البجعة السوداء” التي تقض مضاجع أمريكا والكيان الصهيوني (احمد حوماني)

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
عدد كبير من القوانين الطبيعية التي نأخذها كمسلمات هي في الواقع ناتجة عن عملية استقراء للواقع. فالعالم أو الفيلسوف يدرس أو يلاحظ موضوعاً ما على مدار فترة طويلة من الزمن. فإذا تكررت النتيجة نفسها لفعل ما، فيبني عليها نظريته العلمية. وتختلف وجهات نظر الفلاسفة والعلماء حول سؤال إذا ما كان الاستقراء ينتج علماً واقعياً، لكن الكل يتفق على أن بناء النظرية يحتاج إلى استقراء وملاحظة موضوع ما لفترة طويلة. أما تفنيد وتكذيب النظرية فيحتاج فقط إلى مخالفة واحدة.
والمثال المشهور عن ذلك هو ما يسمى بنظرية “البجعة السوداء”. وقد استُمد المصطلح من الاعتقاد القديم السائد في أوروبا بأن كل طيور البجع بيضاء اللون، نظراً لعدم مشاهدة أي لون آخر لعصور طويلة. لكن هذا المفهوم تغير كلياً في القرن السابع عشر بعد اكتشاف البجع الأسود في أستراليا، مما أثبت خطأ القاعدة المطلقة، وجعل رؤية بجعة سوداء رمزاً للحدث المفاجئ الذي يقلب التوقعات. وقد وصف النظرية الكاتب اللبناني الأصل نسيم نيكولاس طالب في كتابه “البجعة السوداء”، وطبقها على أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، والأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم في العام 2008.
في السياسة نذكر ما نُقل عن رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق آرييل شارون، عندما كانت المقاومة في غزة تقصف المستوطنات المحيطة بها بالصواريخ في العام 2001. يومها رفعت قيادة الأركان الصهيونية خطة لإنهاء عمليات القصف بشكل جذري. وفي اجتماع المجلس الوزاري شرح قائد الأركان تلك الخطة بتفاصيلها، وقد أقنع الجميع بصوابيتها وفعاليتها. لكن شارون صاحب الخبرة العسكرية الطويلة، وبعد أن أشاد بالخطة، سأل رئيس الأركان: ماذا لو قمت بتنفيذ هذه الخطة بحذافيرها ونجحت في ذلك، وفي اليوم التالي لانتهاء العملية قامت إحدى الفصائل الفلسطينية بضرب صاروخ واحد على إحدى المستوطنات؟ هنا تبددت الحماسة للعملية. لقد أضاء لهم شارون على “البجعة السوداء” التي لم يشاهدوها. إن نظرية إنهاء القصف تحتاج إلى الجهد الكبير والعمل المتواصل لتحقيقها، لكن صاروخ واحد يمكنه أن يسقط كل هذه الخطة.
تبدو الأمور شبيهة لما يجري حالياً من حروب في المنطقة. فإن الكثير من الأهداف التي وضعتها أمريكا والكيان الصهيوني يمكن نسفها بفعل واحد وبسيط. فما يتبجح به ترامب يومياً من تأمين الملاحة وحركة السفن في مضيق هرمز، يسقط مع إصابة صاروخ إيراني لناقلة نفط واحدة. وهذا الأمر تدركه كل الدول التي طلب ترامب مساعدتها في تأمين فتح المضيق. فالكل يعلم أنه لو حضرت عشرات القطع البحرية العسكرية لفتح المضيق وبمواكبة يومية، فإن كل ذلك الجهد يسقط بمجرد إصابة ناقلة واحدة. لذا نجد أن الجميع ربط مشاركته بعملية تأمين المضيق بوجود اتفاق مع إيران.
وقياس ذلك ممكن على كثير من النقاط في الحرب على إيران. فمهما علا صوت ترامب وقادة الدول العربية بالقدرة على توجيه ضربات قاسية لإيران، فإن صاروخ واحد أو طائرة مسيرة إيرانية تضرب مركزاً أو قاعدة أو عاصمة في تلك الدول، سوف يهدم كل ما بنوه من نظريات الأمن في المنطقة.
في اليمن حصل الأمر نفسه. فبالرغم من الضربات القاسية التي تعرض لها اليمن من البحرية الأمريكية والطائرات الصهيونية لثنيه عن مساندة غزة، فإن صاروخا يمنيا واحدا سقط أو يسقط في الكيان، أو طائرة مسيرة يمنية تضرب في إيلات، تهدم كل نظرياتهم في ردع اليمن عن المساندة.
في لبنان لن يختلف الأمر عن ذلك. فبالرغم من كل الدمار والقتل والإعلان عن أن المستوطنات أصبحت آمنة، أو أن المنطقة الصفراء المحتلة قد تم تأمينها، فإن تفجير عبوة بقوة صهيونية، أو ضرب صاروخ واحد لإحدى المستوطنات، أو قصف طائرة مسيرة لمركز صهيوني عسكري في داخل فلسطين المحتلة، سينسف كل هذه المنظومة الأمنية التي يتغنى بها نتنياهو ووزير دفاعه ورئيس أركانه. وتعود بالجميع إلى نقطة الصفر كما يقال.
ولو سلمنا بهزيمة المقاومة وخسارتها، وحتى لو قلنا بتسليم سلاحها، وأن السلطة في لبنان قد رضخت لكل الشروط الصهيونية، فكل ذلك لن يجلب الأمن لمستوطنات العدو الصهيوني. لأن كل ذلك مبني على وهم، وهو أن لا أحد سيضرب المستوطنات لاحقاً. لكن هذه الاستراتيجية ستسقطها ضربة صاروخ قديم، وبتقنية بدائية وبسيطة. ولا أحد يضمن أنه لن يحصل ذلك. فمفهوم “البجعة السوداء” سيبقى هاجساً يلاحق كل المستوطنين عدا عن القادة الصهاينة.
هذا الأمر لا يغيب عن تفكير القادة الصهاينة، لذلك لا يقدمون أي تنازل في مفاوضاتهم المباشرة مع السلطة اللبنانية. لأنهم يعرفون أنها غير قادرة على تنفيذ ما قد تتعهد به. وهم يجهدون لإعلان المقاومة استسلامها، علّ ذلك يهدأ من هواجسهم وخوفهم من سقوط كل ما فعلوه خلال السنوات الثلاث الماضية بضربة واحدة. تُفشل مشروعهم، وتعرّيهم أمام مستوطنيهم. ولهذا أيضاً يسعون إلى وضع الجيش اللبناني تحت إمرتهم العسكرية، سواء بالمفاوضات المباشرة، أو عبر قوات أوروبية، أو دولية يستقدمونها خلال الأشهر المقبلة.
وهنا يُسجل لقيادة الجيش اللبناني وعيها لهذا المخط الصهيوني الأوروبي الأمريكي. فهي ترفض العمل المباشر مع الجيش الصهيوني، وتربط التعاون مع أي قوات أوروبية أو دولية، بأن تكون هذه القوات تحت مظلة الجيش اللبناني وليس فوقها.
لن يكون هناك هدوء فعلي في المنطقة، إلا بالاتفاق مع إيران والمقاومة في لبنان. وستسقط كل محاولات فرض الأمن بالقوة. وقد لخصها المبعوث الأمريكي إلى سوريا ولبنان توم براك بقوله: “إن المفاوضات والتسويات الجادة في لبنان لن تنجح، ولن تحقق أي حل دائم في ظل غياب حزب الله وإيران عن طاولة المفاوضات”.
ويبقى السؤال: من سيطلق “البجعة السوداء” من قفصها؟ ومتى؟



