احياء ذكرى غياب زياد الرحباني في السويد .

طلال الامام – ستوكهولم – الحوارنيوز
في الذكرى السنوية الاولى لرحيل الفنان زياد الرحباني، اقام نادي جلجامش في مدينة اسكيلستونا / السويد، أمسية تضمنت إضاءات على مسيرة زياد الرحباني الفنية والموسيقية بأبعادها المختلفة إلى جانب تقديم عدة مقطوعات موسيقية وغنائية.
قدم جورج دوشي مداخلة تحت عنوان ” زياد فكرياّ ومسرحياّ ” سلط الضوء فيها على المبدع زياد الإنسان، الفنان وصاحب المبدأ وذكريات عن لقائه بالفنان ضمن فعالية شبابية، كما شارك الشاعر العراقي في قصيدة حملت عنوان “فيروز …رحل زياد “.
ثم قدم الفنان السوري/ السويدي عماد قاسم فقرات غنائية من اغاني زياد رددها معه الجمهور ولاقت استحسان الحضور . وتم عرض مشهد مسرحي حمل عنوان ” في المقهى” تمثيل الياس بحدي وجورج دوشي، اضافة إلى عرض فيديو حمل عنوان ” فيروز تتحدث عن زياد” تلاه فيديو تناول مختلف مراحل حياة ونشاطات زياد.
مسك الختام كانت مداخلة الصحفي الاستاذ ملكون ملكون، مداخلة وجدانية القت الضوء على زياد الفنان العبقري والمبدع الذي استشرف منذ عقود ما تمر به اوطاننا، ننشر ادناه المداخلة كاملة.


اخيرا لابد من توجيه الشكر لنادي جلجامش على هذه المبادرة ولجميع الذين ساهموا في تحضيرها وعرضها ولجميع الحاضرين الذين امتلئت الصالة بهم…
ادناه نص كلمة الاستاذ ملكون في الاحتفالية :
“عام على رحيل زياد .. “بالنسبة لبكرا شو؟”
ملكون ملكون
منذ عامٍ مضى صمت البيانو وهدأت أوتار البزق، وغفا “زياد الرحباني” بلا ضجيج تاركاً محبيه وعشاق فنه على قارعة التساؤلات المُقلقة والمُوجعة في زمنٍ صاخبٍ بالتحولات والمتغيرات والمعارك والخلافات والصراعات والدماء والدموع، لكن الذين أحبوه يعودون سريعاً للمُنتج الفني والفكري الذي قدمه “زياد” ليجدوا ضالتهم بإجابات مؤلمة غالباً.
لطالما كان “زياد” مرجعاً لأكثر من جيل تداول وحفظ وتغنى بمسرحياته وأغانيه وحتى برامجه الإذاعية ومقالاته الصحفية. كان يحمل في ثناياها سخرية مريرة وفي ذات الوقت عمق في الطرح، وإجابات تشبه صفعة لا تؤلم فقط لكنها توقظ العقل من سباته.
في مسرحياته لم يقدم لبنان بصورته المثالية كما فعل الأخوان الرحباني وفيروز في مسرحهم، بل كان صادماً جارحاً جريئاً في معالجة الواقع اللبناني، وفي الموسيقا “كلمات وألحان” حافظ على نهج الرحابنة المتمثل في الثنائية الصعبة “البساطة والعمق” ولكن مع بصماته كإبن لجيل الواقعية والحياة، نقيض جيل الشعارات والجعجعة والطنطنة، وعدو الكليشيهات، والمتمرد على المفاهيم المستقرة، وفيما يشبه القطيعة مع التراث الرحباني كان يتمرد عليه وينقضه احياناً بل ويرد عليه بوضوح كما في عنوان مسرحية “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”.، وحملت مسرحياته إشارات وأبعاد تؤكد أنه لم يكن يكتب لزمنٍ معين بل لزمنٍ قادم، لذا لا نزال نقتبس اسماء مسرحياته لتلوّن قلقنا وخوفنا وتساؤلاتنا، فنتساءل معه “بالنسبة لبكرا شو؟”، ونحاول تفكيك طلاسم الـــــ “فيلم اميركي طويل”، ونرصد مواطن فشلنا الذريع في بناء مجتمعات ونظم سياسية واقتصادية فأصبحت خيبتنا “شي فاشل”، ومع ما تبقّى من فتات الأوطان يصبح السؤال عبثياً “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، فيما يتمسك المتفائلون والمتشائلون بــــــ “لولا فسحة الأمل”.
التفرد في تجربته المسرحية أنها تصلح لكل الأوقات، وتصبح مؤثرة راهناً ذات التأثير الذي أحدثته منذ عشرات السنين، ولنا أن نتخيل أن الغالبية الكبرى ممن عرف مسرح زياد لم يشاهده بل استمع عليه مطبوعاً على أشرطة الكاسيت فيصبح الصوت محرضاً على الخيال ومحفزاً للتماهي أكثر وأكثر مع شخصيات المسرحية، لذا لا يبدو الأمر مدهشاً أن عبارات من مسرحياته أصبحت بلغة هذه الأيام “ترند”، أو أيقونات مكتوبة على فناجين القهوة والملابس والدفاتر وأغطية الهواتف ومنشورات وسائل التواصل الإجتماعي.
ما يقال على مسرحه ينطبق على برامجه الإذاعية التي مَلئت الدنيا وشغلت الناس في سنوات الحرب اللبنانية وحملت عناوين غريبة: “بعدنا طيبين .. قولوا الله”، و”العقل زينة”، و”نص الألف خمسمية” وغيرها. وكانت تحمل نقداً واضحاً ولاذعاً للحياة الإجتماعية والثقافية والاقتصادية. ومن خلال مجمل أعماله كان “زياد” متشائماً من عودة لبنان لوضعه الطبيعي بعد حرب أهلية ضروس، لأنه كان يرى السلم الأهلي الذي ظنه اللبنانيون طوق نجاة للبلد، انتقده “الرحباني الابن” ووجد أنه هو المشكلة لطالما لم تتغير أدوات إعادة بنائه، لأن الخلل بقي على حاله بصيغة طائفية متجذرة في العمق، ونظام اقتصادي غير عادل، وهوية مأزومة ومتأزمة.
يقول الفيلسوف الألماني “كانط”: “ليس الموت إلا القِناع الذي يخفي نشاطاً أكثر عمقاً وأقوى مغزى”. في غياب “زياد الرحباني” يبدو قول كانط يشبه وجع غيابه وحضوره المستمر والآسر في آنٍ معاً، وكأنه اختار الغياب قبل أن تكتمل ملامح الانهيار الكارثي، وفي لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، هجم فيها برابرة “التيكتوك”، والمؤثرين، والبلوغر، ومُترفي البودكاست، ومحللي الفضائيات بنفاقهم وكذبهم، وموسيقى هجينة كالفقاعة، وأغاني رخيصة، وبرامج توك شو تندفع إلينا من كل فجٍ عميق، وطائفية تطل بأقبح صورها لتؤكد ما قاله في اغنيته الشهيرة “يا زمان الطائفية”، وأوطان لم يبقى منها سوى الفتات الذي لم يعد يكفي لمن بقي ولم يهاجر.
وبالعودة للسؤال المزمن “بالنسبة لبكرا شو؟” ربما هذا السؤال الذي طرحه “زياد” عام 1978 لم يكن يقصد فيه الغد بالمعنى الحرفي بل كان سؤالاً وامتحاناً لنا في ذات الوقت حول قدرتنا على مواجهة قسوة تحديات الحاضر، لينقل لنا قلقه المبدع يلاحقنا كظلٍ مؤرق لنبقى نحن واسئلته معلقين في الهواء، كمصائر في مهب الريح نتأبط وعينا الذي غرسه “زياد” وعياً لابد أن يبقى حياً كما “زياد الرحباني” ظلنا اليومي الذي لا ينكسر ولا يغيب.
رحل زياد ومعه يصبح ما قدمه خالداً كما أعمال الأخوين رحباني وفيروز حيث نلتقيهم جميعاً كل صباح مع فنجان قهوة وبعضاً من أمل يرمم أرواحنا المتعبة”٠



