تقريرسياسة

“إسرائيل” : إبتكار فرنسي تبنته بريطانيا.. وترعاه أميركا كأصل إستراتيجي (محمد حسين محي الدين)

 

كتب محمد حسين محي الدين – الحوارنيوز

 

تشكل ضفتا البحر المتوسط ، الشرقية ( الساحل اللبناني بإمتداديه الشمالي والجنوبي)، والجنوبية ( الساحل المصري بإمتداده الغربي )، ضلعَي زاوية قائمة يلتقيان عند فلسطين ، لتشكل هذه الزاوية بوابة العبور بين الشرق والغرب .

وكلما تلاقى الضلعان – الضفتان – تحت لواء واحد وقيادة واحدة – عبر فلسطين – تعسَّر وصَعُبَ على الغرب العبور بأطماعه الإستعمارية ( الإمبراطورية والإمبريالية ) نحو العمق الآسيوي ؛ فكيف به بعد اكتشافات مخزونات الطاقة   (نفطاً وغازاً ) التي غدت رابع أركان الحياة البشرية إلى جانب الماء والهواء والغذاء .

ولم يُنْقِص حفر قناة السويس بين عامي 1859 و 1865 من أهمية تلك البوابة ، بل زادها أهمية على أهميتها .ومنعاً لتلاقي الضلعين ، ودرءاً لمخاطر توحدهما ضماناً لإنسيابية النهب الغربي لثروات وخيرات ومقدرات الشرق دون عوائق وعراقيل ، تفتق العقل الفرنسي عن مشروع لزرع بؤرة داخلية غريبة عن نسيج المنطقة العربي – الإسلامي ؛ فكانت الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 بقيادة نابليون بونابرت الذي وجد ضالته في يهود أوروبا ” الذين ما من دولة في العالم تريدهم ” ، بما فيها دول أوروبا الغربية ، و ” إن أحداً لا يريد اليهود ولا يحبهم ” )كما يُورِد بنيامين نتنياهو في كتابه “مكان بين الأمم ص 87 و  86  . وكان  90% من يهود العالم حينذاك كانوا يعيشون على التخوم بين أوروبا الغربية والشرقية   . والسؤال لماذا إن لم يكونوا مصدر إزعاج  لمجتمعاتهم ومبعث قلاقل لها .

كانت مراحل الحملة بعد التمركز في مصر العبور إلى فلسطين وفي جعبته نداء يطلقه من القدس إلى يهود العالم للتهيؤ للإنتقال إلى فلسطين ، ثم يكمل طريقه إلى سوريا للسيطرة والتحكم بالبوابة .

وقد تم تركيب المشروع على بِدَعٍ تلمودية توراتية بهدف إغراء وإغواء اليهود للإنتقال إلى فلسطين . 

( لمزيد من التفصيل مراجعة كتاب محمد حسنين هيكل : المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل- الجزء الأول )

عاد نابليون خائباً عن أبواب فلسطين لينتهي به المطاف في منفاه ، ولم ينتهِ المشروع الذي أعاد ثيودور هرتزل ( 1860 – 1904 ) إحياءه وبعث الروح فيه خلال المؤتمر الصهيوني الآول سنة 1897 في مدينة بازل السويسرية .

كانت الحركة الصهيونية ترصد بعين الصياد تطور القوى العالمية : تقدماً وتراجعاً ، صعوداً وهبوطاً ، وتمد أذرعها الإخطبوطية في كل الإتجاهات ، لأن ” بعث الحياة القومية اليهودية تحتاج لرعاية دولة عظمى أو أكثر ” كما يورد نتنياهو في كتابه الآنف الذكر ( ص 38 ) . 

مع تقلص دور وحضور فرنسا أمام بريطانيا ، بدليل ما حازته كل منهما من التركة العثمانية بموجب إتفاقية ساسكس – بيكو سنة 1916 ،إنزاح التوجه الصهيوني نحو بريطانيا لتكون حاضنة للمشروع الصهيوني الإستيطاني ” لتمكينهم – اليهود – من بناء قوة غربية في الشرق الأوسط” على إعتبار ” أن التحالف مع اليهود هو الطريق الوحيد لحماية مكانة بريطانيا في الشرق الأوسط” وبأن ” تعزيز قوة اليهود في فلسطين يعني تعزيز قوة بريطانيا نفسها ، وفي نفس الوقت تقوية وتعزيز القِيَم الغربية التي ترى بريطانيا نفسها مسؤولة عنها ، إضافة إلى أنها بمحاذاة قناة السويس وتشرف على الطريق البرية إلى الهند ” كما ينقل نتنياهو في كتابه ( ص 68 ) عن لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا آنذاك.

من رحم هذا المنطلقات وُلِدَ وعد بلفور( وزير الخارجية البريطاني ) سنة 1917 لبناء ( فيلا وسط الغابة ) . 

ومع بداية الغروب الأوروبي إبان الحربين الكونيتين : الأولى ( 1914 – 1918 ) والثانية ( 1939- 1945 )والإنصياع الليِّن لفرنسا وبريطانيا أمام الإنذار الأميركي غداة العدوان الثلاثي ( فرنسا – بريطانيا وإسرائيل ) على مصر سنة 1956 ، ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى صاعدة على أنقاض دول أوروبا المنهكة نتيجة إحترابها فيما بينها ، بالتزامن مع إكتشافات مخزونات النفط الواعدة في البلاد العربية ، وتنامي الروح القومية العربية برعاية وزعامة جمال عبد الناصر ، وكان الدم الفلسطيني لا زال حاراً بُعَيْد قيام دولة الكيان سنة 1948 ، قبل أت تمسك أميركا الحكام العرب، كل من خصيتيه ، مالت الصهيونية إلى الحضن الأمريكي الذي إنفتح لها بكلِّيته ” اليهود سيكونون عوناً لنا مثلما كانوا عوناً لنا في الحرب العالمية الثانية ” كما ينقل نتنياهو عن كبير مستشاري الرئيس الأميركي ترومان (ص 89 ) للحاجة المتبادَلة : حراسة البوابة وإدامة التشتت العربي الذي أوجدته سايكس – بيكو لتأمين سلاسة النهب وتأمين الرعاية والحماية للكيان المزروع عنوة للقيام بأداء الأدوار والمهام القذرة  ، بحسب قول المستشار الألماني فريدريش ميرتس ، بالأصالة والإنابة .

وهكذا أصبح الكيان الصهيوني أصلاً مميزاً من الأصول الأمريكية الإستراتيجية . ولأنه ( من بيت الفرفور وكل ذنب له مغفور ) ، هو خارج أي مساءلة أو محاسبة من مؤسسات الأمم المتحدة ، ، وفوق القانون الدولي الذي لا يُطبق إلا على الصغار المتمردين ، متمرداً على قرارات مجلس الأمن ، وإن صودف ومُررقرار دون فيتو أميركي ، فنصيبه عدم التطبيق والحفظ في الأرشيف ( قرارتقسيم فلسطين رقم 181/1947 قرار الأمم المتحدة 194/1948وقرار الإنسحاب من الأراضي المحتلة رقم 242/1967 والقرار 338/1973 والقرار 425/1978 القاضي بالإنسحاب من الأراض اللبنانية ) .{من أصل 114 مرة إستخدمت الولايات المتحدة الفيتو منها ما يقارب 80 مرة لصالح إسرائيل }. ناهيك عن الدعم المالي الثابت في الموازنة الأمريكية ( ما يتعدى 3 مليار دولار ) فضلاً عن الدعم السياسي والديبلوماسي والإعلامي والتكنولوجي .

يقول ميشال شيحا : ” على الدول العربية أن تتذكر أنها تجابه منظمة عالمية وأن هذه المنظمة العالمية تضم اليهود على جميع جنسياتهم ، فتبسط شباكها على المعمورة قاطبة ، ولها في الحكومات من النفوذ ما تستطيع . ثم إن لديها من الدعاوة ( الدعاية ) وأساليب الدسائس أدهى الفنون . فما دامت الدولة التي أعلنتها الصهيونية ماثلة في جميع الأمصار متفرعة ، فيسير أن نتمثل الضغط السياسي والإقتصادي والإنساني الذي قد تُمنى به البلدان العربية . ” ( منقول عن صفحة Mohamad N. Jisr عن فيسبوك ).

ولذا تجد الغرب دائم التأهب والإستعداد لنجدة الكيان ومساعدته عند أي إهتزاز .

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى