بيان واشنطن لوقف النار : شروط على طرف… وتغييب لالتزامات الطرف الآخر (وليد بركات)

كتب وليد بركات – الحوارنيوز
صدر البيان المشترك عن الاجتماع الثلاثي بواشنطن يومي 2 و3 حزيران 2026، ليعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على “تنفيذ وقف إطلاق النار”. وبقراءة متأنية لنص البيان، يتضح أنه وضع سقفاً عالياً من الشروط على طرف واحد، بينما غيّب التزامات الطرف الآخر وترك أسئلة جوهرية بلا إجابة.
أولاً: تحميل المسؤولية من طرف واحد
ربط البيان وقف النار “بوقف تام لإطلاق النار من قبل حزب الله وإجلاء جميع عناصره من جنوب الليطاني”. كما كرر التأكيد على “تفكيك الجماعات المسلحة غير الحكومية ومنع عودتها”.
في المقابل، لم يتضمن البيان أي التزام إسرائيلي محدد ولا جدول زمني لوقف القصف، ولا التزام بالانسحاب من النقاط المحتلة، ولا ضمانات بعدم استهداف لبنان جوياً وبحرياً بعد سريان الاتفاق.
هذا التفاوت يخلق انطباعاً بأن المسؤولية عن نجاح الهدنة وفشلها تقع بالكامل على عاتق المقاومة، بينما يبقى التزام إسرائيل مفتوحاً على كل الاحتمالات.
ثانياً: غياب ملف النازحين والعودة الآمنة
من أبرز تداعيات الحرب نزوح مئات آلاف اللبنانيين من الجنوب والبقاع والضاحية. البيان تحدث عن “سيطرة الجيش ومناطق تجريبية” و”اتفاق شامل للسلام والأمن”، لكنه لم يذكر كلمة واحدة عن عودة النازحين إلى قراهم.
لا ضمانات أمنية لهم، ولا آلية مراقبة دولية تحميهم، ولا إطار زمني لعودتهم. فكيف يستقيم الحديث عن “أمن واستقرار مستدامين” دون معالجة الكارثة الإنسانية الأولى التي خلفتها الحرب؟ إغفال هذا البند يحوّل البيان إلى ترتيب أمني مجرد، بعيد عن الواقع الاجتماعي والإنساني.
ثالثاً: إشكالية “الشرطية” وغياب لحظة الصفر
جعل البيان وقف النار مشروطاً بانسحاب حزب الله من جنوب الليطاني، وحدد استئناف المفاوضات في “الأسبوع الذي يبدأ في 22 حزيران”.
هنا تبرز المعضلة المنطقية: إذا كان وقف النار مشروطاً بإجراء يستغرق وقتاً، والمفاوضات بعد ثلاثة أسابيع، فمتى تبدأ الهدنة فعلياً؟ غياب “ساعة الصفر” يفتح الباب أمام تفسيرات متضاربة، ويجعل كل خرق ميداني ذريعة لإلغاء الاتفاق قبل أن يبدأ. وهنا يكمن الشك الجوهري: هل ستلتزم إسرائيل بالوقف الفوري لإطلاق النار بالتزامن مع بدء تنفيذ الشروط، أم ستعتبر الفترة الانتقالية “فترة سماح” للعمليات العسكرية؟
خلاصة: بيان ناقص يحتاج إلى ميزان
نجح البيان في وضع الجيش اللبناني في صلب المسؤولية، وحدد موعداً لاستئناف المفاوضات. لكنه أخفق في تحقيق التوازن. فالسلام المستدام لا يُبنى بتحميل طرف كل الأعباء وترك الطرف الآخر بلا التزامات واضحة قابلة للقياس والمراقبة.
إن أي اتفاق جدي يجب أن يقوم على ركنين متوازيين: انسحاب وتفكيك من جهة، ووقف كامل للاعتداءات وضمان عودة آمنة للنازحين من جهة أخرى، مع آلية مراقبة دولية ذات مصداقية.
دون هذين الركنين، يبقى البيان مجرد إطار نوايا ، وتبقى الكرة في ملعب التنفيذ… وفي ملعب مدى التزام إسرائيل، وهو السؤال الذي لم يُجب عنه البيان.



