رأي

من شرعية المقاومة إلى متاهة الوصاية الامنية والانقلاب على الطائف ( أكرم بزي ) ‎

 


‎كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

‎تمثل المذكرة التي قدمها النائب وليد جنبلاط إلى المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز في السابع من تموز 2026، وثيقة تحليلية عميقة تستشرف تداعيات “اتفاق الإطار” على السيادة اللبنانية.

لا تكتفي المذكرة بقراءة البنود التقنية للاتفاق، بل تفكك الفلسفة السياسية الكامنة خلفه، معتبرة إياه نقلة نوعية في هندسة الصراع اللبناني-الإسرائيلي، حيث يتم تحويل جوهر الأزمة من احتلال خارجي إلى معضلة أمنية داخلية، ما يمنح إسرائيل غطاءً قانونياً وسياسياً للبقاء تحت ذرائع “عدم الامتثال” اللبناني، وهو ما يفرغ السيادة من مضمونها الحقيقي.

‎تكمن الخطورة الجوهرية في التلاعب بالمفاهيم القانونية الدولية؛ إذ يحول الاتفاق الاحتلال من خرق فاضح للقانون الدولي إلى “ورقة ضغط” مشروطة. فبدلاً من أن يكون الانسحاب حقاً سيادياً غير قابل للتفاوض، بات مرتبطاً بمسارٍ شائك من التفكيك العسكري ونزع السلاح. هذا التغيير يجعل من “الاحتلال” فعلاً إجرائياً مؤقتاً ومبرراً طالما أن الطرف اللبناني لم يثبت قدرته على احتكار القوة، وهو ما يفتح الباب أمام استدامة الوجود الإسرائيلي عبر بوابات العبور ونقاط التحكم التي تكرس واقعاً أمنياً جديداً في الجنوب، وتجعل من الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل مجرد أدوات تنفيذية تعمل لضمان الأمن الإسرائيلي تحت مسمى “التحقق”.
‎علاوة على ذلك، تحذر المذكرة من تحول الدور الأميركي من “وسيط” إلى “وصي تنفيذي”، إذ يربط الاتفاق المساعدات العسكرية والاقتصادية بمسارٍ سياسي وأمني داخلي، مما يحول الأزمة الوطنية إلى أداة ابتزاز. كما يبرز البند الثالث عشر كأخطر الأدوات التي تسعى لتقييد “حق لبنان في الشكوى” في المحافل الدولية، محولاً أي حراك قانوني ضد إسرائيل إلى عمل “عدائي” يخلّ بروح الاتفاق، مما يعني تجريد لبنان من سلاحه الدبلوماسي. هذا الرهان على الضمانات الأميركية هو في جوهره رهان خاسر، فالتاريخ يثبت أن واشنطن تتبنى التفسير الإسرائيلي للاتفاقات، مما سيجعل منه “فخاً قانونياً” يشرعن أي عدوان مستقبلي بحجة خرق الاتفاق.
‎أما عند مقارنة هذا المسار بـ “اتفاق الطائف”، فإن المذكرة تضع اليد على حقيقة وجودية؛ إذ إن اتفاق الإطار يمثل إعلاناً صريحاً بإنهاء ميثاق الوفاق الوطني والانقلاب على ركائزه. فبينما قام الطائف على استعادة الدولة لقرارها السيادي وبسط سلطتها عبر التوافق الوطني، ينسف اتفاق الإطار هذه المرجعية ويستبدلها بمرجعية “الوصاية الأمنية”. إن اتفاق الطائف عالج قضية السلاح ضمن سياق وطني داخلي وتنموي، بينما يعالجها اتفاق الإطار كهدف خارجي قسري، مما يهدد السلم الأهلي ويدفع نحو استقطاب حاد قد يؤدي إلى تفجير البنيان الوطني.
‎إن اتفاق الإطار لا يكتفي بمصادرة السيادة، بل يلغي فعلياً روحية الطائف؛ فهو ينهي زمن التوافق الوطني الذي كان يجمع اللبنانيين حول قضاياهم المصيرية، ليؤسس لزمن “الإملاءات الأمنية” التي تفرقهم. لقد نجح هذا الإطار في تحويل لبنان من دولة ذات سيادة تسعى لتحرير أرضها إلى كيان وظيفي يخضع للمراقبة والمحاسبة الإسرائيلية تحت غطاء دولي. إن هذا الاتفاق هو تطبيق عملي لسياسة “الأمن الاستباقي” الإسرائيلي، حيث يتم تحويل الجنوب إلى منطقة مستباحة وتصفية القضية الوطنية عبر ربط كرامة اللبنانيين وإعادة إعمار ديارهم بمطالب أمنية مهينة.
‎وفي الختام، يمثل الاتفاق محاولة استراتيجية لإنهاء الدور التاريخي للبنان كدولة مقاومة، وتحويله إلى كيان محاصر ومحكوم بقرارات ميدانية تُصاغ في تل أبيب وواشنطن. وبذلك، يصبح الطائف مجرد وثيقة تاريخية تجاوزتها موازين القوى الجديدة التي تسعى لإنهاء كيان لبنان التوافقي وتحويله إلى ساحة تجارب خاضعة للإرادات الخارجية. إن القبول بهذا الإطار يعني توقيعاً طوعياً على صك إدانة للدولة اللبنانية، حيث تظل السيادة الوطنية مستباحة تحت مقصلة إسرائيلية دائمة، ما يضع الدولة أمام مخاطر الانهيار التام لمعنى الدولة التوافقية المستقلة لصالح مشروع هيمنة إقليمي شامل لا مكان فيه لسيادة لبنان أو كرامته الوطنية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى