سياسةمحليات لبنانية

امنيات تؤلم صاحبها في زمن الانتفاضة…

 


ايها الطبيب، هل تذكرني؟
جئتك قبل اثنتين وعشرين سنة الى عيادتك في بئر العبد، شكوت لك حالتي، كنت آنذاك مصابا بخيبة قوية من حالي ، من اخواني في التنظيم الذين انعم الله عليهم فجأة ، خيبة من تنظيم  افنيت حالي في خدمة شعاراته وكدت ان اقتل من اجله عدة مرات على المحاور وبسبب قادته فشلت محاولتان لإغتيالي.

ايها الطبيب، سألتني وقتذاك لماذا لم اهاجر وسألتني ان كان هناك من افكار  تؤلمني على شاكلة امنيات  لم تتحقق.
لم افهم سؤاليك في لحظتها الا اني بقيت افكر بالسؤالين كل هذا العمر واليوم اتيتك لأسمعك الجواب…
هل مسموح التدخين في العيادة؟ لا بأس سأكتفي بسيجارة واحدة.
لم أهاجر لأن امي لم تفطمني طفلاّ الا وقد بلغت الثلاث سنوات. وامي رحمها الله كانت مؤمنة وطاهرة وتحب الناس وكانت تحثنا على مساعدة كل محتاج ومؤازرة كل مريض وكانت تغضب علينا ان لم نشارك في عزاء ولم نواس اهل فقيد في بلدتنا ،وكانت ترى في موتنا من اجل الدين و تعليمات القائد ،بشرى وشهادة من الله…
ماتت ولم يات لمواساتنا في عزائها اي من القادة الذين كانت تضع صورهم على جدار غرفة الاستقبال قرب صورة والديها المرحومين .فكيف لمثلي ان تفطمه الناس والبلاد وقد صار عمري مسافة وقت مقتطعة من زمن الذكريات و الحياة.
اما الامنيات المؤلمة فقد تأكدت من استحالتها ، تأكدت من أثر أيلامها وعندما شاهدت الناس في الساحات والشوارع تعبّر عن مكنوناتها وعن غضبها وعن امنياتها المسروقة ، انتبهت لوجع امنياتي فقرّرت ان اعود اليك بما ان الزمن زمن انتفاضة وحراك و فتح حسابات.
الامنية الاولى ان اكون على سفر في طائرة فوق السحاب وان يتوفى الله القبطان ومساعده وان يلتفت كل الركاب المذعورين نحوي وان اقوم من مكاني وبهدوء لأقود الطائرة لتهبط بسلام وسط تصفيق الركاب وتلاوة سورة الفاتحة حمداً للنجاة.
لا،لا يا حكيم، لا علم لي بقيادة الطائرات…

الامنيةالثانية، ان اكون في ساحة بلدتنا وان تتعرض إمرأة حامل في شهرها التاسع لحادث مميت وان ينظر الناس لي بحزن وبرجاء ان انقذ الجنين وان ابادر فورا وبإمكانيات متواضعة  بشق بطن المسكينة وان اخرج الجنين حيّاً وسط تصفيق الناس لنجاة الجنين وتلاوة سورة الفاتحة للام.
لا ، لا يا حكيم لا خبرة لي في الطب ولا في التمريض.

الامنية الثالثة ان ألحم الحديد في الماء، ان الحم ثقب اسفل سفينة مهددة بالغرق وسط الماء في عرض المحيط في ليلة عاصفة هوجاء و رغم ارتفاع الامواج لانقذ السفينة وسط تصفيق المسافرين والبحارة  والمشاهدين للبث المباشر  في بيوتهم بعد تلاوة سورة الفاتحة لي لانها تجوز ايضا للأحياء.
لا، لا يا حكيم ، لا علم لي بالغطس بالبحر…

ارجوك لا تقل شيئاً، لا اريد سماع اي تعليق او اي سؤال، لا اريد ان امضي اثنتين وعشرين سنة إضافية في التفكير بالاجابة على سؤالك او تعليقك  منتظراً انتفاضة جديدة تشجعني ان آعبر فيها عن وجعي و عن خيبتي…
الانتفاضة خيرعلاج نفسي للجماهير لذلك يستحسن تكرارها كل عشرين سنة.
كل انتفاضة وانت بخير يا حكيم، سلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى