دولياتسياسة

اميركا:طبقات جورج فلويد وسيمفونية الاحتضار !

 


محمد صادق الحسيني
في الساعات الاخيرة من وجودهم في فيتنام وبعد ان القوا عليها ١٤ مليون طن من القنابل ، انصبّ كل جهود الدولة الامريكية على انقاذ الزنابير "البيض"…
لم يتخلوا عن حلفائهم الفيتناميين فحسب بل تخلوا حتى عن جنودهم الملوّنين وعن كل ما ليس بابيض من المئات من موظفيهم المجتمعين في هوتيل دوك والالاف من عملائهم المحتشدين امام السفارة . وكان الامر الصادر من الدولة الامريكية حاسما وواضحا :انقذوا السادة اصحاب البشرة البيضاء…!
وقبل ان تقلع مروحية القنصل هنري بودرو من سطح السفارة اطل من عليائه وتفحص الحشود في مرآب السيارات وقال بكثير من الارتياح :
لم ار اي وجه ابيض هناك ، هيا بنا..!
"..السعوا اول من ترونه ، واستمدوا حياتكم من موته .."
ارسطوفان (سفر الزنابير)٤٢٢ ق.م

انه اصطلاح مؤلف من الحروف الاربعة الاولى لاربع خصال عرقية واخلاقية استثنائية تميزت بها الارستقراطية التي انتجت  واسست امريكا التي نشهد احتضارها اليوم على الهواء مباشرة مع كل عرض جديد من خنقة رجل افريقي او ملون او من نقطة دم لمظلوم يحاول مناهضة هذه الامريكا المسعورة بجيولوجيا ذاكرة الزنابيرالبيض -الانگلو -ساكسون- البروتستانت مع مقتل جورج فلويد وهو يختنق تحت ركبتي شرطي ابيض من مذهب ترامب فجأة رأت امريكا كلها صورتها في المرآة:
الامبراطور  عارياً تطارده اشباح ١١٢ مليون انسان ينتمون الى اكثر من ٥٠٠ شعب كانوا يملأون "مجاهل" العالم الجديد بضحكة الحياة ( لم يبق منهم في احصاء ١٩٠٠ سوى ربع مليون ) وتلوح لعينيه مشاهد ٩٣ حرباً جرثومية شاملة .، اضافة الى ٦٠ مليون افريقي  قتلوا على طريق بناء هذه الامريكا اللعينة ، والتي حاول تاريخ المنتصر محو ذكراها من وجه الارض حتى ايقظتها مجدداً صورة جورج فلويد المخنوق تحت ركبتي احد الزنابير التي بدأت ترى مستقبلها في صورة ضحاياها الذين ابيدوا بجراثيم الجدري في خليج مياشوستس او بمبيد الاعشاب البرتقالي وغاز الخردل واليورانيوم المستنفد في كوريا وفيتنام وما بين الرصافة والجسر…!
أليست هذه هي حقيقة صورة امريكا ترامب وكل الذين سبقوه حتى الان من طائفيي الحزبين الجمهوري والديمقراطي…!؟
" انهم يستعبدون كل من ليس من لونهم ، يريدون ان يجعلوا منا عبيداً ، وحين لا يتحقق لهم ذلك يقتلوننا . اياك ان تثق بكلماتهم او وعودهم . انها احابيل ، صدقني فانا اعرف سكاكينهم الطويلة جدا"
من كلمات پاشغنتا كيلياس، زعيم هنود دولاوير١٧٨٧م…
في كتابه عن نظريات الاستعمار الانگليزية يعتقد كلاوس كنور " ان الانگليز اكثر القوى الاستعمارية الاوروپية ممارسة  وتعمداً للابادة وان هدفهم النهائي .. هو افراغ الارض من اهلها وتملكها ووضع اليد على ثرواتها"…
هذه هي المسيرة الاستعمارية التي صنعت امريكا التي نشهد احتضارها الان ،.. لقد بدأت بايرلندا ولم تنته بعد…
لقد تحكمت فيهم عقدة الاختيار الالهي..والتفوق العرقي بسلوكهم وبنادقهم ..واستحوذت على اخلاقهم وعقولهم حتى انتهى بهم المطاف الى تأليه الذات .. وصاروا يتوهمون انهم يملكون حق تقرير الحياة والموت لكل من عداهم ، وهم في حل من اي التزام انساني او حقوقي تجاه احد من الشعوب… لا باعتبارها اعراق منحطة وحسب بل لانها في الغالب مخلوقات متوحشة لا تنتمي للنوع الانساني ولا تستأهل الحياة…
والتجربة الانگليزية هذه مع  " المتوحشين"  الايرلنديين تكررت مع كل الشعوب التي اجتاحوها بدأً بهنود امريكا الذين بنوا على انقاض بلادهم، اسراىيل الاولى كما سموها المستعمرون الاوائل مع تأسيس اولى المستعمرات (١٣ مستعمرة ) في  شرق ما يسمى اليوم بالولايات المتحدة …
مروراً بتلك التي استمرت مع الهنود والعرب واليابانيين والفيتناميين ولم تنته بعد باسرائيلهم الثانية على ارض فلسطين …
ان اي قراءة موضوعية لتاريخ اجتياحاتهم تساعدك على وضع معجم سيمفوني لطبقات الوحشية التي ارتكبها هؤلاء الزنابير … والتي يرتكبونها اليوم مجددا واستمراراً لحملات ابادتهم السابقة في اسرائيل الاولى اي امريكا ، في اسرائيل الثانية على الارض الفلسطينية…!
في احد فصول كتابه " اميركا والابادات الجماعية " في الفصل المعنون : المعنى الاسرائيلي لامبركا ينقل البروفيسور منير العكش نص ما قاله جيمس بولدين النائب في الكونغرس الامريكي بين اعوام ١٨٣٤- ١٨٣٩ :
" ان قدر الهندي الذي يواجه الانگلوساكسون مثل قدر الكنعاني الذي يواجه الاسرائيلي : انه الموت".
ثم يكتب منير العكش :
ان اميركا ليست الا الفهم الانگليزي التطبيقي لفكرة اسرائيل التاريخية ، وكل تفصيل من تفاصيل تاريخ الاستعمار الانگليزي لشمال اميركا …حاول ان يجد جذوره في ادبيات تلك الاسرائيل ويتبنى عقائدها في “الاختيار الالهي” وعبادة الذات وحق تملك ارض وحياة الغير ، لقد سموا انفسهم " اسرائيليين" و" عبرانيين " و" يهوداً" واطلقوا على العالم الجديد اسم " ارض كنعان " و" اسرائيل الجديدة" واستعاروا كل المبررات "الاخلاقية " لابادة الهنود ( الكنعانيين) واجتياح بلادهم من مخيلات العبرانيين التاريخية…!
ولعل فاجعة الافريقي اوتا بنغا وقصة خطفه من الكونغو بالتعاون مع السلطات البلجيكبة في ١٩٠٤م  ونقله الى حديقة حيوانات برونكس brronx zoo
وعرضه على العامة بعد حشره في جناح القرود وفي قفص واحد مع قرد وببغاء للتاكيد على ان الانسان من غير "الشعب الانگلوساكسوني المختار"
لا يختلف عن القرد وانه اذا تكلم فكما يتكلم الببغاء.
كما يذكر العكش في كتابه اميركا والابادات الجنسية( العرقية) خير تلخيص للايديولوجيا التي تقف وراء قتل جورج فلويد في مينيا بوليس بكل دم بارد …! 
هذه هي امريكا التي قتلت جورج فلويد والتي تريد ان تقول من خلال هذا الفعل الشنيع  للعالم الجديد الذي تريد فتحه في القرن الواحد والعشرين والذي سمته بالقرن الامريكي ، بان مصير كل من يقاومني هو كمصير جورج فلويد …!
لكن قادة امريكا الذين يتحصنون مع عساكرهم اليوم في حصون جبال كولورادو تخوفاً من انهيار نموذجهم الاستعلائي المدوي تحت وطأة الهزائم المتلاحقة داخلياً وخارجياً ، او يقبعون في اقبية البيت الابيض خوفاً من صيحات ال ٤٠ مليون افريقي المتبقين من قوافل الموت والاستعباد التي بنت امريكا الولايات المتحدة حجراً حجراً على اديم ارض السكان اللاتينين الاصليين، على من تبقى من القادة "الزنابير "  ان يعلموا ان زمن الخنوع والاستعباد والخضوع لقانون الغاب والابادات الجرثومية قد ولى ، وان زمن انتصار الفقراء والمعدمين والمستضعفين في الارض قد بدأ ويمضي سريعاً ليطيح بكل ما تبقى من اوهامهم وجبروتهم واقتصادهم وجيوشهم التي تحتضر وتتجرع كؤوس السم على تخوم واسوار وابواب مدن وبلدات زمن المقاومة والقيام وتحقيق الوعد الالهي بالنصر على الشيطان الاكبر وزنابيره السامة من المحيط الى المحيط ومن القطب الى القطب .
واما بخصوص ترامب شخصيا فان اعتقادنا الراسخ بانه هو من ستكون على يديه نهاية الديمقراطية الامريكية المزيفة، وانه هو كن سيقود سفينة الزنابير بطائفتيها الديمقراطية والجمهورية الى قعر جهنم بتسارع كبير كما فعل غورباتشوف مع الاتحاد السوفياتي من قبل، ولن ينفعه في ذلك خطواته الهوليودية التهريجية التي يوجهها يمينا وشمالا لانقاذ ما تبقى من هيبة هذا النمر المترنح والذي تحول فعلاً الى نمر من ورق..!
تماماً كما لن تنفع تنظيرات وتغريدات من لايزال من بني جلدتنا ممن يراهن عليه مستجدياً اياه تقديم عروض افضل من اوباما ، في اصلاح ما تهدم من ثقة العالم بهذا الشيطان الاكبر…!
امريكا تعيش الفصل الاخير من عمرها الافتراضي..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى