رأي

الجبل والتاريخ ..وحادثة قبر شمون!

لا يمكن مقاربة الحادث الدامي الذي شهدته منطقة الشحار الغربي في قبر شمون الأحد الماضي ،من دون العودة الى التاريخ ،وما يختزنه من إرث سياسي وديموغرافي واجتماعي.
اثر الاضطرابات التي حصلت في لبنان بين المسيحيين والدروز بتشجيع من الأوروبيين والمصريين قبيل منتصف القرن التاسع عشر(1840)،  اقترح مستشار النمسا الأمير كليمنس فون مترنيش على العثمانيين، تقسيم لبنان إلى قائم مقاميتين، بحيث يحكم الامراء الدروز المناطق الجنوبية المختلطة ،ويعيّن العثمانيون حاكما مسيحيا للمناطق الشمالية ذات الأغلبية المسيحيّة.
وانتهى هذا التدبير بقيام نظام المتصرفية عام 1861 اثر المجازر بين الدروز والموارنة.ومنذ ذلك الحين ،ظل جبل لبنان بقسميه الجنوبي والشمالي محكوما بهذه المعادلة ،على الرغم من اعلان لبنان الكبير ونيل البلد استقلاله عام 1943 ،وعلى الرغم من أن الجبل الجنوبي بات ذا أكثرية مسيحية يعبر عنها حجم النواب المسيحيين الأكثر عددا في البرلمان اللبناني(عشرة نواب مسيحيين في مقابل خمسة للدروز).
ظلت الزعامة الدرزية حاضرة في جبل لبنان الجنوبي ،لا سيما في قضائي الشوف وعاليه ،وكان التفوق واضحا فيها للزعامة الجنبلاطية ودارة المختارة .وكانت كلما اهتزت هذه المعادلة وحاول الزعماء المسيحيون استعادة حضورهم القوي في هذه المنطقة،يحل التوتر والاضطراب.والنماذج كثيرة.
في الخمسينيات فرض رئيس الجمهورية كميل شمعون (إبن دير القمر) حضوره في الجبل الجنوبي ،وكانت انتخابات 1957 التي أخفق فيها الزعيم الراحل كمال جنبلاط، شرارة الاحداث التي انفجرت عام 1958 ،على الرغم من أن الثورة اتخذت طابعا قوميا عربيا.ولم تستقر الأمور الا باستعادة الزعامة الجنبلاطية حضورها القوي في المنطقة ،لكنها تركت ندوبا في العلاقات المسيحية الدرزية ،تظهرت أكثر فأكثر مع إغتيال كمال جنبلاط عام 1978 ،وما أعقب ذلك من انفعالات أودت بحياة الكثير من المسيحيين .
الا أن قمة التوترات حصلت بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 ،حيث لعبت اسرائيل بالجبل الجنوبي لعبة خطيرة ،ومهدت الطريق لفتنة كبرى بين الدروز والمسيحيين ،وكان ما كان من فتن وحروب وعمليات قتل وتهجير ،غلّبت العنصر الدرزي على الجبل الجنوبي،وبأرجحية جنبلاطية واضحة.
اليوم يحاول التيار الوطني الحر بزعامة جبران باسيل إعادة الحضور المسيحي الفاعل الى الجبل الجنوبي .ليس مهما الطريقة والأسلوب والكلام الذي يستخدمه باسيل في خطابه السياسي أينما حل ،المهم أن مجرد النية تستفز الزعامة الجنبلاطية وهي في أسوأ ظروفها السياسية .
ليس صحيحا أن وليد جنبلاط يخشى خصومه في الطائفة الدرزية ،ولا يستفزه أو يستنفره حضور طلال أرسلان أو وئام وهاب في مناطق نفوذه.وليد جنبلاط يشعر اليوم بالعزلة وهو يعتبر نفسه رابع السيبة الثلاثية المارونية السنية الشيعية التي تتخذ القرارات الكبرى والصغرى في البلد.خلافه ليس خافيا مع الزعيم السني الأقوى والمقرر رئيس الحكومة سعد الحريري،ولا مع التيار الماروني الأقوى برئاسة جبران باسيل ،ولا مع الحزب الشيعي القوي.وحده الرئيس نبيه بري يحاول لملمة خلافات وليد جنبلاط ،لكن الأحداث تسبق اللملمة.ومن البديهي أن الشعور بالعزلة يدفع الى التصعيد ،ولو عبر تغريدات يومية تؤدي الى تسخين الأجواء .وكان من البديهي أن يتحول التصعيد السياسي الى توترات شعبية ثم أمنية ودموية كما حصل في الشحار الغربي .لم يكن ينقص ذلك سوى الشرارة ،وكانت الشرارة في زيارة باسيل الى عاليه ومنها الى الشحار الغربي.
في نظام سياسي طائفي يقوم على تقاسم الحصص ومناطق النفوذ ،لن يتقبل جنبلاط أن يقاسمه أحد زعامة الجبل الجنوبي،خاصة الشوف وعاليه .وقد كان أكرم شهيب صريحا جدا وواضحا جدا عندما قال موجها الكلام لباسيل "إن البيوت تدخل من أبوابها"(وبابها الأول وليد جنبلاط)،وسط حديث عن وجوب احترام التوازنات.
إن أخطر ما أفرزته أحداث قبر شمون ،وما يمكن أن تفرزه ،هو تكريس مناطق نفوذ مغلقة لكل طائفة من الطوائف ،بحيث يحتاج السياسيون، ولا حقا الناس العاديون، الى تأشيرة دخول الى هذه المناطق.وإلا كيف يمكن تفسير بعض المعارضة الطرابلسية لزيارة رئيس التيار الحر الى عاصمة الشمال.ساعتئذ سوف يتحول لبنان من فيدرالية مقنعة الى فيدرالية موقعة بخاتم النظام الطائفي . 
إن واقع البلد لا يحسد عليه وهو يحاول جاهدا الخروج من أزماته ومشاكله التي لا تعد ولا تحصى.في الخلاصة ،واهم من يعتقد أن الذنب ذنب وليد جنبلاط وحده ،أو ذنب جبران باسيل وحده.إنه ذنبنا جميعا ،لأننا ما زلنا "نتشتش" هذا النظام الطائفي اللعين،ونحرص على استمراريته وديمومته،وهو يأكل يوميا من خبزنا وتعبنا وأمننا ومن مستقبل أولادنا جميعا.فمن يعاشر هذا النظام ويحضر السوق الطائفي عليه أن يبيع ويشتري.
إنه ذنبنا جميعا ،سياسيين واقتصاديين ونخبا ومؤمنين وملحدين وعلمانيين، وشعبا يساق كالأغنام الى مذابح الانتخابات.وعليه ،لا يتأففن أحد من واقعنا وأحوالنا التي سوف تستمر على ما هي عليه الى ما شاء الله، ما دام هذا النظام يعشعش في جنباتنا.ومن يعش ير.. والسلام على من اتبع الهدى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى