رياضة و شباب

الرياضة والقلب:الموت المفاجئ..اسبابه وسبل الوقاية

لا شك أن الرياضيين يتمتعون بأعلى مستويات اللياقة البدنية والصحية، فهم الأقوى والأسرع، بل لديهم القدرة على التحمل، لا تجدها عند غيرهم من الأفراد غير الرياضيين، ولذلك فإن موت أحد الرياضيين نتيجة التوقف المفاجئ للقلب (الموت المفاجئ) يستدعي الكثير من الانتباه والبحث، وهذا الأمر لا يسبب الصدمة لذويهم فقط، بل لقطاعات عريضة من المجتمع، خاصة الذين يحسبون أن ممارسي الرياضة هم أكثر الناس وقاية من توقف القلب المفاجئ، وأن ممارسة الرياضة أهم الخطوات المطلوب اتباعها للحماية من أمراض القلب والدورة الدموية، بالإضافة إلى أهميتها في المحافظة على صحة الجسم.
ولعل البحث في مسألة الموت المفاجئ عند الرياضيين يأتي بعد التسليم بقضاء الله وقدره، وبهدف الوقوف على الاسباب (العضوية) لحالة الوفاة.

تعريف الحالة: هي الموت المفاجئ غير الناتج من الأذى الجسمي، أو العنف، بل نتيجة اعتلال في القلب، على أن يكون حدوث الوفاة بعد ساعة من بداية أعراض الاعتلال، ويكون المتوفى خلالها في حالة صحية جيدة. أما إذا كانت حالـة الوفاة مقرونة بممـارسة الرياضة، فيكون التعريف هو: أن يكون حدوث توقف القلب المؤدي إلى الوفاة في مدة أقصاها ساعة بعد الانتهاء من ممارسة الرياضة ،خاصة الرياضة التنافسية التي تتطلب أقصى درجات الأداء والتميز.

نسبة الحالة لدى الرياضيين:

الإحصائيات الواردة من الولايات المتحدة الأميركية تدل على ندرة حدوث هذه الحالات، بحيث رصدت (1- 5) حالات بين مليون رياضي خاصة من الشباب، وتقل عند الذين يكبرونهم من الرياضيين المحترفين.أما تأقلم القلب الفسيولوجي للمجهود البدني فيعتمد على نوع المجهود البدني (ديناميكيا أو ساكناً).

أ – الجهد البدني الديناميكي (Dynamic Exercise)

هذا النوع من الرياضة يتطلب أن يكون حجم العضلات كبيراً، وهذا يؤدي إلى استهلاك أعلى من الأكسجين، كما يكون حجم البطين الأيسر كبيراً، وكذلك حجم كتلة عضلة القلب، وهذا النوع من الرياضة يتطلب ارتفاعاً في ضربات القلب، وضغط الدم وكمية الدم الذي يضخه البطين الأيسر، مع ازدياد سعتها عندما تكون في نهاية فترة استرخائها الى جانب زيادة في الاستهلاك الأقصى للأوكسجين (VO2 max).

ب. الجهد البدني الساكن (Static Exercise)

وهذا النوع من الرياضة يتطلب زيادة قليلة في الاستهلاك الأقصى للأوكسجين، وضربات القلب والناتج القلبي (Cardic Output)، دون أن يحدث أي تغيير في سعة البطين في نهاية فترة الاسترخاء، مع حدوث تضخم لعضلة البطين الأيسر.

قلب الرياضي

من الثابت أن أهم علامات التأقلم على مزاولة المجهود المنتظم، هو ما نراه في القلب والدورة الدموية بشكل عام، إذ يُحْدِثُ تضخما ملحوظا في عضلة القلب، وهذا ما قد يخطئه طبيب الفريق، فيعزو هذا التضخم إلى أسباب مرضية، ذلك أن هذا التضخم ينسب مباشرة لشدة المجهود البدني، سواء أثناء التدريب، والتعود على ممارسة نوع محدد من الرياضة، ولكن هذا التضخم يبقى فسيولوجيا وليس لأسباب مرضية، وعليه يبدأ في التلاشي مع التوقف من ممارسة الرياضة، حتى يرجع القلب إلى حجمه الطبيعي. ومن المهم التمييز بين تضخم القلب الفسيولوجي والمرضي، حتى لا يمنع الرياضي ذو القلب المتضخم من ممارسة الرياضة نتيجة تشخيص خاطئ بأنه يعاني من أسباب مرضية.

أسباب الموت المفاجئ عند الرياضيين
تنحصر أسباب الموت المفاجئ عند الرياضيين نتيجة لتوقف القلب في أربعة أو خمسة أسباب هي:

1- اعتلال عضلة القلب التضخمي.
إن التمييز بين هذا النوع من التضخم والتضخم الفسيولوجي قد يكون، ولكن يمكن تأكيد وجود اعتلال عضلة القلب التضخمي من خلال التقصي في التاريخ الصحي للرياضي، والكشف الطبي وتخطيط القلب، وتخطيط صدى القلب.
إن أهمية التعرف على اعتلال عضلة القلب التضخمي، يكمن في أن هذا النوع من الاعتلال أكثر أسباب توقف القلب المفاجئ، إذ يسبب من 1 إلى 5 من حالات توقف القلب المفاجئ بين الذين يمارسـون الرياضة التنافسية، وقد يكون الموت المفاجئ هو الفرصة الأولى لاكتشاف وجود هذا النوع من الاعتلال في عضلة القلب.

أثبتت الدراسـات في طبيعة اعتـلال عضلة القلب التضخمي وجود عوامل جينية تتحكم في احداث الاعتلال، حيث يكون هناك خلل في البروتينات القابضة لعضلة القلب. ولعل سبب الوفاة يكمن في أنه إما بسبب انسداد ضخ الدم من البطين، أو اضطراب النظام في ضربات القلب، وتحدث الوفاة في أكثر الاحيان في فترة ما بعد الظهر أو الساعات الأولى من المساء، وهما الفترتان اللتان تكثر فيهما ممارسة الرياضـة.

2- تشوهات شرايين القلب

تسبب هذه التشوهات حدوث (12-14%) من حالات التوقف المفاجئ للقلب، وأكثر تشوهات شرايين القلب هي التشوه الذي يحدث عند مخرج شريان القلب الرئيسي الأيسر، ما يتسبب في انخفاض تروية عضلة القلب، أثناء القيام بالمجهود البدني، ولعل السبب في ذلك هو الضيق الذي يحدث للشريان.

3. الارتجاج القلبي
الارتجاج القلبي من الأسباب نادرة الحدوث كمسبب لتوقف القلب المفاجئ عند الرياضيين، في وقت يكون فيه تكوين القلب العضوي وخصائصـه سليمة من دون خلل أو علة، وعادة ينتج الارتجاج القلبي من ضربة شديدة على الصدر في منطقة القلب تحدث بارتطام كرة أو مضرب بهذا الجزء من الصدر، على أن يكون توقيت الضربة أثناء فترة التناثر الكهربائي للدورة القلبية، ويؤدي ذلك إلى اضطراب النظم في ضربات القلب، وربما يصاحب ذلك اضطراب التروية الدموية التاجية، أو الدورة الدموية بشكل عام، ونادرا ما يلعب الإنعاش القلبي السريع في إنقاذ حياة المصاب.

4- بعض الاسباب نادرة الحدوث؛ وتشمل اضطرابـات النظم فـي انقباض البطين الايمن، وتصلب شـرايين القلـب، واستخـدام العقاقير المنشطة، وانفجار الأبهر، والتهاب عضلة القلب، وتشوهات صمامات القلب. كما أنه قد يحدث توقف القلب المفاجئ عند أفراد ليس في قلوبهم أي دليل لوجود أي علة أو خلل.

طرق الوقاية
من الضروري أن يخضع الرياضي للكشف الطبي، بما في ذلك اختبارات مفصلة للقلب والدورة الدموية، وذلك قبل انخراطه في التدريب أو الرياضة التنافسية، وهنا يجب إضافة حقيقة مهمة، وهي أن الدراسات الميدانية التي أجريت على الرياضيين من الشباب والتي شملت تخطيط القلب وتخطيط صدى القلب بالإضافة إلى التاريخ الطبي للرياضي، أثبتت سلامة الجهاز الدوري والقلب عند الأكثرية العظمى من الشباب الرياضيين. أما تلك الدراسات المماثلة التي أجريت على الرياضيين الذين تلقوا تدريبا عاليا، فقد ظهرت علامات تدل على اعتلال ناتج من التضخم الفسيولوجي للقلب والذي أشرنا له آنفاً.

أما العقبات التي تعترض الكشف عن العلة والضعف في جهاز الدورة الدموية والقلب، فتتمثل في ضعف مقدرة الاختبارات التشخيصية الحالية للتنبـؤ بإمكانية حدوث التوقف المفاجئ للقلب. وكذلك الصعوبات الناتجة من ندرة حدوث توقف القلب المفاجئ، والتكاليف الباهظة لإجراء الاختبارات، حيث اتضح أنه يجب فحص 200 ألف من الرياضيين الشباب لإثبات حالة واحده لديها عوامل الخطورة، لحدوث توقف القلب المفاجئ.

القرار السليم
يطرح بعض علماء فسيولوجيا الرياضة تساؤلاً مفاده: ماذا لو أثبتت الاختبارات الطبية وجود علة في القلب أو الدورة الدموية للرياضي؟ والرد على هذا السؤال جاء في توصيات مؤتمر باتيسدا السادس والعشرين، والذي خلص إلى التوصية بالخطوات التي يجب اتباعها للوصول إلى قرار نهائي في انخراط اللاعب في الرياضة التنافسية أو استمراره فيها أو الإعفاء منها:

إذا أثبتت التحاليل وجود اعتلال عضلة القلب المتضخم، فلا يسمح للاعب ممارسة أي رياضة تنافسية، وقد يسمح له بمزاولة التمارين الخفيفة. وإذا وجدت تشوهات في قلب الرياضي فيعتمد ذلك على مدى هذه التشوهات، فإذا كانت خفيفة يسمح للاعب مزاولة مختلف أنواع الرياضة الخفيفة، على أن يجرى التقويم الطبي للاعب على فترات، للوقوف على آلية عمل الدورة الدموية، واحتمال تغيير شدة التشوهات في القلب.
وإذا كانت هناك تشوهات في الشريان التاجي أو فروعه الرئيسية، فيجب منع اللاعب من مزاولة أي نشاط رياضي تنافسي. أما إذا تم علاج هذه التشوهات جراحياً، فينظر في انخراط اللاعب في الرياضة، إذا لم يثبت وجود أي قصور في تروية القلب بعد إجراء اختبار الجهد البدني.

خلاصة
إن الوقاية من توقف القلب المفاجئ عند الرياضيين، مازالت تنتظر كشف النقاب عن الكثير من المعلومات، أبرزها مدى الانتشار الحقيقي لهذه العلة في المجتمع وأسبابها، ومدى انتشارها بين الأصحاء من الرياضيين وغيرهم، وإيجاد وسائل طبية فعاله للكشف عن المخاطر التي تؤدي إلى حدوث توقف القلب المفاجئ قبل السماح للاعب بالانخراط في أي نوع من أنواع الرياضة. وفي غياب تلك المعلومات، تبقى الحاجة ماسة لتوفير وسائل الإنعاش القلبي السريع والفعال تحت أيدي متخصصين للتدخل السـريع عند حدوث توقف القلب المفاجئ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى