دراسةسياسة

العصبية الجماعية العمياء في المؤسسات: حين يصبح البقاء أهم من الغاية (ميلاد السبعلي)

 

 

د. ميلاد السبعلي* – الحوارنيوز

 

*أولاً: من المؤسسة الحيّة إلى الجماعة المغلقة

 

ليست أزمات المؤسسات الكبرى وليدة قرار خاطئ واحد، أو خلاف إداري عابر، أو تنافس بين أشخاص. هذه غالباً أعراض ظاهرة لمرض أعمق يتسلل إلى بنية المؤسسة وثقافتها وسلوك أعضائها. يبدأ الخلل حين يضعف العمل للغاية التي وُجدت المؤسسة من أجلها، ويتقدّم عليه منطق البقاء، والموقع، والولاء، والتكتل، وحماية الذات الجماعية من النقد والمساءلة.

 

في المؤسسات الحيّة، تكون الجماعة إطاراً لتنظيم الطاقات، واكتشاف الكفاءات، وتوجيه الجهود نحو هدف عام. أما في المؤسسات المترهلة والمتهالكة، فتتحول الجماعة إلى عصبية مغلقة، تدافع عن نفسها أكثر مما تدافع عن غايتها، وتخاف من النقد أكثر مما تخاف من الفشل، وتحمي مواقعها أكثر مما تحمي رسالتها. عندها تبقى الهياكل قائمة، لكن الروح تتراجع، وتبقى الاجتماعات والبيانات والطقوس، لكن القدرة على الإنتاج والتجديد والتأثير تبدأ بالانحسار.

 

ثانياً: عندما تصبح الجماعة فوق الحقيقة

 

كثيراً ما يُحذَّر من النزعة الفردية، وهذا صحيح، لكنها ليست الخطر الوحيد. فالعصبية الجماعية العمياء لا تقل خطورة عنها، بل قد تكون أخطر لأنها تلبس ثوب الانتماء والوفاء والوحدة. الفردية المتطرفة تقول: “أنا فوق الجماعة”، أما العصبية الجماعية فتقول: “جماعتي فوق الحقيقة”. الأولى تضخّم الأنا الفردية، والثانية تضخّم الأنا الجماعية. وفي الحالتين تضيع الغاية، ويتراجع العقل النقدي، وتصبح الحقيقة خاضعة للمصلحة، لا المصلحة خاضعة للحقيقة.

 

الجماعة ليست فضيلة بذاتها. تصبح الجماعة قيمة عندما توسّع الوجدان الاجتماعي، وتحرّر الفرد من أنانيته، وتربطه بخير عام أوسع. لكنها تصبح خطراً عندما تذيب الفرد في ولاء أعمى، وتحول الانتماء إلى طاعة، والنقد إلى خيانة، والمساءلة إلى استهداف. عندها لا يعود الفرد عضواً مسؤولاً، بل جزءاً من كتلة نفسية تخاف الاختلاف وتدين التفكير الحر.

 

الوجدان الاجتماعي الصحيح لا يعني الذوبان في الجماعة، بل الانتماء الواعي إلى مصلحة عامة. الفرق كبير بين وجدان اجتماعي يربط الإنسان بالخير العام، وعصبية جماعية تلغي ضميره وتجعل تفكيره انتقائياً متحيّزاً. الأول ينتج مسؤولية، والثانية تنتج تبريراً. الأول يولّد تضامناً أخلاقياً، والثانية تولّد تواطؤاً صامتاً.

 

ثالثاً: الإنجازات لها ألف أب، والإخفاقات يتيمة

 

من أخطر سلوكيات الجماعات المغلقة أنها تتعامل مع الإنجاز والإخفاق بمنطق انتقائي. فالإنجاز يصبح مشاعاً، يتسابق الجميع إلى تبنّيه ونسبته إلى أنفسهم، ولو لم يكن لهم دور حقيقي فيه. أما الإخفاق فيُرمى على فرد أو طرف أو ظرف خارجي، ولو كان نتيجة مباشرة لثقافة جماعية كاملة من سوء الإدارة، وضعف التخطيط، وغياب المحاسبة، والتردد في اتخاذ القرار.

 

هذا السلوك ليس خللاً أخلاقياً بسيطاً، بل علامة عميقة على غياب المسؤولية المؤسسية. فالمؤسسة التي لا تملك شجاعة الاعتراف بالإخفاق لا تستطيع أن تتعلم منه. والمؤسسة التي تتعامل مع الأخطاء كفضائح يجب إخفاؤها، لا كفرص يجب تحليلها، تحكم على نفسها بتكرار الأخطاء ذاتها. أما المؤسسة الناضجة، فهي التي تعتبر المساءلة جزءاً من الولاء، والنقد جزءاً من الانتماء، والمراجعة شرطاً للاستمرار.

 

رابعاً: التسويات التي تطمر المرض ولا تعالجه

 

في الجماعات ذات العصبية المغلقة، لا تنفجر المشكلات فجأة، بل تتراكم بسبب غياب ثقافة العمل المؤسسي النهضوي: غياب النقد، وغياب المساءلة، وغياب معايير القيادة، وغياب الشجاعة في تسمية الأخطاء بأسمائها. وحين تبلغ الأزمة حدّ الانفجار، لا تهبّ الجماعة غالباً لمعالجة الأسباب، بل لحماية صورتها واستمرارها الشكلي.

 

عندها تُرفع شعارات من نوع “العيب”، و”عدم الانكشاف أمام الخصوم”، و”منع التفتت”، و”الحفاظ على وحدة الصف”. وهي شعارات قد تكون نبيلة لو ارتبطت بمراجعة جدية، لكنها تتحول إلى أدوات تعطيل عندما تُستخدم لإغلاق الجرح من الخارج وترك القيح في الداخل. فتأتي التسويات سطحية، تتغاضى عن الأخطاء التي أدت إلى التصعيد، وتعيد جمع المتخاصمين فوق أرض رخوة، لا فوق حقيقة واضحة أو محاسبة عادلة أو رؤية جديدة.

 

بعد ذلك تبدأ الجماعة بالتغزل بنفسها، معتبرة أن مجرد اجتماع المتخاصمين إنجاز، وأن عودة الهدوء الظاهري دليل على أنها عصية على التفتيت. لكن ما يحدث في العمق هو العكس تماماً: الهدنة لا تعالج المرض، بل تمنحه زمناً إضافياً. يشعر أصحاب الكفاءة والوجدان الحي بأن المؤسسة لا تريد الحقيقة بل الصمت، ولا تريد الإصلاح بل استمرار الشكل. فيبتعد المزيد منهم أو ينكفئون، بينما يحصل المتحكمون بالمشهد على فسحة إضافية لإحكام القبضة، ومنع النقد، وتخوين الدعوات إلى التغيير.

 

وهكذا تسير الجماعة، وهي تظن أنها تنقذ نفسها، في طريق الاندثار. تحافظ على تماسك ظاهري بينما تتآكل من الداخل، وتمنع الانفجار العلني بينما توسّع الشقوق الصامتة، وتنتصر للاستمرار الشكلي على حساب الغاية الكبرى. وهذا يذكّر بمنطق ابن خلدون في دورة العصبيات: حين تتحول العصبية، بعد أن كانت قوة إنشاء وبناء، إلى قوة دفاع عن الغلبة والموقع، تدخل طور الضعف والانحلال، ولو بقيت تتغنى بمجدها القديم وتماسكها الظاهر.

 

خامساً: حين تصعد الولاءات وتتراجع الكفاءات

 

كثير من المؤسسات لا تنهار لأنها تفتقر إلى النصوص أو الهياكل، بل لأنها تفتقر إلى الكفاءات السلوكية والأخلاقية التي تجعل العمل المؤسسي ممكناً. قد تضم المؤسسة أصحاب شهادات وخبرات، لكنها تفشل إذا غابت عنها القدرة على التواصل والتفاعل والتعاون، وحل النزاعات، والتفكير التحليلي، والتكيّف، وضبط الانفعال، والمبادرة، والعمل الجماعي، والتخطيط الاستراتيجي.

 

في المؤسسات الناضجة، تُختار القيادات وفق معايير واضحة: النزاهة، والاستقلالية، والخبرة، والقدرة على التفكير الاستراتيجي، وفهم هيكليات الحوكمة، ومهارة إدارة الاختلاف والتنوع، والاستعداد لتحمل المسؤولية. أما في المؤسسات المتهالكة، فتتقدم معايير أخرى: القرب الشخصي، الولاء الضيق، المجاملة، الانتماء إلى التكتلات الداخلية، أو مجرد الحضور الطويل في الجسم المؤسسي. وهكذا تصعد إلى مواقع القرار شخصيات لا تملك بالضرورة القدرة على القيادة، بل القدرة على البقاء.

 

وحين تضعف معايير القيادة، تضعف جودة القرار. وحين تضعف جودة القرار، تتكاثر الأزمات. وحين تتكاثر الأزمات، تتحول المؤسسة من صناعة المبادرات إلى إدارة الحرائق. ومع الوقت، تُصرف الطاقة الأكبر على الخلافات الداخلية، وتُهمل الغاية التي وُجدت المؤسسة من أجلها.

 

سادساً: عداء التميز وثقافة المستوى المتوسط

 

من أخطر ما يصيب المؤسسات المغلقة عداؤها الصامت للتميّز. فحين يسيطر المستوى المتوسط على الثقافة الداخلية، يصبح المتميز مصدر إرباك. وصاحب المبادرة يُتهم بأنه يسعى إلى الظهور. والمبدع يُنظر إليه كمن يهدد التوازن القائم. والخبير يُحاصَر لأنه يكشف ضعف غيره. عندها لا تعود المؤسسة تبحث عن الأفضل، بل عمن لا يزعج الوسط العام.

 

هذه الظاهرة لا تعبّر عن تواضع جماعي، بل عن خوف جماعي. الجماعة الواثقة تحتضن المتميزين وتستفيد منهم. أما الجماعة الضعيفة فتخاف منهم وتعمل على تقزيمهم أو دفعهم إلى الهامش. وفي حالات كثيرة، تتحول المؤسسة إلى بيئة طاردة للكفاءة، ثم تتهم الكفاءات بالابتعاد عنها. تقتل مواهبها، ثم تتساءل لماذا لم تعد تنتج قادة ومبدعين.

 

لكن التميّز نفسه يحتاج إلى توازن أيضاً. فكما لا يجوز للمؤسسة أن تقمع المتميّزين، لا يجوز للمتميّز أن يتحول إلى فردي متعالٍ على الجماعة. التميّز الحقيقي ليس بحثاً عن مجد شخصي، بل قدرة أعلى على خدمة الغاية العامة.

 

سابعاً: التحيّز المعرفي داخل الجماعات

 

في خلفية هذه السلوكيات تعمل تحيّزات معرفية كثيرة. فالجماعات المغلقة لا ترى الواقع كما هو، بل كما تريد أن تراه. تبحث عن المعلومات التي تؤكد رأيها، وتتجاهل ما يخالفه. تتوهم أن موقفها هو موقف الأكثرية. تبرر أخطاءها بالظروف، وتحاكم أخطاء الآخرين كدليل على سوء النية. تقدّس أشخاصاً أو تشيطن آخرين بناءً على انطباعات مسبقة، لا على تقييم موضوعي.

 

وحين تتحول هذه التحيّزات إلى ثقافة عامة، تفقد المؤسسة قدرتها على رؤية الحقيقة بموضوعية. لا يعود النقاش ممكناً، لأن كل فريق يسمع نفسه فقط. ولا تعود المراجعة ممكنة، لأن كل نقد يُفهم كاستهداف. ولا يعود الإصلاح ممكناً، لأن الاعتراف بالخلل يصبح تهديداً لصورة الجماعة عن نفسها. هنا تبلغ المؤسسة أخطر مراحل المرض: مرحلة صناعة الواقع الوهمي.

 

ثامناً: العقلية الأخلاقية الجديدة

 

لا يمكن إنقاذ المؤسسات بالهياكل وحدها، ولا بتبديل الأشخاص وحده. فالمشكلة، في كثير من الأحيان، ليست فقط في من يتولى الموقع، بل في الثقافة التي تنتج الموقع وتقبل أداءه وتبرر إخفاقه. فإذا بقيت العقلية نفسها، جاء أشخاص جدد يعملون بالأدوات القديمة ويعيدون إنتاج الأخطاء ذاتها.

 

ما تحتاجه المؤسسات هو عقلية أخلاقية جديدة: عقلية تجعل الصدق أعلى من المجاملة، والمسؤولية أعلى من الولاء الضيق، والكفاءة أعلى من القرب، والغاية أعلى من الأشخاص، والحقيقة أعلى من الصورة والانطباع. هذه العقلية لا تنظر إلى الأخلاق كوعظ، بل كشرط للعمل المؤسسي.

 

إنها العقلية التي تعيد التوازن بين الفرد والجماعة. تحمي الفرد من الأنانية، وتحمي الجماعة من العصبية العمياء. تمنح الفرد تقديراً صحياً لذاته، فلا يبحث عن قيمته في التصفيق أو التبعية. وتبني لديه ثقة حقيقية، فلا يخاف من المبادرة أو النقد. وتوسّع وجدانه الاجتماعي، فلا ينغلق في فئة أو شلة أو محور.

 

من العصبية إلى الوجدان

 

المؤسسات العظيمة لا تُقاس بحجم هياكلها، ولا بعدد اجتماعاتها، ولا بصخب خطابها، بل بقدرتها على تجديد نفسها. تُقاس بقدرتها على إنتاج قيادات جديدة، واحتضان المواهب، وتصحيح المسار، وتحويل الإخفاق إلى تعلم، والخلاف إلى تطوير، والنقد إلى قوة.

 

أما المؤسسات التي تخاف من النقد، وتطرد المتميزين، وتخضع للعصبيات الداخلية، وتبرر الإخفاقات باسم الولاء، فإنها قد تستمر شكلياً، لكنها تفقد معناها تدريجياً. فالمؤسسة لا تموت فقط عندما تتوقف عن العمل، بل تموت قبل ذلك عندما تفقد القدرة على الاعتراف والتعلّم والتجدّد.

 

إن المعركة الحقيقية داخل كل مؤسسة ليست بين أفراد متنافسين فقط، بل بين عقليتين: عقلية مغلقة تخاف الحقيقة وتحتمي بالعصبية، وعقلية حية ترى في الحقيقة شرطاً للإنقاذ. الأولى تحمي المواقع، والثانية تحمي الغاية. الأولى تعتبر النقد خطراً، والثانية تعتبره بداية الشفاء.

 

وحين تنتصر العقلية الحيّة على العصبية المغلقة، لا تعود المؤسسة هيكلاً يدافع عن بقائه، بل فضاءً لإنتاج التميّز والقيادة والنهضة. عندها يصبح النقد وسيلة إنقاذ لا تهديداً، والخلاف فرصة تجديد لا سبباً للتفكك، والتميّز طاقة لخدمة الغاية لا خطراً على الجماعة. فالمؤسسات لا تنهض بالولاءات الضيقة، ولا بالتسويات التي تطمر الأخطاء، ولا بالتماسك الشكلي الذي يخفي الشقوق، بل تنهض بشجاعة الاعتراف، ونزاهة المحاسبة، ووضوح الغاية، ومعايير القيادة، وثقافة الكفاءة، ووجدان اجتماعي يحرّر الفرد من أنانيته ويحمي الجماعة من عصبيتها المغلقة. عندها فقط يصبح البقاء في خدمة الغاية لا بديلاً عنها، والانتماء فعلاً أخلاقياً حراً لا تبعية صامتة، وتتحول الجماعة من كتلة عمياء تخاف الحقيقة إلى جماعة مُدرِكة واعية.

*رئيس مؤسسة سعادة للثقافة/ رئيس مجلس إدارة Global Education

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى