إقتصاد

تحليل نقدي يدق ناقوس الخطر: احتياطي ينزف وعجز يتضاعف… فكم يتبقى لسعر 150 ألفاً؟ ( عماد عكوش)

 

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز

يواجه مصرف لبنان اليوم تحدياً وجودياً في سياسته النقدية المتمثلة بتثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية في مواجهة الدولار الأميركي، في ظل أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة. يهدف هذا التحليل إلى تقييم كلفة هذه السياسة، ومقارنتها بحجم احتياطيات المصرف المركزي من الذهب والعملات الصعبة، واستشراف المخاطر المحتملة في حال استمرار هذا النهج.

أولاً: تطور العجز التجاري وأثره على الضغوط على سعر الصرف

يمثل العجز التجاري المتفاقم أحد المؤشرات الأساسية التي تفسر استمرار الضغوط على الليرة اللبنانية. فقد أظهرت بيانات إدارة الجمارك اللبنانية أن العجز التجاري التراكمي بلغ 7.20 مليار دولار أميركي بحلول أيار 2026، مسجلاً زيادة بنسبة 8.14% مقارنة بالفترة نفسها من العام 2025 . هذا التوسع في العجز جاء نتيجة لارتفاع الواردات بنسبة 3.78% لتصل إلى 8.45 مليار دولار ، مقابل تراجع الصادرات بنسبة 15.80% إلى 1.247 مليار دولار .

والأكثر إثارة للقلق أن العجز التجاري كان قد بلغ 12.3 مليار دولار بحلول أيلول 2025 ، وارتفع إلى 16.17 مليار دولار في تشرين الثاني 2025 . هذا التصاعد في العجز يعكس عمق الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد اللبناني ، إذ تشكل “المنتجات المعدنية” (النفط ومشتقاته) الحصة الأكبر من الواردات بنسبة 23.75% ، تليها “اللؤلؤ والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة” بنسبة 14.71%  . وهذا العجز التجاري الكبير يستنزف بشكل مباشر احتياطيات مصرف لبنان من العملات الصعبة ، إذ يتطلب تمويل الواردات تغطية بالدولار ، ما يزيد الطلب على العملة الأميركية ويضغط على سعر صرف الليرة.

ثانيا” : تطور عجز الموازنة 

حققت الموازنة اللبنانية بين عامي 2024 و2025 فوائض مالية شكلية ، لكنها جاءت في سياق انكماش اقتصادي حاد وتقشف مالي . ففي عام 2024 ، سجّلت الميزانية فائضاً بقيمة 507 ملايين دولار، حيث بلغت الإيرادات 3.42 مليارات دولار مقابل إنفاق فعلي لم يتجاوز 2.91 مليار دولار .  أما في عام 2025 ، فقد توسع الفائض ليصل إلى نحو مليار دولار ، بعد أن حققت الإيرادات 6 مليارات دولار مقابل نفقات 5 مليارات، في أداء ضريبي متقدم فاق التوقعات . أما عام 2026 ، فقد جاء بموازنة تقديرية بقيمة 538,415 مليار ليرة (نحو 6 مليارات دولار) ، صممت لتكون “موازنة صفر عجز” ، مع توقع فائض أولي بنحو 353.8 مليون دولار .  لكنّ هذه التقديرات وضعت قبل التصعيد العسكري في آذار 2026 ، وحتى قبلها ، وانتقد خبراء اقتصاديون الموازنة لكونها نسخة شبه مطابقة عن موازنة 2025 ، وكأن الحرب لم تمر على لبنان ، إذ خصصت 0.5% فقط لإعادة الإعمار ، ما دفع البعض لوصفها بموازنة “الرداءة المستدامة”  .

مع اندلاع الحرب، انقلبت المعادلة. ففي آذار 2026 ، تحول الفائض الأولي إلى عجز بلغ 2,857 مليار ليرة ، وعجز إجمالي 4,205 مليارات ليرة ، نتيجة قفزة في النفقات بنسبة 145% على أساس سنوي .  وقد توقّع وزير المالية أن يتراوح الانكماش الاقتصادي في 2026 بين 7% و10% ، مع خسائر مباشرة وغير مباشرة قد تصل إلى 20 مليار دولار .

هذا في وقت تعجز فيه الدولة عن توفير التمويل اللازم لدعم الاستيراد دون اللجوء إلى الاقتراض. وتشير المعطيات إلى تحوّل ميزان المدفوعات من فائض فعلي بقيمة 0.3 مليار دولار في كانون الثاني-شباط 2026 إلى عجز بقيمة 0.2 مليار دولار من آذار حتى أيار، بسبب تراجع تدفقات رؤوس الأموال، لا سيما تحويلات المغتربين والاستثمار الأجنبي المباشر وعائدات السياحة والصادرات .

ثالثاً”: احتياطيات مصرف لبنان وقدرته على التدخل

رغم التقلبات ، يمكن قراءة الاتجاه العام للاحتياطي خلال الفترة الممتدة من نيسان 2025 إلى نيسان 2026:

  •      ارتفاع صافي سنوي: سجل الاحتياطي زيادة صافية قدرها 372 مليون دولار خلال هذه الفترة، ليرتفع من 11.06 مليار دولار إلى 11.43 مليار دولار .
  •      تراجع مؤقت في بداية 2026: شهدت الفترة بين شباط ونيسان 2026 انخفاضاً مؤقتاً بلغت قيمته 516 مليون دولار (نحو 4.5% من الاحتياطي) . وقد أرجع حاكم مصرف لبنان هذا التراجع إلى عوامل استثنائية مرتبطة بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة .
  •      انخفاض منذ بداية العام الحالي: على صعيد آخر، سجل الاحتياطي تراجعاً منذ بداية العام 2026 وحتى نهاية حزيران، قُدّر بنحو 342 مليون دولار .

تشير التقارير إلى أن ميزان المدفوعات ايضا سجل فائضاً بقيمة 6.44 مليار دولار في العام 2024 ، وهو ما يعكس جزئياً تحسناً في وضع الاحتياطيات ، لكنه لا يعكس بالضرورة قدرة المصرف على الاستمرار في تثبيت سعر الصرف على المدى الطويل ، خصوصاً في ظل استمرار العجز التجاري. الجدير بالذكر أن احتياطي الذهب يشكل عنصراً استراتيجياً في ميزانية مصرف لبنان ، لكن قيمته تتأثر بتقلبات أسعار الذهب العالمية ، ولا يمكن استخدامه بسهولة للتدخل اليومي في سوق الصرف دون تكبد خسائر رأسمالية محتملة.

رابعا”: كلفة تثبيت سعر الصرف اليومية

يمكن تقدير كلفة تثبيت سعر الصرف من خلال تحليل المعطيات التالية:

1.    تكلفة التدخل المباشر: يضطر مصرف لبنان إلى بيع الدولار في السوق بشكل شبه يومي للحفاظ على سعر الصرف عند المستوى المستهدف. مع بلوغ العجز التجاري حوالي 7.2 مليار دولار في خمسة أشهر فقط ، فإن الاحتياجات التمويلية للاستيراد تفرض ضغطاً يومياً يقدر بمئات الملايين من الدولارات شهرياً .

2.    كلفة الفرصة البديلة: إن استخدام الاحتياطيات لدعم سعر الصرف يحد من قدرة المصرف على تمويل إعادة الإعمار والتنمية ، خصوصاً في ظل الحاجة الماسة لتمويل إعادة إعمار ما دمرته الحرب .

3.    الضغوط التضخمية: رغم تثبيت سعر الصرف اسمياً ، فإن التضخم المستورد لا يزال مرتفعاً نتيجة للاعتماد الكبير على الواردات ، ما يقلل من القوة الشرائية الحقيقية لليرة.

خامسا”: المخاطر في حال استمرار التدخل

إذا استمر مصرف لبنان في سياسة تثبيت سعر الصرف دون معالجة الاختلالات الأساسية ، فإن المخاطر التالية تلوح في الأفق:

1.    استنزاف الاحتياطيات: مع استمرار العجز التجاري بمعدلاته الحالية (أكثر من 16 مليار دولار سنوياً)، فإن الاحتياطيات قد تتعرض لضغوط كبيرة قد تؤدي إلى استنزافها خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً .

2.    فقدان المصداقية: في حال شك السوق بقدرة المصرف على الاستمرار في التثبيت، قد تتعرض الليرة لهجوم مضاربي عنيف يدفع سعرها إلى مستويات متدنية جداً.

3.    تآكل القدرة على الاستيراد: إذا ما استُنزفت الاحتياطيات ، ستتراجع قدرة لبنان على استيراد السلع الأساسية ، مما سينعكس سلباً على الأمن الغذائي والدوائي والطاقي.

سادسا”: سيناريو سعر الصرف خلال الأشهر القادمة

بناءً على تحليل العوامل المؤثرة ، يمكن استشراف السيناريوهات التالية:

  •      السيناريو المحافظ: في حال تمكن مصرف لبنان من الحفاظ على وتيرة التدخل الحالية مع تحسن في التدفقات الخارجية (تحويلات المغتربين ، إيرادات السياحة) ، قد يظل سعر الصرف ضمن نطاقه الحالي مع تقلبات محدودة.
  •      السيناريو المتشائم: في حال استمرار العجز التجاري بالارتفاع مع استمرار النزاعات الإقليمية التي تؤثر على الصادرات (كما حصل مع الانخفاض الحاد بنسبة 15.80% في الصادرات حتى أيار 2026)  قد نرى موجات جديدة من الضغط على الليرة قد تدفعها إلى مستويات تتراوح بين 100,000 و 120,000 ليرة للدولار، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تراجع ثقة المودعين والمستثمرين.
  •      السيناريو الكارثي: في حال توقف الدعم الخارجي أو حدوث صدمة أمنية كبرى ، قد نشهد انهياراً متسارعاً لسعر الصرف قد يصل إلى أكثر من 150,000 ليرة للدولار ، مع ما يرافق ذلك من تضخم جامح وانكماش اقتصادي حاد.

في الخلاصة إن سياسة تثبيت سعر الصرف التي يتبعها مصرف لبنان تحقق استقراراً نقدياً مؤقتاً ، ولكنها تأتي بكلفة باهظة من حيث استنزاف الاحتياطيات وتضخيم الاختلالات الاقتصادية . في ظل عجز تجاري تجاوز 16 مليار دولار سنوياً ، لا يمكن الاستمرار في هذه السياسة دون إصلاحات هيكلية جذرية تشمل:

1.    تنويع مصادر النقد الأجنبي بعيداً عن التدخل المباشر للمصرف المركزي.

2.    تحفيز الصادرات من خلال تحسين بيئة الأعمال والاستثمار في القطاعات الإنتاجية.

3.    إعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة ثقة المودعين.

4.    البحث عن دعم خارجي عبر برنامج إصلاحي مع صندوق النقد الدولي.

في غياب هذه الإصلاحات، فإن استمرار سياسة تثبيت سعر الصرف الحالية قد يكون مجرد تأجيل لانهيار نقدي أكبر ، مع ما يرافق ذلك من تداعيات اجتماعية واقتصادية مدمرة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى