سياسةمحليات لبنانية

اين اصبح شعار”كلن يعني كلن”؟


عندما قدم الرئيس سعد الحريري استقالته انتفض مناصروه في الشوارع والأزقة وقطعوا الطرقات، ثم انضموا لقوافل المتظاهرين في عدة مناطق منادين مع من ينادون بإسقاط النظام ومحاسبة الفاسدين وأهل السلطة. ولسنا نحاول في هذه السطور أن نوالي جهة دون أخرى، أو نلقي اللوم على زعيم دون آخر، أو نستخدم لغة السباب والشتائم التي باتت سائدة في هذه الأيام على من يستحق أو لا يستحق.
لقد ملأنا السرور في الأيام الأولى للانتفاضة الشعبية الجامعة، وانتابنا شعور لم نعهده من قبل، ألا وهو اجتماع اللبنانيين على مطلب واحد بلا أي اعتبار للغة الطائفية والمذهبية والمناطقية وما شابه. وكان شعار "كلن يعني كلن"، وإن شابه شيء من الظلم على بعض الأطراف، لكننا اعتبرنا أننا نشهد مرحلة جديدة خرج فيها اللبنانيون من عباءة الانتماء الأعمى، ورحبنا بوحدة اللبنانيين ولو على هذا الشعار غير المنصف، بل أهلاً وسهلاً بهذه الوحدة ولو كانوا على خطأ.
إن نظرة موضوعية نحو تحرك مناصري تيار المستقبل وموقفهم بعد الاستقالة يجب أن تستفزّك وتثير حفيظتك أياً كان انتماؤك وكنت منصفاً في رؤيتك للوضع القائم. فكيف تحوّل سعد الحريري في ساعة واحدة من الزمن من زعيم لسلطة أساءت للبلاد وأهلها، وكان وريث مرحلة بدأت ترسم خيوطها منذ ثلاثين سنة، إلى زعيم لحراك الفقراء وانتفاضتهم، وينضم مناصروه إلى صفوفهم لنيل المطالب؟ وهل تقديم الاستقالة توبة تجبّ ما قبلها وتمحو كل مثالب صاحبها؟ وكيف ينتقل المرء من برج عاجي عاش في نعيمه طيلة حياته إلى صفوف الشعب المسحوق الذي لا يجد من ضرورات الحياة إلا القليل؟ وأين شعار "كلن يعني كلن"؟
ألا يستفزّك وجود النائب سامي الجميل بين المتظاهرين ناصحاً وموجهاً ومقدّراً ما كان وما سيكون، وهو يرجع إلى عائلة إقطاعية تعيش في القصور وتتنعم من خيرات مناصريها وأتباعها، ولها تاريخ معروف أثناء الحرب الأهلية وما قبلها وما بعدها؟ فهل من الممكن له بعد أن فشل في احتلال موقع له في السلطة أن يكون مع الفقراء والمساكين وأن يتفهم معاناتهم وعذاباتهم؟ وأين شعار "كلن يعني كلن"؟ 
وما يناقض هذه المشاعر رؤيتك للنائب أسامة سعد بين المتظاهرين، فهو، كأخيه وأبيه من قبل، أبو الفقراء والمساكين، ووجودهم بينهم أمر طبيعي، فالزعامة لم تبعده عنهم ولم تجعل بينه وبينهم مسافات طبقية لا يمكن تجاوزها. والنظرة هي نفسها للوزير السابق شربل نحاس، الذي لم يستغل الوزارة لتحقيق مآرب ومكاسب شخصية، بل إنه قدّم استقالته من الوزارة، وهو أمر نادر في بلدنا، عندما شعر أن منصبه لا يخدم قضيته. وهذان الرجلان وغيرهما كثير مما لا يصدق عليهما شعار "كلن يعني كلن".
لقد تحول حلم التغيير إلى كابوس بدأنا نستشعر صوره ورموزه، فقد عاد الزعيم صارخاً في خطابات مناصريه، وعادت المذهبية ترسم صورها في كلمات المتظاهرين ووسائل الإعلام وأهله، وبدأت العصبية، على أنواعها الدينية وغير الدينية تلقي بظلالها مع كل يوم جديد في حركة التظاهرات. فهل كان حلمنا كبيراً جداً فلم  نستوعب مجرياته ووقعنا في حبائل الوهم والخداع؟
لا يمكن لنا إلا أن نصلي لأن يعود الحراك إلى ما كان عليه، فمطالب الناس محقة وعادلة، ورجال السلطة في غالبيتهم العظمى فاسدون، والأوضاع العامة، وخصوصاً الاقتصادية والسياسية لم يعد بالإمكان تحملها، والمؤامرات الداخلية والخارجية تحيطنا من كل حدب وصوب، وقد سعت فيما سعت لحرف مطالب الناس عن أهدافها الحقيقية. لذلك يجب أن نتيقظ من الآتي القريب من مخاطر الأمن والاقتصاد والسياسة، ولنحذر المتربصين بنا الذين يهزأون من حاجات الفقراء والضعفاء لكي يصلوا إلى مبتغاهم بوجوه قد تكون جديدة، وملامح قد تكون أكثر هدوءاً، لكن الأيادي المبطشة لم تتبدل، والقلوب لا تزال تحمل الغي نفسها. ولذا نقول إننا بعد خروج بعض أسماء الزعماء من خطابات المتظاهرين وهتافاتهم المنددة بهم، بل وتبرئة ساحتهم ماضياً وحاضراً، أصبحنا نحنّ لشعار "كلن يعني كلن"، إذ من الممكن تقبل وقع الظلم على البريء، لكننا لا نتقبل حقيقة أن بعض الأبالسة قد أصبحوا في عداد الملائكة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى