رأي

أيزنكوت أخطر من نتنياهو: حين يتحوّل جنون الحرب إلى عقل يخطّط للخطر بصمت!(سنا فنيش)

 

كتبت سنا فنيش – الحوارنيوز

لا تنخدعوا بهدوء الجنرالات، فبعض الحروب الأكثر خطورة لا تبدأ   بالصراخ والتهديد، بل تُرسم في غرف العمليات، وتُحضّر لها الظروف بصمت، ثم تُنفّذ عندما تصبح كلفتها أقل ونتائجها أكثر ضماناً.

 

من يعتقد أن رحيل بنيامين نتنياهو ووصول غادي أيزنكوت إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية سيعني بالضرورة انفراجاً للبنان وفلسطين والمنطقة، قد يكون مخطئاً في قراءة المشهد.

 

فالخلاف بين الرجلين ليس بالضرورة خلافاً على الأهداف، بل على كيفية تحقيقها. نتنياهو يعتمد التصعيد والمناورة السياسية، فيما ينتمي أيزنكوت إلى مدرسة عسكرية تفكر بالحسابات الاستراتيجية، وتوازن بين القوة وكلفتها، وتعرف متى تهاجم ومتى تتراجع ومتى تحوّل نتائج المعارك إلى مكاسب طويلة الأمد.

 

نتنياهو قد يورّط إسرائيل في حرب ليحمي مستقبله السياسي، أما أيزنكوت فقد يسعى إلى حماية مستقبل إسرائيل عبر إعادة تنظيم قدرتها على خوض الحروب. وهنا يكمن الفارق الأخطر.

 

غادي أيزنكوت ليس سياسياً تقليدياً. إنه رئيس سابق لأركان الجيش الإسرائيلي، وأحد أبرز الوجوه المرتبطة بالعقيدة العسكرية الإسرائيلية، التي قامت في مراحل مختلفة على استخدام القوة التدميرية الواسعة لفرض معادلات الردع.

 

يعرف الرجل قدرات الجيش ونقاط ضعفه، ويدرك أن المعارك لا تُقاس فقط بعدد القتلى أو حجم الدمار، بل بما تتركه من نتائج سياسية وأمنية.

 

وفي التعامل مع حركات مثل حزب الله وحماس، لا تتوقف الحسابات العسكرية الإسرائيلية عند فكرة القضاء الكامل عليها، وهو هدف بالغ الصعوبة، بل تشمل إضعاف قدراتها العسكرية والتنظيمية وإطالة المدة التي تحتاجها لإعادة بناء قوتها.

 

وهنا تكمن خطورة التفكير الاستراتيجي: ليس ضرورياً أن تنهي وجود خصمك حتى تعتبر أنك حققت هدفك، فقد يكفي أن تستنزفه وتقيّد قدراته وتفرض عليه معادلة جديدة.

 

فالخطر ليس دائماً في القائد الذي يهدد بتدمير خصمه، بل في القائد الذي يعرف كيف يستنزفه من دون أن يستنزف نفسه.

 

إذا وصل أيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، فقد تكون أولويته إعادة ترميم المؤسسة العسكرية والأمنية بعد سنوات من المواجهات والاستنزاف.

 

فالجيش الإسرائيلي يواجه تحديات في الجاهزية والقوى البشرية، إلى جانب تداعيات اقتصادية واجتماعية وأزمة ثقة بالمؤسسات.

 

ومن المرجح أن يمنح أيزنكوت اهتماماً كبيراً لإعادة تنظيم القدرات العسكرية، وتعزيز التنسيق بين الجيش والشاباك والموساد، واستعادة دور التقييم المهني في صناعة القرار الأمني.

 

فهو يدرك أن الدولة التي تخوض الحروب المتلاحقة من دون معالجة نقاط ضعفها قد تتحول قوتها العسكرية إلى عبء عليها.

 

لكن الخطأ الأكبر سيكون اعتبار إعادة البناء مؤشراً على التخلي عن الخيارات العسكرية.

 

فإعادة ترميم الجيش ليست إعلان سلام، والهدوء الذي يسبق استعادة القوة لا يعني بالضرورة انتهاء الخطر.

 

اما بالنسبة للحرب المباشرة مع إيران تحمل احتمالات تصعيد إقليمي واسع، وقد تفرض على إسرائيل أثماناً عسكرية واقتصادية وأمنية كبيرة.

 

ولهذا، قد يفضّل أيزنكوت، في بداية أي ولاية محتملة، معالجة الاختلالات الداخلية وإعادة بناء الجاهزية العسكرية قبل التفكير في مواجهة جديدة واسعة النطاق.

 

ولكن الحذر لا يعني الاعتدال، وتأجيل المواجهة لا يعني إسقاطها من الحسابات.

 

فالسياسي المتهور قد يشعل الحرب قبل أن يحسب نتائجها، أما الجنرال المحترف فقد ينتظر حتى يعتقد أن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة لتحقيق أهدافه.

 

من الملفات التي قد يسعى أيزنكوت إلى معالجتها أيضاً تراجع صورة إسرائيل دولياً نتيجة الحروب في غزة ولبنان والسياسات المتبعة في الضفة الغربية.

 

وقد يحاول تحسين العلاقات مع الدول الأوروبية، خصوصاً فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وتخفيف التوتر مع العواصم التي انتقدت استخدام القوة المفرطة والانتهاكات بحق المدنيين.

 

وربما يلجأ إلى خطوات سياسية محدودة أو تنازلات محسوبة في بعض الملفات، بهدف استعادة الثقة الدولية وتخفيف الضغوط الدبلوماسية.

 

لكن إعادة تحسين العلاقات الخارجية لا تعني تلقائياً تغيير المشروع الاستراتيجي الإسرائيلي.

 

فأحياناً تكون الدبلوماسية وسيلة لإعادة تأهيل القوة، لا بديلاً عنها. وقد تكون الابتسامة أمام الكاميرات امتداداً لحسابات تُرسم خلف الأبواب

في لبنان وفلسطين، قد يميل أيزنكوت إلى تثبيت ما تعتبره إسرائيل نتائج عسكرية وأمنية، بدلاً من الاندفاع المباشر نحو توسيع جبهات القتال.

 

وقد يسعى إلى تحويل هذه النتائج إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد، مع الإبقاء على القدرة العسكرية والاستخباراتية للتدخل عند الضرورة وفق التقديرات الإسرائيلية.

 

وهذا السيناريو لا يعني بالضرورة أن لبنان سيصبح أمام مرحلة أكثر أمناً.

 

فقد تتراجع الحروب الواسعة، فيما تستمر الضغوط والاعتداءات والتهديدات بوسائل مختلفة.

 

والأخطر من الحرب أحياناً أن تتحول نتائجها إلى واقع دائم، وأن يصبح ما فُرض بالقوة أمراً واقعاً يجري التفاوض على تفاصيله بدلاً من رفض أساسه.

 

نعم الفرق الجوهري المحتمل بين الرجلين أن نتنياهو متهم من خصومه بتغليب بقائه السياسي على حساب المؤسسات والمصلحة العامة الإسرائيلية، فيما قد يسعى أيزنكوت إلى تقديم نفسه بوصفه رجل الدولة والمؤسسة العسكرية.

 

وايضا هناك ملفات ثقيلة:  اهمها الاقتصاد، والانقسام الداخلي، واستعادة ثقة الإسرائيليين بالجيش، إعادة الأمن إلى المناطق الشمالية، معالجة الخسائر العسكرية، وإصلاح العلاقة بين المؤسسة السياسية والأمنية.

 

وقد يحاول تقليص تأثير اليمين المتطرف على القرار الحكومي، ليس بالضرورة لأنه يحمل رؤية عادلة تجاه الفلسطينيين أو اللبنانيين، بل لأنه قد يرى أن بعض السياسات المتطرفة تضر بالمصالح الإسرائيلية بعيدة المدى.

 

نتنياهو قد يضعف إسرائيل نتيجة حروبه وحساباته الشخصية، بينما قد يعمل أيزنكوت على معالجة هذا الضعف، واستعادة قدرتها على فرض شروطها بقوة أكثر تنظيماً وفاعلية.

 

لا يمكن الجزم بأن أيزنكوت سيكون أخطر من نتنياهو في كل الظروف، لكن من الخطأ أيضاً اعتبار وصوله المحتمل إلى السلطة انتصاراً للاعتدال أو ضمانة للسلام.

 

فالمشكلة لا تختصر بشخص رئيس الحكومة، بل تتصل بالسياسات الإسرائيلية تجاه لبنان وفلسطين والمنطقة، وبمدى احترام السيادة والحقوق والقانون الدولي.

 

ولهذا، فإن الرهان اللبناني يجب ألّا يكون على تغيير الأسماء في تل أبيب، بل على بناء دولة قوية، وجيش قادر، ومؤسسات متماسكة، ووحدة وطنية تمنع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات.

 

 اما بالنسبة الى لبنان اقول بانه لا يراهن على خلافات السياسيين الإسرائيليين، بل يراهن على قوة دولته ووحدة شعبه وحقه في السيادة والأمان.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى