الانتقائية في مزاد النسوية…(ريما فرح)

كتبت د.ريما فرح – الحوارنيوز
منذ حلقة “صار الوقت” الخميس الفائت، انطلقت بعض الصفحات والمنصات في حملة على الوزيرة تمارا الزين، متدثّرةً هذه المرة بالنسوية، وكأن الدفاع عن المرأة يصبح حقًا حصريًا لمن يملك منبرًا ويستطيع أن يرفع صوته أكثر.
لكن النسوية، قبل أن تكون شعارًا أو مزادًا أخلاقيًا، هي انحياز للحق. والدفاع عن امرأة لا يكون بالتجني على امرأة أخرى، ولا بتحوير كلامها، ولا باجتزاء صورة أو ضحكة من سياقها ثم بناء رواية كاملة عليها.
انطلقت الحملة حين تبرعت اعلامية طبعت ذاكرة غالبية اللبنانيين بدموعها وهي تنقل مشاهد مجزرة قانا، فوصفت جلوس الوزيرة “كالتلميذة” واعتبرته مادةً للعتب والتحقير. وكأن التلميذ صفة تنتقص من الإنسان! فيما يكون التلميذ، هو من يختار أن يتعلم على سبيل نجاة، لا على سبيل انتفاخ الذات.
أما المنصة التي قُدّمت لنا يومًا باعتبارها منصةً لكشف المستور، فقد اختارت هذه المرة أن تمارس بالضبط ما يفترض أن تكشفه: الاقتطاع والتضليل حين اقتطعت ضحكة للوزيرة من سياق آخر لا علاقة له بالمشهد، ثم ألصقتها، في تقريرها، بالكلام الذي اعتبرته “إهانة لامرأة”.
للأسف هذه ليست صحافةً ولا دفاعًا عن المرأة. هذا إعادة تركيب للوقائع لخدمة رواية أخرى جاهزة.
فمن شاهد الحلقة كاملة يعرف أن الوزيرة لم تدخل أصلًا في المعركة التي حاولتم اختراعها لها. جاءت لتناقش ملفاتها، وتحدثت في ما يعنيها، ولم تكن تلك الضحكة في السياق الذي صنعتم منه فقّاعة للتضليل.
فإذا كان الفيديو يحتاج إلى عملية مونتاج كي يصبح اتهامًا، فالمشكلة ليست في الوزيرة، بل في الرواية التي تحاولون تسويقها.
وبعدها كرّت جوقة الطبالين المعتادة ملتحقة بالمشهد، والتي لا يفوتها حدث دون أن تحجز لنفسها مقعدًا فيه، ولو لم يكن لها في أصل الحكاية لا قول ولا دور…
غريب، أين كانت هذه الحمية النسوية ومحاكمكم الأخلاقية عندما عمدت منصات وصفحات للتشهير والتنمر والتحقير بنساء يعملن في الشأن العام؟
أين كانت عندما جرى التعرض لوزيرات حاليّات بسبب زواجهن من رجال من طوائف أخرى؟
أين كانت عندما أصبح لون شعر ريما كرامي مادةً ولكنة لورا لحود مادة للسخرية، وعندما كانت الوزيرة تمارا الزين نفسها هدفًا للتجريح؟
أين كانت عندما تحوّل مظهر النائبة نجاة صليبا إلى مادة للتنمر؟
وأين كانت عندما تجاوز الكلام حدود النقد إلى المسّ بأعراض بعض امهات مسؤولين وانتهاك حرماتهن وبيوتهن؟
هل تُقاس النسوية أصلاً، في ضجيج المنصات، أم في ما تفعله المرأة للنساء؟
لأن نسوية الدكتورة تمارا الزين لا تحتاج إلى شهادة من أحد، ولا إلى مزايدات من منصات التواصل. هي نسوية تُقاس بأفعالها، بدعم مئات الباحثات وطالبات الدكتوراه، وبالعمل على تعزيز حضور النساء في البحث العلمي، وبإنشاء المرصد الوطني للمرأة في الأبحاث، بما يجعل تمكين النساء في العلم والمعرفة ممارسةً مؤسسية لا مجرد شعار.
هناك نسوية تُبنى بالفرص، وبفتح الأبواب أمام النساء، وبإسناد من مسيرتهن العلمية والمهنية. وهناك نسوية تُختزل في صفصفة الكلام، ورفع الصوت بإسناد من تجاوزات ومحسوبيات..
والفرق بين الاثنين أن الأولى تُغيّر حياة النساء، فيما الثانية تكتفي بالضجيج حولهن.
بالله عليكم، اتركوا النسوية خارج معارككم المشخصنة. فالنسوية لم تولد لتكون عصًا في الخصومات، ولا مطرقةً أخلاقية تُرفع انتقائيًا في وجه من لا يعجبكم. فهي ولدت في جوهرها كمعركة من أجل العدالة والكرامة والمساواة والحق، لا كأداة لتصفية الحسابات ولا كغطاء لتحوير الوقائع.
إن أخطر ما تفعلونه بالمرأة ليس فقط أنكم تظلموها، بل أنكم تحوّلوان قضيتها إلى أداة.
فحين تُستدعى حقوق النساء عند الحاجة، وتُنسى عند تعارضها مع المصالح، لا تكونون قد انتصرتم للنسوية؛ بل أفرغتموها من معناها.
فالانتقائية في الدفاع عن المرأة ليست نسوية، والتلاعب بالوقائع ليس دفاعًا عن المرأة.
أما التشهير بامرأة تحت شعار الانتصار لامرأة أخرى فهذا ليس انتصارًا لأحد، بل هزيمةً لكل النساء.
أما إقحام النسوية فقط حين تتقاطع مع مصالحكم فهو لإقحام مكشوف ومكشوف…
أما تمارا الزين، فلن تخوض معاركها وفق مزاجكم، بل وفق ما تراه حقًا، وما تراه باطلًا، مسترشدةً بقول المسيح: “وتعرفون الحق، والحق يحرركم”.
وهذا، تحديدًا، ما يبدو أنكم لا تحتملونه.
ريما فرح



