إقتصاد

قرار رفع الدعم من دون خطة متكاملة: أسئلة للنائب بلال عبدالله وتحذيرات من الانهيار الشامل

الحوارنيوز – خاص

         يجمع الخبراء بأن رفع الدعم عن المواد الغذائية والمشتقات النفطية وإصدار البطاقة التمويلية، يأتي من دون خطة متكاملة تعيد الثقة للقطاع المصرفي وتحرك الدورة الاقتصادية وتحسن من الميزان التجاري، من شأنه أن يهدر ما تبقى من أموال المودعين في المصرف المركزي ويؤدي بالتالي الى إفلاس الدولة رسميا.

 صحيفتا “الأخبار” و”الانباء” ركزتا في افتتاحيتهما اليوم على هذا الموضوع.

  • صحيفة “الأخبار” كتبت تقول:” مشروع البطاقة التمويليّة يُسوّق بوصفه المنقذ للناس. لكنّ التدقيق فيه يظهر ‏أنه بني على أرقام وتقديرات وهميّة. ولذلك، فإن مجموع ما تتضمّنه البطاقة ‏‏(137 دولاراً شهرياً لكل أسرة من أربعة أفراد) بالكاد سيكفي لإطعام ‏عائلة، فيما يتوقع منها معدّو المشروع أن تموّل معيشتهم وتنقّلاتهم وكهرباء ‏المولد والتدفئة… وكل ذلك لا يأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن رفع الدعم عن ‏المواد الأساسيّة سيعني تحليق أسعار كل السلع والخدمات، من قارورة ‏المياه إلى إيجار المسكن، مروراً بالطبابة والاستشفاء والتعليم

    لا قضية اليوم تعلو فوق قضية الدعم. “ترشيده” (أي تخفيفه) أو إلغاؤه هو الحدث الذي صار مقبولاً ممن ظلّ يرفضه ‏لأشهر طويلة. رضخ حسان دياب للأمر الواقع، ولم يعد يُعارض رفع الدعم إلا شكلياً، كأن يرفض الترشيد قبل توزيع ‏عدد معين من البطاقات التمويلية أو أن يسعى إلى زيادة قيمة البطاقة، وصولاً إلى “إنجاز” تحويل عملة البطاقة من ‏الليرة إلى الدولار، بحجة لجم التضخم. لكن هل حقاً يفترض باللبنانيين (المستفيدون من البطاقة حصراً) أن يفرحوا ‏بحصولهم على 137 دولاراً للأسرة كحد أقصى؟ هل ستكون أيامهم المقبلة أفضل بوجود بطاقة دعم تغطي جزءاً ‏يسيراً من ارتفاع الأسعار الذي سيترافق مع رفع الدعم؟ وماذا عن معالجة الانهيار المالي والنقدي، هل صار عنواناً ‏ثانوياً؟

    صارت الحكومة المستقيلة تتحدث عن “العدالة” بوصفها غاية الدعم. لكن النقاش بالأرقام يدل على أن الأزمة ‏مستمرة، وستزداد سوءاً، كما أن ميزان العدالة لن يستوي طالما أن الترقيع هو السائد. البطاقة التمويلية هي تحديداً ‏بطاقة العبور إلى الانهيار الكبير، ما لم تترافق مع إجراءات إصلاحية جدّية تضمن استنهاض الاقتصاد مجدداً. ‏وهذا لا مفر من مروره بتأليف حكومة جديدة تضع نصب عينيها تنفيذ برنامج إصلاحي حقيقي‎.

    ترى الحكومة في مشروعها أن تقديم الدعم بالدولار من شأنه ضبط التضخم والحدّ من ارتفاع سعر الصرف (كلفة ‏البطاقة مليار و235 مليون دولار، أي ما يعادل 14.4 تريليون ليرة على سعر 12500 ليرة للدولار). لكن هذه ‏الفرضية تعوزها الإشارة إلى أن الطلب على الدولار لن يتوقف، وأن المستوردين سيستمرون في الحصول على ‏حاجتهم من الدولارات من السوق (نحو 6 مليارات دولار كانت قيمة الواردات غير المدعومة من مصرف لبنان). ‏وبطبيعة الحال، فإن المصرف المركزي لن يكون بإمكانه السيطرة على سعر الصرف ما لم يتدخل عارضاً ‏للدولار، فهل يملك القدرة على ذلك؟ وهل يمكن أن يتدخّل مستعملاً الأموال الموجودة في ما يسمّيه “الاحتياطي”؟ ‏وإذا تمكّن من فعل ذلك، فلماذا رفع الدعم أصلاً؟‎

    ترى مصادر معنية أن الاحتياطي الفعلي لا يتجاوز 10 مليارات دولار (تضاف إليها قيمة القروض المقدمة ‏للبنوك)، ولذلك فهي تسأل: هل يريد حاكم مصرف لبنان صك براءة على صرفه الاحتياطي الإلزامي الذي فرضه ‏بنفسه على المصارف؟ أم أنه يريد من رفع الدعم رفع الأسعار بشكل كبير، بما يؤدي إلى عدم قدرة الناس على ‏الشراء، وبالتالي تخفيض الطلب على الدولار؟‎

    لم يعد خافياً على أحد أن الانكماش الاقتصادي لن ينتهي قبل سنوات، لكن البطاقة محددة مدتها بسنة واحدة. هل ‏يمكن أن يتصوّر أحد ماذا سيحدث بعد هذه السنة؟ هل يتوقف الدعم فيسبب انفجاراً اجتماعياً، أم تعمد الحكومة إلى ‏زيادة الأجور وتأمين فرص العمل؟ هل يمكن حينها تصوّر الحد الأدنى للأجور يقارب الخمسة ملايين ليرة؟ لأن ‏ذلك يبدو مستحيلاً، فلا بديل من الأجر الاجتماعي، وهو في هذه الحالة السلع المدعومة‎.‎

    المشكلة الأكبر تتمثل في تقدير الأرقام في المشروع. اجتماعات لا تحصى عقدت لتكون النتيجة أرقاماً لا تمتّ إلى ‏الكلفة الفعلية للمعيشة بصلة. الحديث عن استبدال دعم المحروقات والمواد الغذائية بالبطاقة، يتغاضى عن عامل ‏أساسي، وهو أن إلغاء الدعم عن المواد الأساسية لا يؤثر على استهلاك هذه المواد حصراً، بل يؤثر على كل كلفة ‏الإنتاج، وعلى كلفة كل الخدمات الأساسية، من مسكن إلى طبابة واستشفاء وتعليم‎…

    دعم البنزين، على سبيل المثال، تقرر بناءً على معدل استهلاك الأسرة المكونة من 4.2 أشخاص هو 5.3 تنكات ‏شهرياً. كيف احتسب هذا المبلغ؟ وماذا لو كان الموظف يعيش خارج العاصمة ويعمل داخلها، هل حقاً يحتاج إلى ‏‏5 صفائح بنزين شهرياً فقط؟ ثم، هل حقاً يمكن للبطاقة أن تعوّض ارتفاع سعر الصفيحة من 39500 إلى 123 ‏ألف ليرة؟ يكفي على سبيل المثال، الإشارة إلى أن غالون المياه الذي تشتريه أغلب العائلات، لعدم توفر مياه ‏الشرب، يعتمد تسعيره بشكل أساسي على كلفة النقل والطاقة. وهذا الغالون ارتفع سعره قبل تخفيض الدعم إلى نحو ‏‏10 آلاف، فهل يعقل أن يصل إلى 20 أو 30 ألفاً؟‎

    السلة الغذائية مقدّرة بـ 430 ألف ليرة شهرياً، وهذه الكلفة محتسبة من ضمن إجمالي المبلغ المتوفر في البطاقة؟ ‏لكن، هل حقاً تحتاج أسرة مؤلفة من 5 أشخاص إلى هذا المبلغ فقط لتوفير غذائها الأساسي؟ هل زار أيّ من ‏واضعي هذه التقديرات السوبر ماركت أخيراً؟ وهل قرأ أحدهم الدراسة التي أعدّها مرصد الأزمة في الجامعة ‏الأميركية، وتبيّن فيها أن كلفة الفتوش خلال شهر رمضان تصل إلى 555 ألف ليرة؟‎

    ثم كيف يشير المشروع إلى أن كلفة اشتراك المولد للخمسة أمبير سترتفع إلى 122 ألف ليرة في حال رفع الدعم ‏بالكامل، فيما هي حالياً تتخطّى الـ 150 ألف ليرة؟ ألا يعني ذلك أن الكلفة بعد رفع الدعم أو تخفيضه، قد تصل إلى ‏‏500 ألف ليرة وحتى مليون؟‎

    ينص الاقتراح أيضاً على تخفيض الدعم على الأدوية بنسبة 54 في المئة (من 1296 مليار دولار إلى 598 مليون ‏دولار)، ليقتصر على أدوية الأمراض المزمنة والخطيرة. يتناسى معدّو المشروع أن أغلب الأدوية هي التي ‏تُشترى من دون وصفة. فهل يعقل عندها أن يدفع رب الأسرة 100 ألف ليرة أو 200 ألف ليرة ثمناً لدواء السعال ‏أو الالتهاب على سبيل المثال؟ وهل يراعي المشروع وضع الضمان الاجتماعي؟ ألن يكون مهدّداً بالإفلاس ربطاً ‏بالأسعار المرتفعة للدواء ولكلفة الاستشفاء؟‎

    ما سبق يشير الى أن إلغاء الدعم أو “تخفيفه” وتقديم البطاقة التمويلية بديلاً له، إذا لم يقترن بإجراءات لإعادة ‏النهوض بالاقتصاد، سيكون وصفة لتدمير ما تبقّى من قدرة للعيش في لبنان. أما حجة انخفاض الاحتياطي ‏الإلزامي، فلا تكفي لتبرير ضرب الأمان الاجتماعي للناس. مؤشرات البطالة تشير إلى 400 ألف شخص عاطل ‏عن العمل، وبالتالي فإن الحاجة إلى 5 ملايين ليرة لتأمين كلفة المعيشة للناس، يعني أن المجتمع بأكمله سيتحوّل ‏إلى ما دون خط الفقر‎.

    كل ذلك يحصل بحجة مكافحة التهريب واستفادة غير المستحقين من الدعم. ببساطة، الحكومة قادرة على تجويع ‏الناس لكنها غير قادرة على مكافحة التهريب؟ لو كانت النية متوفرة فعلاً لكان التهريب قد انخفض بشدة. ثم من قال ‏إن هذا التهريب يعود حصراً إلى انخفاض الأسعار في لبنان. المبرر الأساسي للتهريب هو العقوبات على سوريا، ‏وهذا يعني أن الحاجة إلى السلع لن تتوقف حتى لو ارتفعت الأسعار. أما عن استفادة غير المستحقين فلا يحتاج إلى ‏الكثير لمعالجته. الأنظمة الضريبية نشأت على قاعدة أن الناس متساوون أمام القانون. ولذلك، فهم بحسب مداخيلهم ‏يدفعون الضرائب لتمويل هذه المساواة. لو حصل ذلك، لكان عادياً أن يستفيد الأغنياء والفقراء من الدعم. على ‏سبيل المثال، ما هو المبرّر اليوم لعدم رفع أسعار الكهرباء للشطور العليا. حجة انتظار الكهرباء لتصبح 24 على ‏‏24 انهارت بدورها مع الانهيار الكبير‎.‎

  • صحيفة “الانباء” الالكترونية نقلت عن عضو كتلة اللقاء الديمقراطي النائب بلال عبدالله رفضه  المس بالإحتياطي الإلزامي ‏لتمويل البطاقة التمويلية، إلّا أنه أشار إلى أن “في حال كان الإختيار بين إستخدام مليار دولار ‏من الإحتياطي الإلزامي لمساعدة الناس، أو إستمرار الدعم بشكله الحالي وإستفادة المهربين ‏والتجار دون غيرهم، وهو الإختيار بين السيء والأسوأ، سنكون مع خيار ترشيد الدعم والبطاقة ‏التمويلية على أن يتم ضمان توزيع البطاقات على المستحقين لا غير‎”.‎

    وسأل في إتصال مع “الأنباء”: “على أي أساس قرر دياب دعم 750 ألف أسرة؟ وفق أي ‏بيانات؟ ما من مسح دقيق للأسر الفقيرة، فالأرقام جميعها تقريبية، وزارة الشؤون الإجتماعية ‏باشرت منذ شهرين بإحصاء الأسر الأكثر فقراً لتوزيع أموال قرض البنك الدولي، فأين أصبحت ‏العملية؟‎”.‎

    وحول التوجه نحو سياسات مغايرة للحالية والمطروحة بسبب الثغرات الموجودة، لفت ‏عبدالله إلى أن “كتلة اللقاء الديمقراطي كانت أول من طالب في مجلس النواب ترشيد ‏الدعم، وأول من طرح مشاريع قوانين خدمةٍ للهدف نفسه، ونحن منفتحون على أي طروحات ‏لمناقشتها، إلّا أنه وفي ظل غياب الحكومة والإصلاح، تصبع الحلول المثالية كلام نظري، ‏ولهذا السبب نختار بين السيء والأسوأ، والمطلوب شراء الوقت ودعم اللبنانيين بدل دعم ‏التجار والمهربين، إلى أن يتم تشكيل حكومة والمباشرة بالإصلاحات‎”.‎

    وحول قرض البنك الدولي المُنتظر، ذكر عبدالله أن “مجلس النواب أقر القانون المطلوب ‏للإستفادة منه، وأجرينا بعض التعديلات، وبات اليوم من مسؤولية وزارتي المالية والشؤون ‏الإجتماعية لإدخاله حيز التنفيذ‎”. ‎

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى