رأي

اتفاق الإطار بين صلافة العدو وتساهل لبنان :ما هي البدائل أمام رئيس الجمهورية ؟ (أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

عندما يُذكر المقدّس في الدين يعني ذلك الكتاب الذي أنزله الله على أنبيائه، وعندما يُذكر المقدّس في القانون فيعني ذلك دستور البلاد. وفي الجغرافيا فإن المقدّس هو حدود الوطن. أما في السياسة فيُقال إن لا شيء مقدّساً، فالأحوال والأوضاع تتغير مع الأيام والشهور. وكما يُقال أيضاً في السياسة: لا عدو دائم ولا صديق دائم. أما في الاتفاقات والمعاهدات الدولية فقد تصل الأمور إلى درجة عالية من الالتزام إذا ما حققت مصلحة الطرفين أو الأطراف التي وقعتها. لكن في بعض الحالات تُعقد الاتفاقات ليس بناء على النيات الطيبة في العيش بسلام بين الدول، بل نتيجة اختلال في ميزان القوى ما يسمح لطرف ما بإملاء شروطه على طرف آخر، ما يجعل الاتفاق اتفاقاً مرحلياً يسعى الطرف الضعيف فيه لتمرير الوقت ريثما يستطيع تغيير موازين القوة، ليُعيد فرض اتفاق يحفظ سيادة دولته ومنعتها.

في لبنان قدّر رئيس الجمهورية أن موازين القوة هي في صالح العدو الصهيوني، أو أن هناك من أوهمه بذلك، سواء كان ذلك أحد مستشاريه اللبنانيين أو أحد الدبلوماسيين الأجانب، وهم كُثر ممن يريدون شراً بلبنان. وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، وأن الرئيس شخصياً كان مقتنعاً بأن موازين القوة اختلت لصالح العدو، وأنه لا بد من الرضوخ لشروط العدو كما حصل في اتفاق الإطار في واشنطن، فإن ذلك لا يُعفي رئيس الجمهورية من العمل على تحسين بنود هذا الإطار مع الوقت، سواء إذا تعدّل ميزان القوة العسكرية أو بالعمل الدبلوماسي الحثيث والضغط من أجل تحقيق هذا الموضوع. والشواهد كثيرة في العالم بين الدول التي أعلنت تعليق العمل باتفاق ما أو إلغاء ذلك الاتفاق لإجحافه بحقوق بلدها وشعبها.

في المقلب الآخر يمكن أيضاً تعليق العمل بالاتفاقات أو إلغاؤها إذا لم يلتزم الطرف الآخر ببنودها وأصرّ على العدوان، وهو ما يجري حالياً على أرض الجنوب. فلو سلّمنا بكل الحيثيات التي يوردها رئيس الجمهورية في دفاعه عن اتفاق الإطار – ونحن نعتقد أن في الاتفاق إذلالاً للبنان – لكن لو سلمنا بما يعتقده بأنه الطريق الوحيد لتحقيق الانسحاب الصهيوني، وعودة الأهالي، وإعادة الإعمار، كما يذكر في كل إطلالة إعلامية له، فإن مسار الأحداث لا يتوافق مع ما يقوله. وإذا ما استعرضنا أقوال قادة العدو الصهيوني فهي تعلن جهراً عدم التزامها بالإطار. فنتنياهو أعلن أكثر من مرة أنه لن ينسحب من المناطق الأمنية – كما يسميها في غزة ولبنان وسوريا – لأنه يعتبر ذلك بمثابة حزام أمان لكيانه، وهو طبعاً يستغل ذلك لطمأنة مستوطنيه على كل الجبهات. وقبل زيارته الأخيرة إلى واشنطن أعلن في مجلس الوزراء الصهيوني أن الأمريكيين طلبوا منه الانسحاب أو انسحاباً من بعض المناطق على الجبهات الثلاث وهو سيرفض ذلك. وبعد لقائه مع ترامب تباهى نتنياهو وإعلام العدو بالقول إن ترامب لم يطلب منه الانسحاب من لبنان. إذاً لا هو يريد الانسحاب ولا راعي البقر الأمريكي طلب منه ذلك. أما رئيس أركان جيش العدو الجنرال إيال زامير فقال: “إذا اقتضت الحاجة، فسنعمق عملياتنا ونصل إلى مناطق أخرى في جنوب لبنان، والمعركة على جميع الجبهات لم تنته حتى الآن”. هذا عدا عن أقوال وزير المالية سموتريتش الذي يردد دائماً أن العدو لن ينسحب من جنوب لبنان، وأن الهدف هو جعل هذه المنطقة جزءاً من الكيان، ويدعو صراحة إلى الاستيطان فيها. من كل ذلك نفهم أن البند الأول الذي يتحدث به رئيس الجمهورية عن أن الإطار سيؤمن الانسحاب هو غير صحيح على الأقل من وجهة نظر العدو الصهيوني.

أما في النقطة الثانية وهي عودة الأهالي وإعادة الإعمار، فبالرغم من مرور أكثر من شهر على توقيع الإطار فإن العدو يومياً يدمر البيوت ويحرقها من دون مبرر ولو عسكري، وهو في الفترة الأخيرة دمر وفجر عشرات المدارس والمؤسسات التربوية والرسمية، واستمر في تجريف الأراضي الزراعية وهدم المقابر، والهدف هو إنهاء سبل الحياة في تلك المناطق، وهو بذلك يضرب أحد أهم البنود التي يبتغيها رئيس الجمهورية من اتفاق الإطار.

إذاً يُصرّ العدو على لسان قادته على عدم الانسحاب حتى لو تعرض لضغوط أمريكية، وهو يُعدم الحياة في المناطق المحتلة. فهل يتقصد من وراء ذلك أيضاً تقويض صورة رئيس الجمهورية جوزيف عون بجعل كلامه بعيداً عن الواقعية؟ وماذا سيكون موقف الرئيس من ذلك؟ طبعاً هذا عدا عن مهزلة المناطق التجريبية التي لن تتحقق فعلياً، لأن الإصرار على عدم الانسحاب يعني أن المناطق التجريبية ستكون مناطق خارج الاحتلال كما حصل في التجربة الأولى، وقد يمرّ وقت طويل قبل أن يتأكد العدو من صدقيتها للانتقال إلى المرحلة الثانية إذا حصل ذلك. وللتذكير فإن قادة العدو سيطرحون في الجولة القادمة من المفاوضات عودة جنود العدو إلى المناطق التجريبية للتأكد من التنفيذ الصحيح لما يريدونه، مع ما في ذلك من استهانة بكرامة الجيش اللبناني وإذلال المفاوض اللبناني ولمن يمثله.

يكرر رئيس الجمهورية خوفه من أن لا ينفذ العدو الصهيوني ما عليه في بنود الإطار، وتخوفه في مكانه. لكن مقابل ذلك كله ماذا يجب على لبنان أن يتخذ من مواقف؟ وبالأخص هل يستطيع رئيس الجمهورية وتحت عنوان عدم تنفيذ العدو ما عليه واستمرار اعتداءاته إعلان تعليق العمل بالاتفاق؟ وهو مطلب محق يستطيع من خلاله ممارسة الضغط على العدو للتراجع عن عدوانيته، كما يستطيع إعلان خروجه من هذا الإطار نهائياً إذا ما استمرّت الأمور على هذا النحو، أو على الأقل التهديد بذلك. وهو إن فعل، فسيلقى الدعم والمساندة من كل الذين يوالونه ويعارضونه. إن أي موقف في هذا المجال سيعيد إنتاج حالة من التأييد الكبير للرئيس، هو بحاجة إليه بعد الانشقاق الذي حصل حول المفاوضات المباشرة واتفاق الإطار.

 

كما يمكن وضع الأمر في عهدة الأمم المتحدة حتى لا يُقال إنه خرج على الشرعية الدولية، فيُعيده إلى السلطة الأعلى في مجال الأمن والسلم العالميين. ويمكن للرئيس أن يُعلق العمل ببند “عدم مقاضاة الطرفين لبعضهما مؤقتاً”، فيرفع دعاوى كثيرة جداً أمام المحاكم الدولية عن القتل والتدمير وجرائم الحرب التي يرتكبها الصهاينة، وهذا من أهم الأمور التي تشغل بال قادة العدو. كما يمكن له تغيير أو تعديل فريق التفاوض لصالح ممثلين عن لبنان أكثر فهماً للقوانين الدولية والأعراف السياسية ولكيفية حل النزاعات بين الدول، ولا يكتفي بسفيرة لا تعرف الناقة من الجمل.

ما زالت بيد الرئيس أوراق كثيرة يستطيع إن أراد استخدامها لتحسين موقف لبنان في المفاوضات، وهو مطالب بذلك. وكما أن تفاهم الإطار لا يحتاج لإقرار في مجلس الوزراء أو مجلس النواب لأنه ليس معاهدة سلام – كما قيل – فإن إلغاءه أو تعديله لا يحتاج إلا لقرار من رئيس الجمهورية. يقول المثل: “عزّ نفسك تجدها”، واليوم مطلوب من رئيس الجمهورية وقفة عز تحفظ كرامة لبنان وسيادته وعزته.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى