
كتب د.عماد عكوش – الحوارنيوز
في الواقع نحن أمام صراع بين عدة قوى مالية واقتصادية متعاكسة. فمن جهة ، التوترات الجيوسياسية تدفع المستثمرين نحو الذهب باعتباره ملاذاً آمناً ، ومن جهة أخرى فإن ارتفاع أسعار النفط يرفع مخاوف التضخم ، وهذا قد يدفع البنوك المركزية وخصوصاً الاحتياطي الفدرالي الأميركي إلى إبقاء الفائدة مرتفعة أو حتى تشديد السياسة النقدية وهو عامل ضاغط على الذهب والفضة.
وهذا ما رأيناه فعلياً في الأسابيع الأخيرة. فالذهب تعرض لضغوط عندما ارتفعت عوائد سندات الخزانة والدولار ، رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية.
أما الفضة فهي أكثر تقلباً من الذهب ، لأنها تجمع بين صفتين صفة معدن ثمين وصفة أصل صناعي ، ولذلك تتأثر بالاستثمار والملاذ الآمن ، لكنها في الوقت نفسه تتأثر بالنمو الصناعي والطلب على الإلكترونيات والطاقة الشمسية والسيارات. وتشير بيانات Silver Institute إلى أن سوق الفضة يتجه إلى تسجيل عجز في المعروض للسنة السادسة على التوالي في 2026 ، رغم توقع انخفاض الطلب الصناعي بنحو 3% .
ما هي عوامل الارتباط بين أسعار الذهب والفضة والنفط؟
هناك ارتباط بين أسعار الذهب والفضة والنفط ، لكنه ليس ارتباطاً ثابتاً أو آلياً فالنفط يؤثر في الذهب والفضة أساساً عبر ثلاثة مسارات:
التضخم : ارتفاع النفط يرفع تكلفة الطاقة والنقل والإنتاج ، وبالتالي يزيد التضخم ، وهذا قد يدعم الذهب باعتباره أداة للتحوط من التضخم.
الفائدة والدولار : إذا أدى ارتفاع النفط إلى تضخم أعلى ، فقد تتجه البنوك المركزية إلى سياسة نقدية أكثر تشدداً. ارتفاع الفائدة وعوائد السندات وقوة الدولار عادةً تضغط على الذهب والفضة.
المخاطر الجيوسياسية: الأزمة نفسها قد ترفع النفط بسبب مخاطر الإمدادات ، وفي الوقت ذاته تدفع المستثمرين إلى الذهب. لذلك يمكن أن نرى أحياناً النفط والذهب يرتفعان معاً، ثم ينفصل مسارهما عندما يصبح تأثير الفائدة والدولار أقوى.
وهذا تحديداً ما يجعل العلاقة بين النفط والذهب ليست علاقة صعود وصعود بصورة دائمة. ففي الايام الماضية أدى ارتفاع النفط إلى زيادة مخاوف التضخم ، بينما أدى ارتفاع الدولار وتوقعات الفائدة الأميركية إلى الضغط على المعادن الثمينة.
انطلاقا” من ذلك أرى ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول – استمرار التوترات مع ارتفاع النفط:
إذا استمرت المخاطر الجيوسياسية واضطرابات إمدادات الطاقة ، فقد يبقى الطلب على الذهب قوياً باعتباره ملاذاً آمناً ، لكن ارتفاع النفط قد يخلق مشكلة مقابلة من خلال زيادة التضخم والضغط باتجاه فائدة أعلى. وبالتالي قد نشهد ارتفاعاً مع تذبذب حاد ، وليس صعوداً مستقيماً.
السيناريو الثاني – تراجع التوترات وانخفاض النفط:
إذا حصل انفراج سياسي وانخفض النفط، فقد يتراجع جزء من علاوة المخاطر عن الذهب. لكن إذا ترافق ذلك مع انخفاض التضخم وعوائد السندات وتراجع الدولار، فقد يستفيد الذهب والفضة مجدداً من تحسن الظروف النقدية.
السيناريو الثالث – الأسوأ من ناحية الاستقرار، وهو استمرار الصراع مع تضخم مرتفع وفائدة مرتفعة:
هنا ندخل في بيئة شبيهة بـالركود التضخمي. وهذه البيئة معقدة للذهب: المخاطر الجيوسياسية تدعمه ، لكن ارتفاع العوائد والفائدة يضغط عليه. أما الفضة فقد تكون أكثر تخبطا” في الحركة لأنها تتأثر في الوقت نفسه بالاستثمار والقطاع الصناعي.
لذلك، لا أعتقد السؤال الصحيح هو أي عامل سيكون أقوى خلال المرحلة المقبلة : الخوف الجيوسياسي ، أم التضخم ، أم الفائدة ، أم الدولار؟
وبالنسبة للمستثمر، فإن أهم مؤشر يجب مراقبته ليس سعر الذهب وحده ، بل العلاقة بين الذهب والدولار وعوائد سندات الخزانة والنفط. فإذا ارتفع الذهب رغم ارتفاع الدولار والعوائد ، فهذا يعطي إشارة مختلفة تماماً عن ارتفاعه نتيجة ضعف الدولار فقط.
أما الفضة، فأعتقد أن هامش تقلبها سيبقى أكبر من الذهب ، وبالتالي فإنها قد تحقق حركات أقوى في الاتجاهين، خصوصاً مع استمرار العجز في السوق وتغير الطلب الصناعي.
في النهاية المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة صعود المعادن بالمعنى التقليدي ، وإنما مرحلة تذبذب مرتفع وإعادة تسعير مستمرة. وكلما طال أمد التوترات دون أن يتحول ارتفاع النفط إلى تشديد نقدي أقوى ، بقيت البيئة داعمة للذهب والفضة. أما إذا أصبح النفط محركاً لموجة تضخمية تجبر البنوك المركزية على رفع الفائدة بقوة، فقد نشهد ضغوطاً وتصحيحات حادة حتى مع استمرار المخاطر الجيوسياسية.



