إقتصاد

نداء أممي لجمع 51,5 مليار دولار كمساعدات إنسانية للعام 2023 :أية عدالة إجتماعية؟

 

كتبت دانييلا سعد – الحوارنيوز خاص

 

“أية عدالة اجتماعية” عنوان لمقال سابق للخبير الاقتصادي الدكتور غسان ديبة نعيد نشره اليوم بالتزامن مع اطلاق الأمم المتحدة في ساعة متأخرة من ليل أمس “نداء من أجل جمع 51,5 مليار دولار،  للمساعدات الإنسانية في 2023 لإعانة 230 مليون شخص في جميع أنحاء العالم”، بحسب ما افادت وكالة “فرانس برس”.

وصرح مسؤول الشؤون الإنسانية في المنظمة الدولية مارتن غريفيث، أن “العام المقبل سيكون أكبر برنامج إنساني” يتم إطلاقه على مستوى العالم.

أي نظام اقتصادي عالمي مهيمن وتعيش في ظلاله شعوب الكرة الأرضية ينتج بالضرورة زيادة مضطردة للفقر حول العالم؟

وهل باتت الرأسمالية بمدارسها المختلفة، لاسيما التوفيقية، عاجزة عن تجميل الكوارث الانسانية وسياسات النهب ببعض العمليات الشكلية؟

ولماذا تصر الأمم المتحدة على لعب دور المعالج الانساني والتغطية على سياسات اقتصادية تنتهجها الدول الرأسمالية وتنتج المزيدمن الأزمات بما فيها الحروب وزيادة حجم المخاطر المهددة للكرة الأرضية بذاتها؟

تحت عنوان أية عدالة إجتماعية كتب الدكتور ديبة في العام 2015 يقول:  

 

أية عدالة إجتماعية

“إن حق العمل، في المنطق البورجوازي، هو تمنّي تقي بائس”

كارل ماركس

عندما دعيت لأكون مشاركاً في ندوة الأسبوع الماضي، في الذكرى السبعين لإنشاء الأمم المتحدة، في احتفال البيال حول موضوع «العدالة الاجتماعية»، تقصدت أن أطرح الموضوع منذ البداية في سياق النظام الرأسمالي وظاهرة تزايد عدم المساواة في الثروة والدخل في السنوات الثلاثين الماضية في الولايات المتحدة والعالم، بدلاً من أن أطرح الموضوع من الجوانب الأخلاقية والقانونية والإنسانية والفساد وما إلى ذلك من مقاربات تفصل بين مفاهيم وإمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية وبين سياق الأنظمة الاقتصادية.
فإذا أخذنا مفاهيم حق العمل وحق السكن التي يمكننا الحديث عنها حتى الثمالة، قد تبدو للوهلة الأولى بديهية، إذ يتساءل الكثيرون «أليس من حق الجميع أن يستمتعوا بهكذا حقوق؟»، ربما، ولكنها غير ممكنة ولا هي محققة في الدول الرأسمالية، التي نظرياً تعتمد العدالة فيها على المساواة في المشاركة في السوق وفي أفضل الأحيان على مبدأ تكافؤ الفرص وليس على العدالة في النتائج. والإجابة في الواقع المعيش تأتي من البطالة المستشرية في أوروبا معقل الرأسمالية بين الجميع وهي الأعلى بين الشباب. إذاً، فلندع الشباب الإسباني واليوناني والإيطالي يجيبوننا عن بديهية حق العمل (تبلغ البطالة بين الشباب في هذه الدول 49 و54 و44 بالمئة على التوالي).

“ثورة سياسية” لتحقيق التغيير الذي أساسه انتزاع السلطة من أصحاب المليارات

ذكرت في أحد تدخلاتي في الحوار أن وضع عدم المساواة (وبالتالي اللاعدالة) بلغ حداً في الولايات المتحدة بحيث أدى الى أن يكون ليس هو فقط بحدّ ذاته موضوعاً أساسياً على أجندة الانتخابات الرئاسية، بل إن أحد أهم المواضيع في الحوار المتلفز الأول بين المرشحين الديموقراطيين الذي جرى في 13 أكتوبر كان هو التفاضل بين الرأسمالية والاشتراكية. هذا الأمر يحدث لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة حيث تربت أجيال متعاقبة على العداء وحتى الخوف من كلمة الاشتراكية. اليوم المرشح الاشتراكي بيرني ساندرز ينافس هيلاري كلينتون ويسبق المرشح الجمهوري الأول الذي يشغل العالم دونالد ترامب بـ 9 نقاط مئوية!
لقد كان الجمهور في الذكرى مرتاحاً لهذا الطرح، فاليوم، وبعد 25 عاماً على انتهاء الحرب الباردة، لم تعد الاشتراكية مرتبطة بمعسكر سياسي ــ عسكري كما كانت، بل ترتبط بمقاربتها لتحقيق آمال الأفراد والشعوب في الرفاه والعيش وتحقيق الذات، والكثيرون يرون أن الرأسمالية بدأت تفشل في تحقيق هذه الآمال، إلا لقلة بدأت منذ ثلاثين عاماً تستولي أكثر فأكثر على الثروة وتحرم غيرها. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تجمدت الأجور، في حين تضاعفت حصة ثروة الـ 1% ثلاث مرات، وأصبحوا يمتلكون من الثروة بقدر ما يمتلك الـ 90% الأدنى من الناس. وهذا ينطبق، وإن بوتيرة أقل في بعض الأحيان، على أكثرية الدول الرأسمالية في العالمين المتقدم والنامي، وهذا التحول ليس محايداً، إذ في المقابل تحرم أعداد متزايدة، حتى من الطبقة الوسطى (فخر الصناعة الرأسمالية)، من التعلم والصحة والعمل، والسكن والدخل اللائقين وضمانات التقاعد المختلفة.

في استطلاع لمركز بيو للأبحاث في 2011، وهو من أهم مراكز استطلاع الرأي في الولايات المتحدة، تبين أن الألفيين الأميركيين (millennials ــ الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً) ينظرون بإيجابية أكثر الى الاشتراكية (49%) منها الى الرأسمالية (46%). كما أن استطلاعاً آخر هذا الشهر من قبل Yougov بيّن أن الديموقراطيين في الولايات المتحدة يفضلون الاشتراكية على الرأسمالية بعدما كانوا في أيار الماضي متساوين، حصل ذلك بعدما توسعت حملة ساندرز. وهذا يمتد حول العالم، وخصوصاً بعد أزمة 2008 حيث وضعت الرأسمالية على المحك والمساءلة ومقدرتها على الاستمرار. في هذا الإطار، ربما ضاع العالم وحتى الكثيرون من الصينيين وبعض اللبنانيين حتى في تفسير ما حدث في الصين منذ 1978 «هل هي رأسمالية بحتة، والصينيون بمن فيهم الشيوعيون ينتظرون الفرصة السانحة لإعلانها؟ أو «هل هي رأسمالية الدولة التي تستفيد منها حفنة من السياسيين الذين يتقنعون بلثام الشيوعية حتى إشعار آخر؟». هي لا هذه ولا تلك. اليوم، يقوم الحزب الشيوعي الصيني بإعلام وإفهام الجميع ومنهم الكثير من المنتمين الى الحزب بأن الماركسية هي الفكر المسير لبرامج الحزب والدولة السياسية والاقتصادية والقانونية وحتى الثقافية.
لم يطرح ماركس نظرية حول العدالة، لكنه أشار إلى الظروف التاريخية لتطور الإنسانية نحو مجتمع يحرر الإنسان من الشح الاقتصادي والاستغلال الطبقي والاغتراب المجتمعي والإنساني. وفي إطار حق العمل، قال ماركس في «الصراعات الطبقية في فرنسا» إن «حق العمل يتطلب السلطة على الرأسمال، وهذا يتطلب بدوره الاستحواذ على وسائل الإنتاج… ما يتطلب في النهاية إلغاء الرأسمال والعمل المأجور والعلاقة المتبادلة بينهما». اليوم، مؤشرات العدالة الاجتماعية تتراجع والشعوب وشباب القرن الواحد والعشرين يسحقهم الرأسمال المالي المعولم، ولكنْ أمامهم خيار وحيد أن يعيدوا إنتاج ثورة جديدة ضد هذا الرأسمال. حتى الولايات المتحدة، يقول ساندرز، بحاجة ليس إلى أقل من «ثورة سياسية» لتحقيق التغيير الذي أساسه انتزاع السلطة من أصحاب المليارات ولإعادة توزيع الدخل والثروة من أجل مجتمع أكثر عدالة، لأن أقل من ذلك، وحتى لو تغير النظام الضريبي لينال الأغنياء نصيباً أكبر منه، لن يحدث إلا تغيير طفيف في توزع الدخل والثروة. إذاً ترتبط بداية تحقيق العدالة الاجتماعية، حتى لا نخاطر بالسقوط في الشعبوية، بتحقيق ثورة نحو الاشتراكية والظروف الموضوعية، اليوم هو أفضل من تلك الأيام التي واجهها الذين أطلقوا شعلة الاشتراكية في القرن العشرين، هذه الشعلة التي قد تخفت أحياناً، إلا أنها لن تنطفئ لأن مستقبل العالم يعتمد عليها لتحقيق ما قال عنه ماركس بأنه البداية الحقيقية للتاريخ الإنساني، وعندها ستنتج مفاهيم جديدة للعدالة خارج إطار الحاجة الاقتصادية والمجتمع الطبقي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى