رأي

ثرثرة شريرة :من أنت في رحلة البحث عن نفسك؟(أحمد عياش)

د.أحمد عياش*

من انت؟

انت محاولات حثيثة ومضنية لتثبت لنفسك انك لست غريبا عن حالك، انما انتَ لست الا انت.

تعيش العمر كله وانت تعاتب نفسك وتؤنبها وتنتقدها وتدلها على سلوك تتمناه لها لتكون انت.

ولن تستطيع.

هكذا انت.

محاولات واختبارات وتجارب وطموح لتتعرف على نفسك لعلك تقتنع بآخر نموذج لك ترضى عليه.

ورغم جهدك الجبار، تخرج عن طورك لتفلت من حالك رغما عنك لتهب خلفها لتعيدها اليك لأنك من دونها لا تعود تشبه نفسك اطلاقا.

انت في صراع دائم مع حالك، في شجار لا ينتهي، في تحميل مسؤوليات عن فشل متكرر، فأي طرف انت في هذا التقاتل؟

متى تكون انت؟

تأخذك الرغبات الى حدود اللذات لتقف عند ضفاف الحلال والحرام لتخاف ولترتعب ولتعود من حيث اتيت لتلعن المحاولة ومشقات السفر.

اللذات تورطك دائما، تجنح بك الى الانحراف والى الشذوذ عن المألوف ، تشعرك بالنذالة وبالخساسة وبالدناءة ،وانت تعلم انك لا تفرح الا بأدوار الخساسة الممنوع عنها بإسم الاله او القوانين او الاعراف او الاخلاق.

كلما جنحت بأناك لتلاقي هواك شعرت انك ما عدت انت علما انك تبحث عنها هناك.

غير مسموح ان تمارس رغباتك بحرّية مطلقة لانك لست وحدك هنا في المدينة وفي الريف وفي الغابات.

أناك تنتهي بلذاتها حيث تبدأ لذات آخرين يشمئزون فيها من رغباتك المجنحة كالصواريخ تماما، فالجميع يخاف انفجارات الفضائح.

تعرف ،و رغم ذلك لا تتوقف عن تحقيق لذاتك المقنعة برغبات خطيرة لا تحب ان تبوح بها وتخاف ان يعرفها احد.

ان كنت أنت فعلا انت، فأنت لست ابدا بأنت بنظر الناس.

قيل وقد تحققت من الحادثة أن شارلي شابلن الممثل الكوميدي المعروف ببنطاله الواسع وبعصاه وبشاربه القصير كماركة عالمية للوجوه، شارك مموها نفسه وسرّا ومتخفيا عن الجميع في احدى المسابقات الفنية لتقليد شخصية شارلي شابلن ليرسب في الاختبار ولينجح وليفوز آخرون.

عندما لم يعرفوا من يمثل حقيقة امامهم ظنوا انه لا يشبه الأصيل، أي أن أناه لم تكن هي نفسها ،وهو ايضا عندما حاول بأناه ان يقلد اناه فشل ورسب.

فكيف ستكون انت، انت، وانت ما زلت تعاتب نفسك وتتهمها بعدم رضاك عنها ،وكأنكما افعوان برأسين لا يتفقان الا على الهلاك.

ستعيش مئة سنة من العمر وستستمر بلوم نفسك وانت تحتضر وانت ما زلت غير راض كفاية عن أناك.

هذا انت، لا تستطيع ان تقلد نفسك لأنك لم تجد حالك بعد.

رغم هذه الثرثرة الشريرة لا تهتم، لا تحمّل نفسك المطمئنة اكثر مما تحتمل، ما تفرضه عليها اناك اللوامة واناك الامارة بالسوء.

انت تعرف بعضا من أناك اما البعض الآخر فسرّ عليك.

في كل أنا تعرفها،ثمة أنا سرية لا تعرفها ،تداعبك وتلاعبك وتنغصّ عليك حياتك وتلاحقك الى آخر العمر.

  • طبيب نفسي وكاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى