رأي

إعمار الجنوب مشروع وطني..ولا وطن مقدسا بلا أرض عامرة بأهلها (سعيد فارس السعيد)

 

بقلم د. سعيد فارس السعيد – الحوارنيوز

 

ما يجري في جنوب لبنان لا يمكن قراءته بوصفه مجرد عمليات عسكرية مرتبطة بظروف ميدانية، بل باعتباره جزءًا من مشهد إقليمي أوسع، تتداخل فيه الأهداف العسكرية مع الرسائل السياسية والاستراتيجية، وتنعكس آثاره على مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة.

 

إن التدمير الممنهج للقرى والبلدات الجنوبية، وتجريف الأراضي الزراعية، واستهداف المنازل والبنية التحتية، والمدارس، والوحدات الصحية والإسعافية، وتفجير القلاع والأوابد التاريخية، لا يقتصر أثره على إحداث خسائر آنية، بل يطال مقومات الحياة والهوية والذاكرة الجماعية للسكان.

 

فالقرية ليست مجرد أبنية، والبيت ليس مجرد جدران، والأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي هوية وانتماء وذاكرة وتاريخ. 

 

وعندما تُدمَّر هذه العناصر مجتمعة، تصبح عودة السكان أكثر صعوبة، حتى بعد توقف القتال.

 

ومن هنا تبرز إحدى أخطر نتائج الحروب الحديثة، وهي التغيير الديموغرافي غير المباشر، الذي قد يحدث نتيجة النزوح الطويل، وتدمير مقومات العيش، وصعوبة إعادة الإعمار، وليس بالضرورة عبر قرارات رسمية أو عمليات تهجير مباشرة.

 

وإذا استمر الدمار دون إعادة إعمار سريعة وشاملة، فقد تتحول مناطق واسعة إلى مناطق شبه خالية من سكانها، بما يترك آثارًا اجتماعية واقتصادية وسياسية طويلة الأمد، ويغيّر طبيعة المجتمعات المحلية ويؤثر في التوازنات الداخلية.

 

إن الحفاظ على الوجود السكاني في الجنوب لا يقل أهمية عن الحفاظ على السيادة الوطنية.

 

 فالأرض التي تُهجر لفترات طويلة تصبح أكثر عرضة لفرض وقائع جديدة، بينما يشكل بقاء السكان وعودتهم عاملًا أساسيًا في حماية الهوية الوطنية وتعزيز الاستقرار.

 

ولهذا، فإن إعادة إعمار جنوب لبنان ليست مشروعًا إنمائيًا فحسب، بل هي مشروع وطني واستراتيجي بامتياز، يهدف إلى تثبيت السكان في أرضهم، وإحياء الدورة الاقتصادية، واستعادة الخدمات الأساسية، وحماية التراث الثقافي والتاريخي، ومنع تكريس آثار الحرب على المدى البعيد.

 

كما أن مسؤولية إعادة الإعمار لا تقع على عاتق الدولة اللبنانية وحدها، بل تمثل مسؤولية عربية وإقليمية ودولية، لأن استقرار جنوب لبنان يسهم في استقرار لبنان كله، واستقرار لبنان يشكل ركيزة مهمة من ركائز الأمن الإقليمي.

 

إن حماية المدنيين، وصون الممتلكات المدنية، والحفاظ على المواقع التاريخية والثقافية، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ليست مطالب إنسانية فحسب، بل هي شروط أساسية لبناء سلام مستدام.

 

فلا وطن مقدسا بلا أرضٍ عامرة بأهلها، ولا سيادة حقيقية بلا شعبٍ ثابت في أرضه، ولا سلام دائم إذا تحولت الحروب إلى وسيلة لإفراغ الأرض من سكانها أو لتغيير هويتها.

صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى