الفوضى الأمنية في سوريا تعيد خطر الإرهاب إلى لبنان (فراس الشوفي)

الحوارنيوز – صحافة
تحت هذا العنوان كتب فراس الشوفي في صحيفة الاخبار يقول:
أعاد الهجوم الإرهابي الذي استهدف جنازة في كنيسة القديس جاورجيوس في مدينة الكرك جنوب الأردن، قبل أيام، وما أعقبه من قصف أردني لبلدات في محافظة درعا جنوب سوريا، تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني السوري، واستمرار نشاط التنظيمات الإرهابية ووجود المقاتلين الأجانب، وما يحمله ذلك من مخاطر على الأمن اللبناني.
فلبنان ليس بمنأى عن تهديد تنظيم «داعش»، الذي غيّر استراتيجيته بعد سقوط النظام السوري السابق. فبدلاً من السعي إلى السيطرة على مساحات جغرافية والاحتفاظ بها في عمق البادية السورية – العراقية، بات التنظيم يعتمد على الانتشار داخل المدن والبلدات في مختلف المحافظات السورية، والتخفّي بين السكان، مستفيداً، في بعض الحالات، من اختراقه لمؤسسات السلطة الانتقالية وأجهزتها العسكرية والأمنية، كما أظهرت الملابسات المحيطة بالهجوم على المستشارين الأميركيين في تدمر العام الماضي.
وسبق لمديرية المخابرات في الجيش اللبناني أن أوقفت، في الأسبوع الأخير من أيلول الماضي، أحد عناصر التنظيم في البترون شمال لبنان، للاشتباه في تخطيطه لاغتيال البابا ليون الرابع عشر خلال زيارته إلى لبنان العام الماضي. كما أوقفت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، في تموز الماضي، أحد قادة التنظيم في ما يُعرف بـ«الولاية الجنوبية والوسطى».
وبحسب مصادر أمنية لبنانية رفيعة المستوى، فإنّ «لدى مديرية المخابرات في الجيش اللبناني حالياً موقوفين كباراً من التنظيم، يخضعون للتحقيق بشأن مخططات كانوا يعتزمون تنفيذها داخل لبنان». وتؤكّد المصادر أنّ «التنظيم، رغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال يشكّل تهديداً جدياً للأمن اللبناني».
وجاء الردّ الأردني على جريمة الكرك بقصف مواقع داخل الأراضي السورية، ما أدّى إلى سقوط ضحايا مدنيين، وسط إعلان رسمي أردني عن أن «الأردن ضاق ذرعاً بتحركات التنظيم». وسبق ذلك بساعات استهداف طائرات التحالف الدولي سيارة تقلّ أبو عبد الرحمن الليبي، القيادي في تنظيم «حراس الدين»، الفرع السوري لتنظيم «القاعدة»، في أثناء تنقّله في بلدة قارة بريف دمشق، بعدما نجا من محاولة اغتيال بغارة مماثلة في ريف إدلب الجنوبي في شباط 2025.
لدى مخابرات الجيش اللبناني أربعة موقوفين في عملية خطف معراج أورال يدورون في فلك تنظيمات متطرفة
وسواء نُفّذت الغارات الأردنية وغارات التحالف بالتنسيق مع السلطات السورية أو من دون علمها، فإنّها تكشف جانباً من الفوضى الأمنية التي تعيشها سوريا، وحجم التحدّيات التي تواجه السلطة الحالية في التعامل مع ملف مكافحة الإرهاب والحرب ضد تنظيمي «داعش» و«القاعدة». ففي حال التنسيق المسبق قبل القصف، يعني ذلك أن السلطات ستكون أمام إحراج كبير جراء الدماء التي سقطت وردود الأفعال سواء من أهالي درعا أو من الرأي العام السوري، خصوصاً أنه لم يمضِ أسبوع على الهجوم الدامي الذي شنّته قوات الرئيس أحمد الشرع على بلدة رنكوس في القلمون السوري المحاذية للحدود الشرقية للبنان، ما أدى إلى سقوط خمسة قتلى قالت السلطات الانتقالية إنهم يتبعون للتنظيم. كما أنها أساساً محرجة أمام الكتلة المتشددة داخل بنية النظام بسبب دخولها إلى التحالف الدولي، مع استهدافات التحالف المتكررة لقياديين في هيئة تحرير الشام وتنظيمات أخرى، آخرهم أبو عبد الرحمن الليبي، الذي تدور شبهات كثيرة حول كونه ناشطاً في جهاز الأمن العام السوري، رغم انتمائه إلى «حراس الدين».
أما في حال القصف من دون تنسيق، وهو الأرجح، فذلك يعني أن لدى الأردن شكوكاً في قدرة دمشق على معالجة تمدّد «داعش» في الجنوب السوري، وعلى اختراق التنظيم لأجهزة السلطة في الجنوب، لا سيّما أن ما سمته القوات الأردنية أوكاراً لـ«داعش»، تبيّن أنها أهداف داخل عدة بلدات في درعا تسيطر عليها قوات الشرع. أمّا في حال قتل أبو عبد الرحمن الليبي، في منطقة قريبة من دمشق، فيظهر ذلك مدى أريحية الحركة لدى قيادات التنظيمات المتطرفة، واستخدامها غطاء الحكومة الرسمية السورية الحالية للتستر في أعمالها.
وجود اختراقات داخل المؤسسات والأجهزة التابعة للحكومة الانتقالية يشكّل تهديداً للبنان، خصوصاً بعد العمليات الأخيرة التي نفّذتها المخابرات التابعة للشرع، وتضمنت خطف علي الكيالي المعروف بـ «معراج أورال» من منطقة المنصورية في قلب جبل لبنان حيث يقيم عدد كبير من ضباط المؤسسات الأمنية والعسكرية اللبنانية، وقبله خطف مواطن سوري آخر بتهمة شتم الشرع، ومحاولة خطف اللواء السابق في الجيش السوري عادل عيسى داخل السفارة السورية، وشبهات بتنفيذ عمليات قتل لمعارضين سوريين للنظام الجديد على الأراضي اللبنانية، لم تتّضح كل تفاصيلها بعد. وحتى الآن، لم تصل التحقيقات الأمنية إلى تفاصيل دقيقة حول مسؤولية استخبارات دمشق والمخابرات التركية عن عملية خطف أورال، رغم تبنّي الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ذلك. لكن بحسب المصادر الأمنية اللبنانية، فإن لدى «مخابرات الجيش اللبناني أربعة موقوفين في عملية خطف أورال، يدورون في فلك تنظيمات متطرفة».
هذه الأمثلة المعلومة وأخرى غيرها لم تظهر إلى العلن بعد، تضع الدولة اللبنانية بمؤسساتها السياسية والأمنية أمام تحدي عودة المخاطر المتأتية عن التنظيمات الإرهابية وتحدي إدارة العلاقة مع السلطات الانتقالية السورية بتوازن يسمح بالحفاظ على العلاقات الأخوية بين لبنان وسورية والحيطة والحذر من الفوضى الأمنية في سورية وضعف الإدارة السورية الحالية



