العالم العربيسياسة

المواطنة في مواجهة العنصرية

للعنصرية علاقة متينة بمفهوم الهوية، فكلما ضاق هذا المفهوم نمت العنصرية وتمكنت من سلوك الأفراد وعلاقتهم بالآخر المختلف، وانعكس ذلك على الأدوار التي يلعبها من سياسية واجتماعية واقتصادية وقانونية وغيرها، فهي لم تعد في عصرنا الحالي تعني التمييز بين الأفراد والجماعات على أساس الاختلافات الجسدية فحسب، بل إنها نمت وتعقدت لتصبح قريبة من إيديولوجيا غير معرّفة، أو، بمعنى أدق، بنية تفكير تقوم على نوازع عميقة تتحكم في السلوك وتمنح الشخص الذي يمارسها مبررات لهذا السلوك، بالأخص بعد أن أصبحت مفاهيم المساواة وعدم التمييز والعدالة والحريات وكل ما يمت إلى كرامة الإنسان ثقافة عامة لدى غالبية الشعوب، وصارت حقوق الإنسان التي أقرتها مواثيق الأمم المتحدة تندرج في معظم دساتير الدول، والمعاهدات التي وقعت عليها الكثير من الدول حول الالتزام بتلك الحقوق والمعايير.
من هذا المنطلق يمكن اعتبار العنصرية أمرًا له علاقة أيضًا بدرجة وعي الشعوب وإدراكها ذاتها والآخرين، فلدى الدول التي تسامت فيها الثقافة الشعبية سلوكًا وممارسة فوق القيم السلبية التي تحط من شأن الكرامة البشرية نرى أن العنصرية أمر مذموم لدى الغالبية العظمى من تلك الشعوب، حتى لو أنها كنزعة تعود إلى الظهور من جديد في العديد من الدول الغربية، لكنها تبقى نقطة خلاف بين مؤيد ومعارض، والقسم الأكبر إلى الآن ما زال معارضًا لذلك المفهوم قولاً وفعلاً.
عانى الشعب السوري في سنوات الحرب كثيرًا من المعاملة العنصرية، ليس في أماكن اللجوء فقط، بل في أماكن النزوح أيضًا، كما عانى من العنصرية بين بعضه البعض حتى في أماكن اللجوء خاصة تلك التي لم تتوفر فيها المقومات الحياتية اللائقة في حدها الأدنى كما في دول الجوار، حيث يعيش معظم السوريين المهجرين في مخيمات تفتقر في غالبيتها إلى الظروف المناسبة للعيش، وبالتالي فإن الوعي العام سوف يتردى ومن غير المنصف محاسبة الناس في هذه الظروف على جهلها وبدائية حياتها، إذ يكفيها القهر الذي تعاني منه والذاكرة المثقلة بويلات الحرب والدمار الذي لحق ببيوتهم ومناطقهم.
لكن أكثر ما لفت النظر وتداوله الإعلام ووسائط الميديا المتعددة خاصة التواصل الاجتماعي كانت العنصرية تجاه اللاجئين السوريين في لبنان، إذ لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع أو نقرأ عن حادثة ما، تعرض فيها أحد السوريين لمعاملة مهينة أو مذلة تتراوح بين التحرش اللفظي وبين الاعتداء والتعنيف الذي وصل حد القتل في بعض الحالات، ومن الحوادث الأشهر ما جرى من إحراق مخيمات، واغتصاب نساء، وقتل وجرائم واعتقالات من دون محاكمات، حتى إن الخطاب العنصري وصل ببعض الجهات حدّ اتهام السوريين وتحميلهم مسؤولية تلوث الهواء وزيادة حالات السرطان في لبنان، وفي كل مرة كان هناك ما يبرر أو يفسر هذا النزوع لدى مرتكب الفعل العنصري، ولقد قيل الكثير ومن هذا الكثير أن زواج اللبنانيين من السوريات يزيد في ظاهرة العنوسة لدى المجتمع اللبناني، وأن السوريين ينافسون اللبنانيين على فرص العمل، وأن كثرة الولادات بين السوريين اللاجئين سيؤدي إلى تغيير التركيبة الديموغرافية اللبنانية إلخ… حتى إن السلطات اللبنانية اتخذت بعض الإجراءات أفقدَت معظم اللاجئين السوريين صفتهم القانونية بالوجود في لبنان، وهذا جعلهم عرضةً للتهميش في المجتمع، والاستغلال في العمل، والإساءة في التعامل، والتحرُّش الجنسي في بعض الأحيان، لا يستطيعون اللجوء إلى أجهزة الشرطة والأمن في حال تعرَّضوا لأي اعتداء بسبب عدم شرعيتهم القانونية في الإقامة.
دعم هذه النزعة العنصرية لدى قسم كبير من اللبنانيين التصريحات التي كانت تصدر عن بعض السياسيين أو رموز السلطة، وكان تصريح الوزير جبران باسيل منذ مدة إعلانًا سافرًا يلخص العنصرية بأكثف درجاتها عندما قال، في عصر الثورة الجينية التي تصيب النظرية العنصرية القائلة بنقاء الأعراق في الصميم، إن اللبناني لبناني بالجينات "لقد كرسنا مفهومًا لانتمائنا اللبناني هو فوق أي انتماء، وقلنا إنه جيني، وهو التفسير الوحيد لتشابهنا وتمايزنا معًا، لتحملنا وتأقلمنا معًا، لمرونتنا وصلابتنا معًا، ولقدرتنا على الدمج والاندماج معًا من جهة، وعلى رفض اللجوء والنزوح معًا من جهة أخرى". ولقد نشر على حسابه على التويتر فيديو يظهر فيه مجموعة من الشبان اللبنانيين أمام محلات تجارية تابعة لسوريين، معلقًا: "بتحب لبنان وظّف لبناني". ولقد تصدت شرائح كبيرة من اللبنانيين لخطاب باسيل الذي يمكن اعتباره شعبويًا، وطرحت عرائض تحت عنوان "باسيل لا يمثلني".
ليس من المستغرب أن تصل الأمور إلى هذا المستوى من العنصرية والشعبوية، وليست القضية متعلقة بلبنان وحدها، لكن لبنان له خصوصيته لناحية القرب العضوي من سوريا بكل ما تعني الكلمة، قبل أن تتمكن اتفاقية سايكس بيكو من خلق مفهوم جديد تكرس مع الزمن للهوية والانتماء على أساس الحدود السياسية، فغالبية الدول، العربية منها على وجه الخصوص، مارست العنصرية تجاه الشعب السوري في سنوات المحرقة السورية، وقسم كبير منها كان ضالعًا بالحرب السورية، إن كان لجهة النظام أم لجهة المعارضة وصارت سوريا ميدانًا للصراعات الطائفية والعقائدية والإيديولوجية، وصراع المصالح الكبرى والقوى المتحكمة في العالم، والدول الإقليمية. لقد ترسخت ثقافة التفرقة والتقسيم بين البلدين والشعبين، في سوريا ولبنان، لم يكن قبل سايكس بيكو شعب لبناني وآخر سوري، فكانت الجغرافية واحدة والشعب واحد يرزح تحت سلطة الخلافة العثمانية، وبعدها جاء الاحتلال الفرنسي، ولقد كانت حركات التحرر من الاحتلالين واحدة وشاملة وتحمل النزوع نحو الاستقلال والتحرر والتمسك بالهوية القومية. لكن ما حصل بعد الاحتلال الفرنسي أن ثقافة التقسيم والتفريق انتعشت، بين مكونات الشعب الطائفية والمذهبية من جهة، وبين الشعبين المفصولين بحدود سياسية من جهة أخرى، خاصة أن فرنسا روجت لمقولة "الأم الحنون" تجاه لبنان، وأن شريحة من الشعب اللبناني تلقفت هذه المقولة وصارت أحد الحوامل التي يتسلق عليها الشعور بالتميز والتفوق.
الطبقة الحاكمة في الأنظمة القائمة على مبادئ بعيدة عن مفهوم المواطنة والتي تنتج دولاً فاشلة كما في لبنان، حيث لا توجد دولة بالمعنى الفعلي والواقعي، تحتاج إلى إثارة المشاعر العنصرية وتغذية الأيديولوجيا العنصرية والحفاظ على المؤسسة العنصرية من أجل إحلال الغضب العنصري محل الغضب الطبقي أو الانفجار بسبب الفساد وتردي حياة الناس، وليس هذا حال لبنان وحده، بل حال كل الأنظمة في منطقتنا العربية حيث يتقلص مفهوم المواطنة حدّ الامحاء ويصبح الفرد ليس أكثر من رقم في تجمع بشري تسوسه الأنظمة كما لو كانوا في إقطاعة من إقطاعاتها.
لذلك فإن العنصرية التي تتجلى على شكل تعصب والتصاق بجسد الجماعة أو الطائفة أو المذهب أو المجموعة الإثنية ورفض الآخر وعدم التشارك معه في كل ميدان يمكن التحكم به هو من سمات مجتمعاتنا، التي عانت من الاستعمار لحقبة طويلة ثم أجهض مشروعها النهضوي ووقعت البلاد في قبضة أنظمة شمولية قمعية تدير البلاد بحسب أجنداتها، وتفسح مجالاً لرجال الدين والموروث الشعبي والنمط القبلي للسيطرة على الفضاء العام، فكانت النتيجة إفقار الشعب ماديًا وفكريًا، وإنماء العصبيات والهويات الضيقة، على حساب المواطنة والحقوق، مضافًا إليه فساد الأنظمة القضائية التي صارت أجهزة ملحقة بالنظام الحاكم وليست مستقلة، وبالتالي فإن حماية الحقوق من الانتهاك صار أمرًا صعبًا، وصار من تمارس ضده العنصرية عاجزًا لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
هذا هو حال اللبنانيين أيضًا، فبالرغم من المساعدات التي تحصل عليها الحكومة اللبنانية لأجل اللاجئين، وبالرغم من أن العمالة السورية أيضًا ساهمت في تحسين سوق العمل ومن أن كثيرًا من الأموال السورية تدفقت إلى البنوك اللبنانية أو استثمرت في القطاعات الاقتصادية، وأن مطار بيروت زادت وارداته بعد الحرب السورية، فالدولة اللبنانية تعاني من أزمات خانقة، والنظام السياسي قائم على التوازنات الطائفية والمناطقية وبالتالي فإن الشعب موزع وفق تلك الولاءات، والحكومة تعاني من قضايا خلافية كبيرة ومنها الموقف من الحالة السورية وتدخل حزب الله في الحرب الدائرة فيها، بالإضافة إلى تردي الحالة المعيشية لشريحة واسعة من اللبنانيين والحاجة الماسة لتوفير فرص عمل وتحسين المستوى المعيشي. كذلك ما زالت شريحة واسعة من الشعب اللبناني تضمر في أعماقها نزعة انتقامية تجاه السوريين بسبب الذاكرة التي ما زالت نشطة عن الوجود السوري في لبنان وممارسات رموز النظام وأدواته، وذلك من دون محاولة التفريق بين الشعب والأنظمة الحاكمة، إذ يعتبرون أن على الشعب السوري أن يدفع الثمن.
مشكلة العنصرية مشكلة كبيرة، لا يمكن السيطرة عليها من دون تغيير الأنظمة أو الانقلاب على واقع شعوب المنطقة، من أنظمة سياسية إلى ثقافية إلى اجتماعية إلى دينية إلى قضائية، إلى موروث شعبي ومنظومات قيم، ولا يمكن تحقيق هذا الوضع من دون بناء أنظمة ديموقراطية تقوم على أساس المواطنة والحقوق، وأن يكون هناك دولة مؤسسات بكل ما تعني الكلمة. صحيح أن عنوان "سوا ربينا" كانت تصلح إلى حد ما بالنسبة إلى الشعبين، لكن الواقع يقول إن الوضع تغير ولم يعد ما كان قائمًا موجودًا اليوم، لليوم حساباته الأخرى، وصحيح أن مشكلة اللجوء قضية خلافية كبيرة، لكنها ليست ام المشاكل اللبنانية.

*طبيبة وروائية سورية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى