سياسةمحليات لبنانية

الأقلام في الصحافة لا تتقاعد!

     سألني صديق خلال لقائي به صدفة وأنا لم أجتمع به منذ سنوات عديدة بقوله: “ما شاء الله بعدك تتمتع بهمة الشباب… ألم تتقاعد بعد؟” وكان سؤاله باستغراب، وهو يعتبر أن من كان في عمري يجب أن يرتاح… و “ما فيها شيء ها الدنيا” فقلت له: سمعت الصحافي الكبير سعيد فريحة في محاضرة له “… أن الأقلام في الصحافة لا تتقاعد؟ وأكثر ما تأخذ الصحافة من جنودها: العمر، لا نصفه، ولا ثلاثة أرباعه، بل كله من غير هدنة ولا تقاعد…” تركني الصديق بعد هذا الكلام وانصرف.
      عدت إلى المنزل وتناولت نسخة من محاضرة سعيد فريحة أستعيد قراءتها وكانت بعنوان: “الصحافة بين الصناعة والالتزام” بدعوة من مجلس الطلبة في الجامعة الأميركية في العام 1972، والتي يقول فيها: “إن سلم الصحافة طويل لا ينتهي، كلما تسلقنا منه درجات ارتفعت درجات، وبات كل همنا أن نتقي السقوط، لا أن نبلغ القمة…
      إلى أن يقول: “… الصمود هو المعجزة التي يصنعها الجهد والإبداع واستباق الزمن، ويصنعها، وأكثر ما يصنعها، دم الشباب، وأحمد الله أنني أؤمن بدم الشباب.
      فمهما شاخت الصحافة تظل، او يجب أن تظل، شابة في عطائها، أؤمن بدم الشباب طاقة خلاقة تمد الصحافة بالعطاء الأبدي السرمدي، جيلا بعد جيل، تماما كما هي الحياة. والصحافة فكر وروح وحياة، قبل أن تكون حرفة أو صناعة…”
      وقال من ناحية أخرى: “… تهون الأعمار ومعها الجهد والعرق في سبيل صنع صحافة جيدة متطورة، لا تتهاون مع الظلم والفساد، ولا تتوانى عن تأدية واجباتها في جميع المجالات، وما أكثرها في هذه المهنة.
      فكما يطلب من الصحافة أن تكون حرباً على الطغاة والأشرار، كذلك يطلب منها أن تكون عوناً للطبقات المظلومة، ومصدراً للتوعية ومنبراً للحرية والنضال الوطني، وأحياناً وسيلة للترفيه وإشاعة الابتسام، أي أن رسالتها متعددة الجوانب والمسؤوليات…”
      وتساءل قائلاً: “… هل الصحافة صناعة، أم أنها صناعة تختلف؟” أجاب بالقول: “… أعتقد أن الأمر الثاني هو الأصح، فصناعة الصحافة شيء وأية صناعة غيرها شيء آخر…”
      إن الصحافة تستخدم الآلة لتعطي كل يوم مولوداً جديداً، وسائر الصناعات تستخدم الآلة لتعطي مولوداً واحداً لا يتبدل على كر الأيام والأعوام.
      فالصابون هو الصابون… والقنبلة الذرية هي القنبلة الذرية..
      قد يطرأ على الصناعات تحسين، ولكن الأساس يظل نفسه، وعبقرية الخلق تشع مرة واحدة.
      أما الصحافة فإن الخلق فيها مستمر ومتجدد مع كل صباح أو مساء أو أسبوع أو شهر…”
      وقال: “… كل شيء نراه على الأرض نستطيع أن نحتفظ به إلى حين، أو كل حين، ما عدا الصحيفة فإنها لا تكاد تولد وتبلغ ذروة الحياة خلال ساعات، حتى تتلاشى وتموت لتكون لها قيامة جديدة مع كل فجر جديد.. أي أن الآلة في الصحافة وسيلة للعطاء وليست مصدراً له.”
      بقي أن نقول أن سعيد فريحة كان أسطورة بشرية تجسدت في رجل عبقري، وسر عبقريته بساطة مقرونة بكفاح عنيد وموهبة بالغة التميز جعلته يفتح مدرسة في الأدب والصحافة وهو الذي لم يدخل مدرسة قط.
      كان سعيد فريحة صحفياً بكل ما في هذه الكلمة من معاني، الأسلوب السلس، السهل والممتنع الذي يعرف أن يلتقط الظرافة والطرافة ويبثها في ثنايا المقال فيصبح المقال شفافاً ممتعاً يريح القارئ ويسليه ويفيده.
      سعيد فريحة رجل عصامي صنع نفسه بنفسه وأقام “مملكة” صحيفة مزدهرة وازدادت بعد وفاته تقدماً ونمواً بهمة أبنائه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى