إقتصادطاقة

استيراد الغاز لتوليد الكهرباء: مشروع قديم يتجدد فما له وعليه؟!(غسان بيضون)

 

 

كتب غسان بيضون*- الحوارنيوز

  

برغم تعدد واختلاف مقارباتهم وطروحاتهم لمعالجة أزمة الكهرباء، يجمع الخبراء على أن لا بد من تنويع مصادر الطاقة اللازمة للإنتاج من أجل النهوض بالقطاع وخفض فاتورته وتقليص تأثيره على ميزان المدفوعات، والحدّ من تكلفته البيئية والصحية الناتجة عن استخدام المحروقات التقليدية السيئة، إن في معامل كهرباء لبنان أو مولدات الأحياء، ناهيك عن المغشوش منها بما تنتجه من انبعاثات مضرّة التزم لبنان باتفاقيات الحد منها. وكذلك هناك إجماع على تحقيق الاستقرار في تأمين التغذية، ومعه الحد الأدنى اللازم لتوفير الأمن الطاقوي والكافي لتحرير البلاد من مخاطر التهديد بالعتمة الشاملة بين وصول باخرة فيول وأخرى.

إن السؤال المطروح اليوم في ضوء الإعلان عن التوجه نحو إحياء مشروع استيراد الغاز المصري، المعروض اليوم على جدول أعمال وزارة الطاقة والمياه، هو حول ما إذا كان نجاحه وتحقيقه يكفي  لمعالجة ازمة الكهرباء برغم كل تلك المحاذير والتحفظات القائمة في الواقع بالمقابل.

بدايةً لا بد من التذكير بفترة النهوض الجدي بقطاع الكهرباء الواقعة بين انهيارين لليرة، والتي تحققت أواخر التسعينات، وارتكزت على تأمين زيادة إنتاج الكهرباء بقدرة 900 ميغاواط من خلال بناء معملين جديدين لإنتاج الكهرباء في موقعي دير عمار والزهراني مجهزين للعمل على الفيول كما على الغاز الطبيعي الأوفر، وكان أن استفاد لبنان من استجرار الغاز المصري خلال فترة لم تتجاوز السنة، حقق خلالها وفر مهم في تكلفة الإنتاج؛ ومن بعدها، توقفت مصر عن تزويد لبنان بالغاز لأسباب مالية في الظاهر، وبالفساد في خلفيتها وبدافع الطمع بالمنافع التي، كانت وما زالت، تتحقق من خلال آلية تلزيم استيراد المحروقات من النوعية السيئة بأسعار تفوق قيمتها.

وكان في بناء معملي دير عمار والزهراني المجهزين لإنتاج الكهرباء على الغاز، أواخر تسعينات القرن الماضي،  تعبير عن رؤيا “نظيفة” على المستوى المالي تهدف إلى خفض فاتورة الانتاج والتأثير على ميزان المدفوعات، في مرحلة أولى والانتقال من بعدها إلى تأمين زيادة إضافية في الإنتاج تلبي زيادة الطلب نتيجة النمو الاقتصادي والسكاني خلال السنوات المقبلة، فكان صدور قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462/ 2002، الذي كسر احتكار كهرباء لبنان أقلّه في قطاعي إنتاج وتوزيع الكهرباء، وفتح الباب واسعاً اما الشراكة مع القطاع الخاص، وأنشئت الهيئة الناظمة بموجبه وتأخر تعيينها إلى العام 2025، ولم تعبّر بعد عن حضورها بمستوى الآمال المعلقة عليها.

ولدت فكرة خط الغاز العربي بهدف تصدير الغاز الطبيعي المصري إلى دول المشرق العربي ومنها إلى أوروبا. واقتضت المرحلة الأولى من خطة إنشاء هذا الخط أن يمتد من مدينة العريش شمالي سيناء وصولاً إلى العقبة جنوبي الأردن. وقد أنجز هذا الجزء خلال العام ٢٠٠٣. وخلال العام ٢٠٠٤ اتفقت مصر والأردن ولبنان وسوريا، مع العراق لإيصال الغاز العراقي إلى أوروبا. وقد تعرض هذا الخط لأضرار في أكثر من منطقة منذ اندلاع أحداث ٢٠١١، وتم إيقاف ضخ الغاز لمنع زيادة الاشتعال.

 واضح أن التحولات الجيوسياسية والأزمات المتتالية التي أصابت المنطقة قد أعادت إحياء المشاريع ذات العلاقة بتعزيز أمن الطاقة الإقليمي. والتي تقتضي تفعيل خط الغاز العربي بعد تجميدها لسنوات، وكانت عقوبات قانون قيصر من أسباب هذا التجميد. وقد جرت خلال السنوات الماضية محاولة لتمكين لبنان من تأمين حاجته من الغاز لتشغيل معمل دير عمار لتأمين إنتاج إضافي يؤمّن زيادة التغذية تخفف من حدة الأزمة، وشهدت الفترة بين عامي ٢٠٢١ و ٢٠٢٢ أكثر من محاولة لإفادة لبنان من خط الغاز العربي. وكان ذلك خلال ولاية كل من وزيري الطاقة المهندس ريمون غجر ود. وليد فياض. ومؤخراً أعلن خلال العام 2025 عن  توقيع مذكّرة تفاهم بين لبنان ومصر حول استجرار الغاز الطبيعي المصري لتوليد الكهرباء وتلبية جزء من حاجات لبنان من الطاقة. وتلا ذلك، مطلع العام  الحالي، توقيع مذكرتَي تفاهم بين مصر وسوريا حول التعاون في مجالات استيراد الغاز والمشتقات النفطية؛ غير أن التطورات المستجدة تؤشّر إلى تحول مصر خلال السنوات الأخيرة من دولة مصدّرة إلى دولة مستورِدة للغاز الطبيعي، وإلى تزايد اعتمادها على استيراد الغاز من “إسرائيل”، نتيجة اتساع الفجوة بين قدرتها على انتاج الغاز وحاجتها الداخلية منه، اعتباراً من عام 2024، حيث من المتوقع استمرار ذلك لسنوات تتجاوز 2030. وبالتالي فإنه من المتوقع أن تكون هناك صعوبة في إمكانية تزويد لبنان بالكميات اللازمة من الغاز لتشغيل معمل دير عمار على الأقل، نظراً لما يمكن أن يتطلبه ذلك من مناورات تؤدي إلى زيادة عجزمصر بمقدار حاجة لبنان من غازها، بحيث يمكن أن تعوَض ذلك عن طريق زيادة استيرادها هي من الخارج.

ماذا عن جهوزية خط الغاز وصولاً إلى لبنان عبر سوريا؟

يقدر الوزير غجر قدر حاجة لبنان من الغاز بـ ٦٠٠ مليون متر مكعب من الغاز لتوليد ٤٥٠ ميغاواط توازي قدرة معمل دير عمار على إنتاج الكهرباء، بعد تأهيله للعمل على الغاز. وقد سبق للبنان أن وقّع عام 2022 اتفاقاً في إطار استجرار الغاز المصري عبر سوريا ، جرى خلاله التوافق على الأسعار والكميات، فضلاً عن حصة سوريا مقابل بدل العبور، من دون أن يدخل ذلك حيّز التنفيذ. وقد سمعنا خلال تلك الفترة أخباراً غير واضحة، إن لم نقل متناقضة، حول جهوزية الخط العربي من الًوجهة التقنية وأهمية الأضرار التي لحقت بالأنابيب وبشبكات وخطوط النقل ضمن الأراضي السورية، والمدة التي تحتاجها عملية إعادة تأهيلها وتكلفتها ومصدر تمويلها. وكذلك أثيرت مسألة مصدر الغاز الذي سوف يصل إلى لبنان وجنسيته الحقيقية، التي يمكن أن تثير خلافات سياسية، وكذلك أثبرت إشكالية السير بالمشروع قبل رفع عقوبات قانون قيصر، واستعداد البنك الدولي لضمان التزام لبنان بتسديد ثمن الغاز المستهلك بنتيجة الاستجرار. وثابت أن هاتين المحاولتين على الأقل قد فشلتا في تحقيق تفعيل الخط لإيصال الغاز إلى معمل دير عمار شمالي لبنان.

ماذا عن المشاكل والعقبات الأخرى التي تعيق أداء قطاع الكهرباء في لبنان؟

إن الإجابة على مدى جدية الخطوة المعلن عنها باتجاه إحياء مشروع استجرار الغاز المصري مجدداً، وعلى تقدير المدى الزمني اللازم لدخوله حيّز التنفيذ، تحتاج إلى توفير معلومات تفصيلية تكون أشمل وأوضح، كما أن هناك حاجة لمعرفة تصور كل من وزارة الطاقة والهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء حول إصلاح أوضاع مؤسسة كهرباء لبنان في إطار مستقبل القطاع، وإخراجه من دوامة الفساد والهدر المستشري فيه وعلى مستوى المؤسسة، ومعالجة الأضرار التي لحقت بشبكات المؤسسة ومنشآتها نتيجة الحرب والتدمير الذي اصاب مناطق واسعة من لبنان؛ ناهيك عن الفوضى والفلتان وغياب الرقابة الداخلية ضمن المؤسسة، التي تؤشر إلى خطورتها الأخبار المنشورة والمتداولة في الإعلام مؤخراً حول اختلاسات وسرقة مواد بمبالغ كبيرة من مستودعات المؤسسة، وإحالة الملف إلى القضاء المختص لتحديد المسؤوليات، بما فيه تلك التي يمكن أن تترتب عن تقصير وإهمال إدارة المؤسسة في القيام بموجباتها وممارسة رقابتها التسلسلية عملاً بالملاحظات

والتحفظات المتكررة في تقارير مفوضي مراقبة حساباتها، حفاظاً على موجوداتها وحقوقها وأموالها العمومية.

بالتزامن مع صحيفة الجمهورية

 

* مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه

خبير لدى المهد اللبناني لحفظ الطاقة

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى