الصحيح، لان الشعب السوداني والكثير من قواه الحية من بينها الحزب الشيوعي وقوى الاجماع الوطني وتجمع المهنيين السودانيين وغيرها، قد اعلنت مواقف ترفض التطبيع، وبالمقابل نرى بأن السلطة الانتقالية هي من وضعت نفسها في مأزق سياسي كبير سيواجه برفض شعبي كبير وسيفقدها الكثير من تحالفاتها ومن اشكال الدعم المحلي التي تحصل عليها، ونحن نأمل ان تكون صادقة في تعهداتها بأن القرار النهائي حول هذه القضية سيكون بيد الهيئة التشريعية المنتخبة رغم شكوكنا الموضوعية في مصداقيتها حول هذا الامر، مستندين في ذلك على عقد لقاءات سرية بين البرهان ورئيس مجلس وزراء اسرائيل في عنتبي والخرطوم  التي تم في خلالها عقد اتفاقيات مع الجانب الإسرائيلي منها السماح للطيران الاسرائيلي بعبور الاجواء السودانية ولا زال الكثير منها خافيًا على شعب السودان. أضف الى ذلك إقرار البرهان نفسه في لقاء تلفزيوني أجري معه منذ أيام بأن اتصالاتهم حول التطبيع امتدت لأكثر من سبعة سنوات وهو اعتراف مركب لأنه يتضمن الاقرار بأن سياساته ما هي الا امتداد لسياسات النظام البائد .

-خرج السودانيون، وحزبكم معهم، ضد سلطة الفريق عمر البشير، وتمكنتم من إزاحته والإتيان بمجلس حكم باسم الثورة، هل تتمثلون به؟ وما مدى تأثيركم عليه؟
بدأ حزبنا التحضير لإسقاط نطام البشير مبكرًا منذ العام 2010 ، أي بعد التزوير الواسع لانتخابات هذا العام والذي أدى لانسحابنا منها والوصول من خلال تحليل دقيق لطبيعة النظام البائد بأن خيارات التعايش َمعه قد أصبحت منعدمة، وان التخلص من أزماته لن يتأتى إلا بذهابه. وعلى هذا الاساس عملنا مع جماهير شعبنا في تنظيم صفوفها وتطوير شعاراتها ومطالبها وتأسيس منصاتها… الخ. كما اسهمنا في تراكم انتصاراتها من خلال الموكب الذي دعا له الحزب بالعاصمة القومية والمشاركة الواسعة في الحراك وفي ميدان الاعتصام ولا يزال نضالنا مستمرًا من أجل اكمال أهداف الثورة، ومع ذلك رفض الحزب تقاسم السلطة مع المجلس الانقلابي الذي تكون بعد الاطاحة برأس النظام البائد ولم يدفع بأي مرشحين باسمه في مجلسي السيادة و الوزراء واحتفظ بموقعه وسط القوى الجماهيرية والديمقراطية الساعية للانتصار الكامل لمطالب الثورة. وعلى رأسها انتزاع الحكم المدني من دون وصاية من العسكر وحلفائهم الطبقيين، أو من القوى الداعية للتسوية السياسية مع بقايا النظام البائد. ويأتي موقفنا انطلاقًا من عدم الجدوى الثورية في مشاركة السلطة مع الانقلابيين لتعارض مصالحهم مع مصالح الثوار واهداف الثورة .
-هل يحق لهذا المجلس المؤقت أخذ مواقف سياسية بهذا الحجم؟ وهي مواقف مفترض ان تكون ذات طابع سيادي؟
مؤكد ان حكومة الفترة الانتقالية في السودان بشقيها المدني والعسكري فرادى أو مجتمعين لا تملك سلطة اتخاذ قرار بهذه الدرجة من الخطورة أو المضي قدمًا في تنفيذه ضد ارادة شعب السودان وقواه الحية وحزبنا من ضمن هذه القوى، التي ترفض التطبيع مع دولة إسرائيل لأسباب و التزامات مبدئية تضمنتها وثائق الحزب الأساسية المتمثلة في دستوره وبرنامجه وفي وثيقة التقرير السياسي المجاز في مؤتمره السادس، وهي جميعها تضمنت مواقف تاريخية ممتدة منذ تأسيس الحزب وحتى اليوم وتنطلق من رفض الحزب للعنصرية والتمييز ورفض الاحتلال الاستيطاني ورفض استغلال واضطهاد الشعوب والرفض المبدئي لتهديد السلم العالمي من خلال امتلاك و تطوير الاسلحة النووية وغيرها من الاسلحة الفتاكة ويستند أيضًا على مناهضة السياسات التوسعية لاسرائيل المتعدية للحدود المتنازع عليها في فلسطين كما نحترم وجدان شعبنا الرافض لوجود دولة يهودية في الاراضي الفلسطينية، وحكومة الفترة الانتقالية التي جاءت على اكتاف الثوار عقب انتفاضة ديسمبر المجيدة عليها احترام هذه المبادئ والتزام حدود اختصاصاتها المحددة بالوثيقة الدستورية التي تحكم فترة الانتقال وليس في نصوصها ما يسمح باتخاذ مثل هذه القرارات الجذرية و التأسيسية والتي تقع ضمن مهام واختصاصات الهيئة التشريعية المنتخبة، وباعتقادي أن الموقف من العلاقة مع دولة اسرائيل قضية أساسية لا يصلح معها اتخاذ القرارات الفوقية لتعلقها بخيارات الجماهير الواسعة ومن المهم استجلاء رأيها عبر ممثليها المنتخبين أو بإجراء استفتاء شعبي نزيه و شفاف .
-أليس من الافضل كان ان يجري التحضير لانتخابات برلمانية ورئاسية تعطي الشرعية للسلطة المنبثقة عنها، وحينها تتخذ القرارات التي تخدم مصلحة السودان؟
حتم الاتفاق قبل سقوط رأس النظام البائد بين القوى التي شاركت في الثورة على فترة انتقالية تمتد الى اربعة سنوات، يتم في خلالها تحقيق السلام في مناطق النزاعات الثلاثة وإزالة الاحتقان بتطبيق العدالة الجنائية والانتقالية وتصفية إرث النظام البائد وهيكلة القوات النظامية وادخال تحسينات على الاقتصاد وادارة الموارد وغيرها، وهي مسائل من المهم حسمها في فترة الانتقال وقبل اجراء انتخابات عامة لا يتم فيها عزل لأي منطقة في الداخل السوداني ويشارك فيها المهاجرين والمغتربين والمهجرين في معسكرات النزوح بعد اعادة توطينهم في مناطقهم الاصلية، وعدم تحقيق نجاحات في هده المطلوبات خلال الفترة الانتقالية لا يلغي اهمية استمرارها والضغط لتحقيق تلك المهام التي تضمنتها الوثيقة الدستورية حتى اكتمالها بنجاح وتتويجها بالمؤتمر الدستوري، الذي يناقش قضية كيف يحكم السودان الى غير ذلك من القضايا الوجودية والمصيرية الاخرى والتي وقفت خلف النزاعات المسلحة وتجددها مثل الهوية والدين والتنوع …. الخ .
-كيف سيواجه الحزب الشيوعي والقوى التقدمية السودانية تلك الخطوات التي يتخذها المجلس الحالي؟
حكومة الفترة الانتقالية ارتكبت اخطاء جسيمة وتسعى بشكل متعمد للارتداد بالاوضاع الى سابق عهدها، بالتنصل المستمر عن تعهداتها التي ضمنتها في الوثيقة الدستورية، ومن خلال الضيق بالحريات ومحاولاتها المستمرة لقطع الطريق أمام التحول الديمقراطي وتعليق مطالب الثورة، والحزب الشيوعي يواجه هذه النزعة بفضح اهدافها ومراميها للرأي العام المحلي والعالمي وتعزيز وجود الحزب وسط الجماهير والاسهام ببث الوعي حول قضايا السلام والحريات وتحسين اوضاع المعيشة والحكم المدني والعدالة وغيرها من القضايا.
-هل ترون فعلا كما يروج كثيرون في العالم العربي، ان الانتفاضات التي حصلت انما هي بدعم اميركي وتواطؤ من قبل جمعيات واحزاب تتعاون مع واشنطن؟
السودان غير معزول عن محيطه الاقليمي والعالمي ويعي جيدًا مصالح ومطامع وأدوار واشنطن السلبية المتمثلة في إعاقة التحول الديمقراطي واستكمال مهام الثورة وربما يهدد ذلك مصالحها بحسب تقديراتها أو يلهم شعوب أخرى للتحرر من قبضتها، ونحن كحزب رصدنا دور عدد من المحاور والدول في محاولاتها لإنقاذ نظام البشير أو توفير بدائل له في حال استعصت عملية حمايته ومساعدته على البقاء من خلال مؤتمرات عقدت داخل وخارج السودان شارك فيها بعض قادة النظام الحالي وبعض قادة حراك ديسمبر، وقد شكل هذا العامل أساس الانقسام الحاد في صفوف الثورة بين دعاة التغيير الجذرى من قوى الثورة
و دعاة التسوية مع بقايا النظام السابق. إن مشروع الهبوط الناعم الذي انتجته امريكا والمانيا ودول غربية أخرى يتناقض جوهريًا مع توجهات القوى الثورية التي ترى ضرورة مواصلة النضال من أجل تحقيق كل مطالب التورة وبناء دولة مدنية ديمقراطية ذات سيادة على أراضيها وتلتزم بحكم القانون والعدالة الاجتماعية وتعترف بالتنوع وبإدارته بشكل ديمقراطي يعلي من شأن المواطنة دونما تمييز بسبب الدين أو العرق أو الثقافة واللغة.
– الازمة الاقتصادية في بلادكم تشبه ازمتنا نحن في لبنان، فهل يتجه السودان الى رفع الدعم عن المحروقات والطحين والدواء؟
يتفق الشارع السوداني و قواه السياسية والمهنية والنقابية وكذلك قوى اعلان الحرية والتغيير التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة على رفض سياسة رفض الدعم عن الضروريات وعلى رأسها الخبز  الوقود، ولكن عجز الحكومة عن تبني برنامج وطني لإدارة الازمة و خضوعها واستسلامها لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين يجعلها تسير مغمضة العينين في طريق رفع الدعم وتحرير الاسعار ويشمل ذلك الدواء والغذاء والخدمات الضرورية، وهو طريق محفوف بمخاطر كثيرة في مقدمتها اتساع نسبة الفقر ومعاناة محدودي الدخل والكادحين في القطاعين العام والخاص، وهم يمثلون ما يزيد عن الستين بالمائة من مجموع السكان. لذلك نرى بأن اصرار الحكومة على انفاذ هذه السياسات لن يمر بدون مواجهة مع الجماهير كما حدث في لبنان وفي غيره من دول العالم وهذه واحدة من قضايا الصراع الطبقي التي يتم حلها بشكل ديمقراطي من خلال مبادئ العدالة الاجتماعية وفي مقدمتها التوزيع العادل للدخل القومي وانعكاسه ايجابًا على دخل الفرد ومعاشه.

 

**امال الزين المحامى

عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعى السودانى
سكرتير مكتب الاعلام والناطق الرسمى المكلف باسم الحزب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى