عندما يُصبح الاغتيال ضربًا من السذاجة الأمنية والعسكرية (أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
تبرز عمليات الاغتيال في العالم كوسيلة لتغيير مسار دولة أو حزب أو جماعة ما، أو لإشعال حرب في منطقة ما. ولعل أشهر هذه الاغتيالات اغتيال ولي عهد النمسا الذي كان السبب المباشر في اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكذلك اغتيال رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جون كينيدي، الذي تعزو بعض المصادر اغتياله إلى أسباب عدة، منها معارضته للبرنامج النووي الصهيوني، ومحاولته التوصل مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى حل القضية الفلسطينية، ومنها موقفه من حرب فيتنام.
كذلك عانى العالم العربي من عدد كبير من الاغتيالات، منها اغتيال الملك فيصل الثاني ما أدى إلى سقوط نظام الملكية في العراق، واغتيال الرئيس أنور السادات في مصر بعد توقيعه اتفاق السلام مع العدو الصهيوني، وهي محاولة هدفت إلى ضرب هذا الاتفاق، ولعودة مصر إلى الحضن العربي كما قيل، وكذلك اغتيال ملك السعودية فيصل بن عبد العزيز بسبب موقفه في الحرب بين مصر وسوريا من جهة، والعدو الصهيوني من جهة ثانية، حيث قطع إمداد النفط إلى الغرب ، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، وحاول من خلال ذلك التأثير والضغط على أمريكا وأوروبا لعدم دعم الكيان الصهيوني. وأمثلة اغتيال رؤساء الدول كثيرة، والهدف الأساسي قلب النظام والإتيان بنظام يتبع سياسات الدول المستكبرة.
أما في موضوع الأحزاب والجماعات، فالاغتيال يهدف إما إلى إضعاف الأحزاب وجعلها أكثر طواعية، أو إلى إيصال شخصية تكون أكثر مرونة في التعامل مع السياسات الموضوعة. ولعل النصيب الأكبر من الاغتيالات كان في فلسطين ولبنان، حيث اغتال العدو الصهيوني خليل الوزير (أبو جهاد) في تونس، وهو من مؤسسي حركة فتح وجناحها العسكري ومهندس الانتفاضة الأولى، لكونه الأكثر تشددًا في مواجهتها، لصالح بروز شخصيات أخرى في منظمة التحرير. ثم لاحقًا اغتال ياسر عرفات (أبو عمار) فأفسح المجال لأبو مازن ليتسلم رئاسة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية في رام الله، وهو المعروف بتنسيقه الأمني العالي مع العدو الصهيوني. كما اغتال العديد من القيادات الفلسطينية كغسان كنفاني ووديع حداد وأبو علي مصطفى، وكل ذلك أدى فعليًا إلى تراجع دور حركة فتح والجبهة الشعبية في القتال ضد العدو الصهيوني. ومن خلال هذه العمليات كان العدو يحفر في الوعي الحزبي الفلسطيني أنه سيغتال كل قياداتهم ويلاحقهم في كل مكان، وهي محاولة للتأثير عليهم وعلى عناصرهم للتخلي عن السلاح في مواجهته.
قد يُقال إن ذلك نجح إلى حد كبير مع الأحزاب والمنظمات التي ليس لها جذر عقائدي ديني، وقد أدى إضعاف هذه الأحزاب والمنظمات إلى بروز حركات مسلحة ذات طابع ديني في فلسطين كحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي. كما أدى إخراج هذه المنظمات من لبنان بعد اجتياح العام 1982 إلى صعود نجم حزب الله في الصراع مع العدو الصهيوني. فهل عمليات اغتيال قادة هذه الأحزاب الإسلامية أدت إلى نفس نتائج اغتيال أمثالهم من الأحزاب غير الإسلامية؟
الوقائع تدحض هذه النتائج؛ فاغتيال الدكتور فتحي الشقاقي أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في مالطا أدى إلى عكس المطلوب، فخليفته رمضان شلح كان أكثر تشددًا وعدائية للعدو الصهيوني، ومثله الأمين العام الحالي زياد نخالة. كذلك أدى اغتياله إلى مزيد من السرية والكتمان على صعيد مستويات التنظيم كافة.
أما مع حركة حماس، فاغتيال المؤسس الشيخ أحمد ياسين، ثم عبد العزيز الرنتيسي، لم يُعدّل من مواقف الحركة، بل زادها صلابة في القتال، وجعل عملها أكثر سرية وكفاءة. ورغم اغتيال القادة اللاحقين كصلاح شحادة وإسماعيل هنية ومحمد السنوار، فإن ذلك لم يفت من عضد اللاحقين، بل أصبحوا أكثر كراهية وعداوة للكيان الغاصب. وكذلك عمليات الاغتيال لقادة الجناح العسكري كما يُسمونه، كيحيى عياش ونزار ريان وأحمد الجعبري وصولًا إلى رائد العطار وأحمد عيسى ومحمد الضيف، فإن ذلك لم يُسقط السلاح من يد حماس، ولا جاء بقيادات سياسية وعسكرية أقل تشددًا وأكثر مرونة ودبلوماسية، ولا جعل الحركتين، سواء الجهاد الإسلامي أو حماس، تنحوان باتجاه الاستسلام أو السلام حسب المصطلح الصهيوني الأمريكي.
كما في فلسطين كذلك في لبنان، فاغتيال الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي أفسح المجال لتولي السيد حسن نصر الله سدّة القيادة، فأعاد تشكيل قوة حزب الله العسكرية التي أجبرت العدو الصهيوني على الانسحاب في العام 2000، والتراجع والهزيمة عام 2006. واعتبر قادة العدو أن السيد نصر الله كان من أشد وأذكى أعدائهم. وحتى عندما اغتالوه في حرب 2024 واغتالوا خليفته السيد هاشم صفي الدين، وهي الاغتيالات التي ما زال نتنياهو يتباهى بها حتى اليوم، فإن ذلك لم يأتِ بأمين عام أقل تشددًا، أو أن ذلك أدى إلى تغيير في سياسة العداء للكيان الصهيوني، بل على العكس من ذلك، تحول هؤلاء إلى أيقونات ورموز للجهاد والنضال.
في حرب 2024 وما تلاها، سعى العدو الصهيوني إلى تصفية قيادات الصف الأول والثاني في المقاومة، وأغلبهم من الجيل الأول المؤسس، وقد نجح في ذلك. لكن هل أدت هذه الاغتيالات إلى إنهاء العمل المقاوم أو تراجع القادة السياسيين أو العسكريين الجدد عن نهج المقاومة؟ أبدًا، فقد أثبتت الحرب الأخيرة أنهم أصبحوا أكثر شراسة وذكاء وقدرة. وإذا ما وضعنا كل عمليات الاغتيال منذ 2024 على طاولة التشريح، وفصّلنا في نتائجها، وحاولنا الإجابة على سؤال: هل أدت كل عمليات الاغتيال تلك إلى الهدف المنشود منها؟ أو بسؤال آخر: ما هي سلبيات وإيجابيات عمليات الاغتيال على المقاومة والعدو الصهيوني؟
صحيح أن خسارة هؤلاء القادة هي ضربة معنوية كبيرة، لكن الأحزاب التي تؤمن بالجهاد كمبدأ ديني سرعان ما تتخطى هذا الأمر، لأن الإيمان بالله هو الأساس، ومسيرة الشهداء بدأت منذ رسول الله (ص) واستمرت حتى يومنا الحاضر. وسرعان ما يبرز البديل الذي يُكمل الطريق نفسه، بل يكون أشد صلابة من سابقه. وصحيح أن خسارتهم تعني فقدان تلك الخبرة في القيادة والعمل السياسي والعسكري، لكننا نجد دومًا في الأحزاب الدينية أن العمل لا يقوم على رئيس ومرؤوس، بل هو عمل جماعي في أغلبه.
لذا بالتأكيد سنجد خليفة قد خبر العمل العسكري وشارك فيه وتدرّج في سُلم المسؤولية بشكل جيد ليصبح لائقًا بالمهام التي ستوكل إليه. وفي المقابل، فإن هؤلاء القادة، خصوصًا العسكريين منهم، قد بذلت أجهزة مخابرات العدو عشرات السنين من المراقبة والرصد، وتعرفت على طريقتهم في العمل ومنهج تفكيرهم، وبالتالي يمكن التنبؤ بقراراتهم. فاغتيالهم من جهة ثانية سيُشكل خسارة معرفية ومعلوماتية لعدوهم، وسيحتاج إلى سنوات عديدة ليُعيد معرفة وفهم طريقة عمل القادة الجدد، خصوصًا إذا تم اختيارهم من خارج صندوق التوقعات. وفي العادة هؤلاء أصغر عمرًا وأكثر ديناميكية، ولديهم الحافز لإثبات قدراتهم، ما يجعل العمل ضدهم أكثر صعوبة. كما أن اغتيال من قبلهم يجعلهم أكثر تحفظًا، وعملهم أكثر سرية، مما يؤدي إلى خسارة العدو لكمّ من المعلومات عنهم وعن سلوكهم العملي.
وفي السنوات الأخيرة ومع التطور التكنولوجي أصبحت القيادات الجديدة أكثر التصاقًا بهذه التكنولوجيا وأكثر استخدامًا لها، وهذا يعني زيادة في الفاعلية وتطويعها في حروبهم ضد العدو، مما يجعل أفكارهم أكثر تجددًا، وفي الأغلب يلجؤون إلى الاستفادة من العلوم الحديثة في تشكيل وحدات عملهم العسكرية.
إن أبرز مثال لذلك هو ما حصل في المعركة الأخيرة وما قبلها؛ فاغتيال مجموعة كبيرة من القيادات العسكرية في المقاومة لم يُثنها عن متابعة صراعها مع العدو الصهيوني، بل إن القيادة الجديدة قد طورت من أساليب عملها. فبينما كان الاعتماد على الصواريخ القصيرة والبعيدة المدى مع ما تستدعيه من أماكن تخزين وصيانة ونقل وطريقة استخدام، وجدنا أن الحرب الماضية في جزء منها تم استخدام صواريخ موجهة محمولة سهلة الحركة والتوجيه، وكذلك الطائرات المسيرة التي يتم التحكم بها لاسلكيًا، بينما في هذه الحرب استخدمت المقاومة صواريخ موجهة ذات مديات أكبر ودقة في الإصابة أعلى، كما أدخلت طائرات مسيّرة ذات تحكم سلكي عبر أسلاك الفايبر، وهو ما جعل إمكانية التشويش عليها صعبة، إضافة إلى أنها أكثر دقة في إصابة الهدف. والأهم من ذلك كله أنها تُرسل صورًا مباشرة لمسارها وللأهداف التي تضربها، مع ما لذلك من أثر معنوي وعملي قاسٍ على العدو، وما له من تأثير على مصداقية العمليات التي تُنفّذ، وما فيها من رفع للروح المعنوية عند جمهور المقاومة.
ما يظهر من خلال كل عمليات الاغتيال التي قام بها العدو الصهيوني، سواء للقادة الميدانيين أو للمقاومين خلال السنوات الثلاث الماضية، أنها قد فشلت في هزّ عزيمة المقاومة، بل يُمكن القول إنها جددت شبابها، فأصبحت أكثر وعيًا وقوة وعزمًا، ولجأت إلى أساليب أكثر فعالية وإيذاء للعدو.
ويبدو أن هذا المسار سيزيد من اعتماد المقاومة على أسلحة متطورة تكنولوجيًا، وهو أمر أبدعت المقاومة في استخدامه مع بساطة تشغيله ورخص كلفته، لكن بكفاءة أعلى في ضرب العدو وإيلامه. وهذا التطور التكنولوجي سيفسح المجال لأنواع جديدة أصغر حجمًا وأعلى دقة وأكثر فعالية، خصوصًا مع وجود جيل جديد من المقاومين الذين يستطيعون تكييف كل ذلك في معركة الصراع مع العدو الصهيوني. فهل تُفاجئ المقاومة العدو الصهيوني بأسلحة من الجيل الجديد في البر والبحر والجو؟
الأيام والأشهر المقبلة يُمكن أن تجيب على ذلك.



