الإيرادات تتآكل والإنفاق يتضخم.. هل تصمد الليرة اللبنانية؟ (عماد عكوش)

كتب د.عماد عكوش – الحوارنيوز
لا يمكن الحكم على صمود الليرة اللبنانية من خلال أرقام الموازنة وحدها ، فسعر الصرف في لبنان يتحدد بمزيج معقد يضم العرض والطلب على الدولار ، وتدخلات مصرف لبنان ، وثقة السوق ، وحركة التحويلات ، ودرجة الدولرة السائدة . ورغم ذلك تظل الموازنة العامة المرآة الأوضح لضغط الإنفاق العام على الاستقرار النقدي والاحتياطي.
وفي الفترة الممتدة نحو عام 2026 ، تجاوزت موازنة الدولة حاجز الـ 6 مليارات دولار قرابة 538 تريليون ليرة لبنانية إيرادات ونفقات متوازنة على الورق . ومع ذلك فإن هذا الحجم الأكبر نسبياً مقارنة بسنوات الشلل المالي المطلق ، يصطدم بواقع اقتصادي هش ، وإيرادات تعتمد بشكل مفرط على الاستهلاك ، ونفقات جارية تلتهم الرواتب والأجور الحصة الأكبر منها.
تُظهر القوانين والأرقام الرسمية لموازنة عام 2026 استقراراً شكلياً أو توازناً بين الإيرادات والنفقات عند مستوى يقارب 538 تريليون ليرة لبنانية ، أي ما يعادل نحو 6 مليارات دولار وفق سعر الصرف المرجعي المعتمد بـ 89,500 ل.ل للدولار . هذا الرقم يمثل قفزة قياسية بالليرة مقارنة بالسنوات السابقة ، حيث كانت الموازنات تدور في فلك تريليونات أدنى بكثير ، مسجلة نمواً بنحو 21% مقارنة بموازنة عام 2025.
لكن هذه الموازنة البالغة حوالي 6 مليارات دولار تكشف مفارقة هيكلية ، فبالرغم من خروج الدولة من مرحلة الموازنة الصغرى التي كانت تقل عن مليار دولار ، إلا أن حجم الـ 6 مليارات دولار يظل ضئيلاً للغاية مقارنة بحجم الانهيار الشامل والفجوة المصرفية التي تتجاوز عشرات مليارات الدولارات ، مما يجعل أي صدمة إضافية في الإيرادات أو تفلت في الإنفاق عبئاً ثقيلاً يهدد الاستقرار المالي والنقدي المكتسب.
ان اي قراءة يجب ان تاخذ بعين الاعتبار بأن إيرادات الدولة المقدرة بنحو 6 مليارات دولار تعتمد بشكل أساسي على الضرائب غير المباشرة ، حيث تستحوذ الإيرادات الضريبية على أكثر من 81% من إجمالي المداخل . وتتصدر الضرائب على السلع والخدمات وعلى رأسها الضريبة على القيمة المضافة TVA والرسوم الجمركية الحصة الكبرى من هذه الجباية. هذا يعني أن العبء الضريبي يقع مباشرة على عاتق المستهلك والمواطن في حركة الاستهلاك اليومية ، وليس على الأرباح الكبرى أو الثروات . كما تواجه هذه الإيرادات تحديات مزمنة تتمثل في التهرب الضريبي ، والتهريب ، وغلبة الاقتصاد النقدي (Cash Economy) .
أما على صعيد النفقات ، فتتوزع الاعتمادات بشكل رئيسي على القطاعات الحيوية والأجور ، حيث يستهلك قطاع الرواتب والأجور وملحقاتها ، إلى جانب الإنفاق العسكري والأمني مثل وزارتي الدفاع والداخلية والتعليم ، الحصة الأجسم من موازنة الـ 6 مليارات دولار . وعملياً جاء التوازن في موازنة 2026 شكلياً عبر تعظيم الجباية الضريبية الموسمية ومحاولة ضبط الإنفاق الاستثماري الذي لا يزال يشهد نسباً ضئيلة جداً مقارنة بالإنفاق الجاري.
لكن مطالب العاملين في القطاع العام والمتقاعدين ليست ترفاً وسط الانهيار المستمر للقدرة الشرائية ، وهي تمثل التحدي المالي الأبرز لموازنة الـ 6 مليارات دولار . فمع تركز النفقات على الرواتب والأجور ، فإن أي توسع إضافي في تصحيح الأجور أو ربطها بمسارات تصاعدية دون موارد حقيقية مستدامة ، سيعني حتمًا عجزاً إضافياً . وإذا عجزت الإيرادات عن تغطية هذه الأعباء ، ستجد الحكومة نفسها أمام خيارات حرجة: إما فرض مزيد من الضرائب التي تخنق ما تبقى من الحركة الاقتصادية ، أو اللجوء إلى التمويل النقدي أو استنزاف الاحتياطي ، وكلها مسارات تقوض قيمة الليرة فوراً.
في ظل هذه المعطيات يظل التحدي الأكبر خارج جدران الموازنة الرسمية ، متمثلاً في معالجة ملف الودائع المصرفية المفقودة التي تقدر بعشرات مليارات الدولارات من أصل نحو 170 مليار دولار قبل الأزمة . إن احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية القابل للاستخدام يظل محدوداً للغاية ولا يملك القدرة على تحمل التزامات رد الودائع نقداً. ان أي محاولة لرَد أجزاء من الودائع أو التعويضات بالدولار المباشر وهو حق للمودعين ، من الاحتياطي وبأرقام كبيرة في نفس الوقت ودون خطة مدروسة ستؤدي إلى استنزافه بشكل مأساوي في فترة وجيزة ، وهو ما ينسف توازن سعر الصرف الحالي البالغ نحو 89,500 ل.ل ويطلق صدمة ثقة قاسية تخرج الأمور عن السيطرة.
ان سيناريوهات صمود الليرة في ضوء الموازنة الحالية يمكن ضمن سيناريوهات محددة حيث يمكن ان يستقر سعر الصرف لليرة حالياً حول 89,500 ل.ل للدولار بفعل توازنات دقيقة تشمل تحويلات المغتربين ، والطلب الإلزامي على الليرة لتسديد الضرائب والرسوم ، وتدخلات مصرف لبنان ، وغياب الصدمات السياسية الكبرى . وبناءً على واقع موازنة الـ 6 مليارات دولار وبنيتها الهشة ، تتدرج السيناريوهات المستقبلية على النحو التالي:
1. سيناريو الانضباط والتعافي المشروط: استمرار السياسة الضريبية الحالية مع ضبط النفقات الاستثنائية ، وتجنب طبع النقود ، وربط أي معالجة بتمويل خارجي أو إصلاحات جذرية ، وهو ما يبقي الليرة مستقرة نسبياً في نطاقها الحالي.
2. سيناريو العجز الممول وضغوط الأجور: إذا تفلتت نفقات الأجور وحدثت زيادات واسعة غير مغطاة بإيرادات حقيقية أو تم تمويلها عبر طباعة الليرة ، فإن الكتلة النقدية ستتضخم ليهبط سعر الصرف نحو مستويات أدنى تتجاوز 100,000 إلى 120,000 ل.ل.
3. سيناريو استنزاف الاحتياطي لملفات كبرى: إذا تم المساس بما تبقى من احتياطي العملات الأجنبية لتغطية التزامات مالية ضخمة أو تعويضات للقطاع المصرفي أو المودعين دون مظلة دعم دولية ، فسيشهد السوق صدمة ثقة قاسية تدفع سعر الصرف نحو مستويات قياسية غير مسبوقة.
في الخلاصة ، ان موازنة الدولة البالغة نحو 6 مليارات دولار تعكس حجماً اسمياً أكبر مقارنة بسنوات الشلل المطلق ، لكنها تبقى موازنة هشة لأنها تقوم على اقتصاد منكمش ، وجباية ضريبية مكثفة تعتمد على الاستهلاك ، وعجز مستتر عن معالجة الفجوة المصرفية وملف المودعين . ن صمود الليرة الحقيقي لا يتحدد بأرقام موازنة متوازنة ورقياً فحسب ، بل بإصلاحات هيكلية شاملة ، وتوحيد سعر الصرف ، وإرساء الشفافية المطلقة ، واعتماد حل عادل لودائع المودعين يقوم على تقاسم الخسائر بحكمة بعيداً عن استنزاف الاحتياطي النقدي المحدود.



