سياسةمحليات لبنانية

العنف الأُسري بالأرقام: قراءة في الأسباب والنتائج

 

 

محمد هاني شقير – الحوارنيوز- خاص
بتاريخ 6 تشرين أول عام 2018 أُعلن عن إنشاء خط ساخن ( 1745 ) لإستقبال شكاوى العنف الأُسري في لبنان بعد ورود عدة شكاوى بهذا الخصوص حيث تصدرت معظم وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي حوادث أٌسرية لافتة. وترافق ذلك مع مفصلين تاريخيين هامين في الحياة الاجتماعية اللبنانية، وهما إنتفاضة 17 تشرين وجائحة كورونا، ولكلا المفصلين خصوصيات تؤثر في تزايد العنف الأسري في المجتمعات وبخاصة في المجتمع اللبناني.
ان عدم وجود الزوجين في المنزل لوقتٍ طويل ربما هو أحد أشكال عدم تصادمهما، حيث يبدو، بحسب معالج نفسي متخصص، أن حرية الفرد التي يعيشها في الظروف الحياتية الطبيعية خارج المنزل، تخفف حالة التوتر التي قد تنشأ بين الزوجين. وهو، أي أحد الزوجين، عندما يمارس حياته الطبيعية ولا سيما تواجده في العمل والسوق والمدرسة والجامعة وغيرها، يتحصل على طاقة إيجابية كافية لكي يمتص أي حالة غضب بسبب التواجد في المنزل مع الطرف الأخر. وليس بالضرورة أن يكون المخطىء دائمًا هو الرجل، فالطرفين يمارسان ذات التصرفات وردود الفعل بحق بعضهما البعض، وكل واحد منهما يتأثر ويؤثر ويتفاعل وفقًا لقدراته الذهنية والنفسية والمعنوية.
ويلخص المصدر عوامل التصادم بين الزوجين بنقاط ثلاث أساسية:
أولاً: الخيانة الزوجية، وهي تعتبر الحالة الأكثر شيوعًا وحصولاً، حيث أن أحد الزوجين، يمكن أن يتغاضى عن أمورٍ كثيرة، لكنه في هذه الحالة بالذات، يمكن أن يرتكب جريمة، ولا يتوانى عن التعبير عن هذه الحالة بمختلف الأساليب والعنف أهم تلك التعبيرات، من دون أي إعتبار آخر، مهما كان وكيفما كان. فبالنسبة له، الخيانة، هي أمرٌ عظيم الشأن، وأصابه بالصميم، على جميع الصعد وبخاصة القيمية والأخلاقية عدا عن تأثيراته النفسية والمعنوية عليه. لذا في هذه الحالة يفجر الشخص كل مكنوناته التصادمية ولا يراعي أياً من الظروف. وهناك آخرون، ولكنهم قلة، يكبتون هذه الأمور ويتعاطون معها بشكل إنطوائي فيهربون الى الذات حيث يسرون شكواهم لأنفسهم.
ثانيًا: تنعكس الحالة الاقتصادية على الحياة الاجتماعية بين الزوجين بشكل أساس، وهي تأتي بعد الخيانة لكنها مع الكورونا تحولت الى السبب الأكثر تأثيرًا على الحياة الأسرية. لذا فإن تداعيات تردي الاوضاع الاقتصادية تصيب العائلة بشكل مباشر، وحاجيات أفراد الأسرة تصبح ملحة جدًا، وكلما زاد الأمر سوءًا كلما انعكس في شكل خلافات بين الزوجين اللذين ربما لا يتعاطيان بعقلانية تقوم على تقدير الظروف ومراعاتها وبحثها بشكل هادىء واقعي بعيدًا عن الضجيج. من هنا فإن حالات خلافية كثيرة تقع بين الزوجين نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي والمنعكس مباشرة في حياة الأسرة.
ثالثًا: الحالة النفسية ربما هي التي تلعب بشكل متقلب في تنظيم الحالتين السابقتين. هنا يكون للوعي عند الطرفين أو لدى أحدهما، دورًا محوريًا في لجم وقوع حوادث عنف أسري. فكلما إمتص طرفٌ ما غضب الطرف الآخر كلما قلت المشاكل بينهما، وكلما كانا غير هادئين في التعامل مع واقعهما وظروفهما فإنهما يذهبان حتمًا الى الإختلاف بطريقة عنفية.
ويضيف المصدر المذكور: هناك ظروف أخرى في لبنان تزيد من الخلافات بين أفراد الأسرة، وهي ظروف التركيبة السياسية والطائفية والمذهبية وحتى العائلية المعقدة للمجتمع اللبناني وقواه السياسية التي تتفق في الأنا العليا وتسعّر الخلافات في الأنا الدنيا.
في ما يلي قراءة احصائية في أرقام العنف الأسري مفصلة بحوالي 3 أشهر قبل الكورونا و 3 أشهر بعدها، والتي وردت كشكاوى على الرقم 1745.
اعتبارًا من تاريخ 12/11/2019 حتى تاريخ 20 /2/2020 بلغ عدد الشكاوى 270 شكوى، توزعت على الأشهر كما يلي: 47 في شهر ت 2، و 81 في شهر كانون 1، و 80 في شهر كانون 2، و 62 لغاية 20 شباط 2020، تاريخ بدء جائحة كورونا في لبنان والبدء التدريجي للحجر الصحي.
وتبين ان شكاوى العنف الأسري قد تضاعفت في خلال جائحة كورونا وسجل ورود 453 شكوى بين تاريخي 21 شباط و 3 حزيران من العام 2020، وهي كالتالي بحسب الأشهر: 33 شكوى من 21 شباط لغاية نهايته، و 97 شكوى في شهر آذار، و 151 شكوى في شهر نيسان، و 161 شكوى في شهر آيار، و 11 شكوى في غضون أول 3 أيام من شهر حزيران الحالي.
ففي ثلاثة أشهر وعشرين يومِا سجل 270 شكوى قبل الكورونا، و في ثلاثة أشهر و احد عشرة يومًا سجل 453 شكوى.
ففي الحجر المنزلي تضاعفت حوادث العنف الأسري بنسبة تفوق المئة بالمئة، ويبدو أن حجز الحريات كيفما كان هو شكل من إشكال تزايد العنف في جميع الميادين. ويرى المصدر النفسي المذكور، أن الحرية لا تتجزأ، وهي كل متكامل. فقمع الحريات لدى الدول يولّد العنف كذلك هو الأمر بالنسبة لحجزها كما جرى مع الكورونا، حيث انعكست على الحياة المعيوشة بين أفراد الأسرة وتضاعفت المشاكل بينهم بشكل لافت، بخاصة أن مجتمعاتنا تفتقد الى فهم ممارسة الديمقراطية في كل نواحي الحياة إضافة الى حمل الموروث المجتمعي والديني وخصوصية فهم ذلك الموروث لدى المجتمعات العربية تحديدًا.
ويرى المصدر المذكور، أن ورشة قانونية وتشريعية حقيقية مدنية ودينية يجب أن تقوم في مجتمعنا، بغية تطوير مفاهيمنا وقوانيننا وسلوكياتنا وخلق علاقات صحية بين الدولة والمجتمع وبين المؤسسات الرسمية والدينية وبطبيعة الحال بينهم جميعهم وبين الأفراد الذين بهم ومعهم تنتظم الحياة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى